حاجة السوريين ومعارضتهم إلى قيادة

الاثنين 2015/01/19

لاشك أن افتقاد السوريين إلى معارضة سياسية فاعلة، وتحظى بنوع من الإجماع، بات يشكل أحد أهم التحديات التي مازالت الثورة السورية غير قادرة على تخطيها، رغم مضي أربعة أعوام على اندلاعها.

الواقع أن هذه الإشكالية بالذات أضحت إحدى أهم نقاط ضعف هذه الثورة، إذ أن الكيانات القائمة، من المجلس الوطني إلى الائتلاف الوطني، وغيرهما من الكتل والتجمعات، لم تستطع أن تثبت ذاتها كقيادة سياسية، ولم تنجح حتى على صعيد تشكيل الإطارات اللازمة، السياسية والعسكرية والإغاثية والإعلامية، مثلا.

لكن الفشل الأكبر للطبقة السياسية، التي تصدرت المعارضة، يتبدّى في عدم استطاعتها صوْغ الخطابات التي تعبر عن الثورة، وتوضح مقاصدها التحررية والديمقراطية، لتحويلها إلى ثقافة عامة، تحصّن المجتمع السوري من الخطابات الطائفية والتكفيرية، وتسهم في استقطاب الأطياف المترددة والحائرة والمتخوفة.

طبعا يمكن إحالة هذه القصور إلى حرمان السوريين من السياسة، منذ نصف قرن، وبالتالي غياب الأحزاب، وتدني الخبرات السياسية، إلا أن ذلك كله لا يفسر ما كل ما يجري؛ إذ أن السوريين يمتلكون طيفا واسعا من المثقفين السياسيين، ومن الناشطين الشباب، الذين بإمكانهم التصدي لهذه المسألة.

القصد أن أسباب التعثر على صعيد تشكل المعارضة، وتشكل قيادة سياسية لها، إنما تكمن في الارتهانات والإشكاليات والتحديات التي وجدت الثورة السورية نفسها إزاءها، في فترة قصيرة من الزمن.

مثلا، ومنذ البداية فقد توجه النظام للتعامل مع الثورة بالطرق القمعية، وباستخدام أجهزة الأمن والجيش، بحيث أنه لم يمنح الفرصة للثورة لتجميع قواها وتأطير ذاتها. هكذا، وبهذه الطريقة الفجة، منع النظام تبلور أي مركز قيادي، مثلما سحق كل محاولة للتظاهر، وكل محاولة للتجمع في أي ميدان من المدن السورية.

أما بعد ذلك فالقصة معروفة، إذ أن ردة الفعل على الحل العسكري للنظام، تمثلت بتحول الثورة نحو العسكرة، وهذه بدورها انطوت على اختزال الثورة في الجماعات التي تحمل السلاح، على حساب بعدها الشعبي، كما أن العسكرة في الواقع السوري الممزق، أدّت إلى توليد قيادات محلية، بحيث باتت القيادات السياسية في واد، والقيادات العسكرية في واد آخر، ومع خطابات أخرى مغايرة.

وما فاقم المشكلة أن الكيانات السياسية للثورة وجدت نفسها في فترة قصيرة خارج بيئتها، أو بمعزل عن شعبها، أولا، بسبب اضطرار معظم الشخصيات القيادية للخروج من البلد. وثانيا، لأن البيئات الحاضنة للثورة تم تدميرها أو حصارها، وبالتالي إفراغ الناس منها، بحيث باتت الثورة تفتقد لبعدها الشعبي، بعد أن تحول قرابة نصف السوريين إلى نازحين أو لاجئين. ثالثا، بسبب تشكل جماعات مسلحة غير منضبطة، أو متطرفة، أو خاضعة لارتهانات خارجية مختلفة.

بيْد أن العامل الأكثر تأثيرا في هذا الموضوع تمثل بالمداخلات الخارجية في الثورة السورية، والتي وصلت إلى حد بذل الضغوط لفرض هيئات معينة، كما حصل مع تشكيل المجلس الوطني، وبعده الائتلاف الوطني، وضمن ذلك اختيار رئيس هذه الهيئة أو تلك، وحتى الشخصيات العاملة فيها.

وفي الحقيقة فإن الأشخاص المعنيون بهذا الأمر أبدوا ضعفا في مقاومة تلك التدخلات، بحكم ارتهان الثورة السورية للمساعدات الخارجية، وبحكم افتقادهم لقاعدة حزبية أو شعبية، وبواقع تزايد نفوذ الجماعات المسلحة. ولاشك أن افتقاد هذه الشخصيات للخبرات العملية والسياسية، ولأي دور سابق في المعارضة، وضعف صدقيتهم النضالية أسهم في وجود تعزّز قابليتهم للإملاءات الخارجية، التي أدّت فيما أدّت إليه، إلى التلاعب بالثورة السورية والإضرار بالسوريين.

مازالت الثورة السورية موضع أمل، رغم كل المشكلات والتعقيدات والتحديات التي تتعرض لها، ومازالت مسألة تشكيل طبقة سياسية تقود المعارضة واحدة من أهم التحديات التي تواجه ثورة السوريين، وهذا برسم كل الشخصيات المعنية بهذا الاستحقاق.


كاتب سياسي فلسطيني

8