حاجة فلسطين إلى بشير الجميل

السبت 2014/07/26

مشكلة البعض أنه يتصور أننا -أنا ومن يتفق معي- ضد المقاومة، وهذا غير صحيح. المشكلة مع ما يسمى بـ«المقاومة» اليوم خروجها على الشرعية الرسمية في فلسطين، وشرعية الدولة في لبنان، ومع الأسف فإن تلك «المقاومات» إما في خدمة قوى خارجية (كـ«حزب الله») أو في خدمة مطالب فئوية (كـ«حماس»).

يتصور البعض أن المقاومة غاية في حد ذاتها، وهذا تصور مريض، فالهدف من المقاومة هو تحسين الوضع القائم أو تعزيز الدولة، وما نراه اليوم من «المقاومات» إما يهدف إلى إضعاف الدولة، أو يتجاهل القضية المركزية والمشكلة الجوهرية، أو بلا هدف أصلا.

إنني متضامن تماما مع أهلنا في غزة، لكن من الصعب سحب هذا التضامن على حركة حماس، مع العلم أنني لا أحمّلها مسؤولية عملية «العصف المأكول»، ومع العلم- أيضا- بأنني ضد الجرائم الإسرائيلية.

إن ما تفعله الحركة يجسّد أوضح مظاهر الخسة والانحطاط في السياسة. كان بإمكان المبادرة المصرية أن توقف نزيف الدماء، لكن «حماس» لا تبالي بالدم الفلسطيني في مقابل مصالح إقليمية لا تخص أهلنا في غزة. ليس هناك فرق كبير بين مبادرة الرئيس الأسبق محمد مرسي، ومبادرة الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، ومع ذلك توصف مبادرة الرئيس الإخواني بالوطنية لمجرد صدورها من إخواني، وتوصف مبادرة الرئيس العسكري بالصهيونية لمجرد صدورها من عسكري.

ما يجري هدفه توجيه رسائل قد يبدو بعضها متناقضا، الرسالة الأولى أن قرار غزة بيد المحور الإخواني (حماس والإخوان، قطر وتركيا). الرسالة الثانية تريد إحراج مصر الثلاثين من يونيو بتصويرها امتدادا لنظام مبارك، لإضفاء شرعية وهمية على العمليات الإرهابية التي تستهدف الجيش، وإظهار النظام المصري بمظهر العاجز دوليا وإقليميا على عكس النظام الإخواني.

أما آخر الرسائل، فهي في التزامن المريب بين رفض المبادرة المصرية ومفاوضات إيران النووية مع المجموعة الدولية، تماما كما حدث في توقيت حرب تموز بين (حزب الله) وإسرائيل قبل سنوات.

حماس لا تستثمر الإزعاج الذي سببته لإسرائيل لصالح القضية الفلسطينية، إنما لصالح تعزيز فكرة دولة غزة التي تريدها إسرائيل قبل غيرها. فالحركة تريد ثمنا فئويا لإيقاف صواريخها، رفع الحصار وتوسيع مساحة الصيد في البحر المتوسط، وكأن الأزمة هي غزة حصرا، إن القضية هي قضية فلسطين كلها لا قضية غزة وحدها، والمشكلة هي غياب الدولة الفلسطينية لا حصار غزة فقط. لا يصح أن نطلق على حماس وصف «المقاومة الوطنية» وأهدافها محصورة في المصالح الضيقة.

كان الأولى بالحمساوية رفع شعار الدولة الفلسطينية المتصلة والقابلة للحياة. وإنه لأمر مؤسف أن يتحدث الجميع اليوم عن غزة فقط، مع نسيان فلسطين. سياسات حماس ستؤدي في النهاية حل الثلاث دول (غزة، الضفة، وإسرائيل) بدلا من حل الدولتين (فلسطين وإسرائيل).

الآلة العسكرية الإسرائيلية لا تريد القضاء على حماس لأنها تبرر طغيانها، على الحمقى مراجعة مذكرات بريماكوف ليعرفوا دور الموساد في تأسيس حماس لضرب ياسر عرفات ومنظمة التحرير، «حماس هي صنيعة الموساد الإسرائيلي، وهي تحصد اليوم ما زرعت بالأمس انقساما فلسطينيا».

هناك مسألة جوهرية لا يمكن إغفالها في تلك «المقاومات»، انتماؤها إلى الإسلام السياسي. إن هزيمة مقاومة إسلاموية مشكلة لأنها ستقود إلى تطرف أكبر، وانتصارها مشكلة أفدح لأنها ستقود إلى تطرف كامل وجذري، فالانتصار العسكري في دنيا العرب والمسلمين- للأسف- مؤشر لصواب المنهج الاجتماعي والثقافي، الفلسفة التربوية والدينية من الأساس كرست لشرعية الإسلام، استنادا إلى انتصارات النبي العسكرية لا نجاعة منهجه أو أهمية روحانيته.

إن انتصارا واضحا وحاسما لحماس أو حزب الله أو من لف لفهما، سينعكس اجتماعيا بتكريس ثقافة التطرف، ومعاداة الحياة، وإلغاء الآخر. لا يمكن أن تنتصر «مقاومة» ثقافتها تكرس الرجعية والتطرف والتخلف بسبب مضمون ثقافتها، ولأن إسرائيل لن تسمح بذلك إلا في حدود إضعاف المجتمعات المحيطة بها، وليس تحويلها إلى قنابل موقوتة ضدها. لذلك أقول، إن خطر حركات الإسلام السياسي لا يقل عن خطر الصهيونية، ودون مقاومة مدنية تؤمن بثقافة الحياة والتحضر فلا مقاومة ولا انتصار، بل المزيد من الغوص في الهاوية. وعلى الجميع تأمل المطلب الجديد للدولة الإسرائيلية- منذ عهد إيهود أولمرت- المتمثل في يهودية الدولة، المقابل لشعار الدولة الإسلاموية الذي ارتفع صوته وسوطه في المنطقة.

بالنظر إلى القضية الفلسطينية اليوم، نجد أنها في حاجة إلى قيادة تاريخية- ليست بالضرورة أن تكون شخصا- تحدث في مجريات القضية ما أحدثه بشير الجميل في المشهد اللبناني المسيحي قبل عقود.

تسلّم الجميل مشهدا مسيحيا منقسما ومريضا، أحيى الفكرة اللبنانية ووحد مشهده الوطني، ثم مارس السياسة إلى أقصى حذافيرها للوصول إلى السلطة وتغيير مشهد الحرب، لكن الاغتيال وقف دون إتمام مشروعه. ليست هناك جدوى من أي مقاومة أو من أي تفاوض بلا جسد فلسطيني واحد وقرار فلسطيني موحد. على الفلسطينيين ألا يراهنوا على غير قدراتهم الذاتية للعبور بقضيتهم إلى الخلاص، خصوصا في هذا التوقيت العربي المريض، وفي هذا الجوار الطامع، وليتذكروا ما قاله لهم ذات يوم الرئيس جمال عبدالناصر: «يكذب عليكم أي زعيم عربي يدعي أن لديه خطة لتحرير فلسطين». إن المشهد الراهن لا أدري هل يدعو إلى الضحك أم البكاء، فالإسلاموية متحالفة موضوعيا مع الصهيونية لتدمير فلسطين والعرب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

في كتابه «رحلة إلى إسرائيل»، روى المسرحي المصري البارز علي سالم قصة زيارته الأولى إلى الدولة الإسرائيلية، وأبدى تعجّبه من قيام أحد الإسرائيليين بتوزيع منشورات في الشارع مضمونها «الجولان سوريّة وليست إسرائيلية» دون أن يتهم بالعمالة أو بالكفر. تذكر هذه القصة، وأنت تقرأ ردود الفعل على هذه المقالة.


صحافي سعودي

9