حاجتنا إلى النقد السينمائي

النقد إبداع مواز للعمل السينمائي وليس متابعة ذيلية باعتباره نوعا من الأدب الخاص أي جزءا من الثقافة وليس مرشدا لتطور الصناعة.
الأربعاء 2018/07/18
هل الناقد هو المسؤول عن عدم وجود عدد أكبر من المخرجات أم شركات الإنتاج السينمائي

أثار الممثل والكاتب البريطاني كاسبار سالمون على صفحات “الغارديان” (20 يونيو) قضية النقد السينمائي وتأثيره على الأفلام، وهو يفتتح مقاله “من يحتاج إلى نقاد السينما” باقتباس من مسرحية صامويل بيكيت الشهيرة “في انتظار غودو” عندما يتبادل بطلاها فلاديمير وإستراغون القصف بالكلمات تعبيرا عن ازدراء المؤلف نفسه للنقاد “الناقد.. من يحتاج للناقد؟”، ثم يتعرض سالمون للهجوم الذي تجدد مؤخرا على النقاد عندما اتهمت الممثلة الأميركية براي لارسون النقاد بغياب التنوع، وقالت إنها لا تستطيع أن تقبل أن يأتي ناقد في الأربعين من عمره لكي ينتقد فيلما مثل “تجاعيد في الزمن”، بينما هذا الفيلم ليس مصنوعا من أجله أصلا!

لم تكن هذه الممثلة نصف المعروفة الوحيدة بالطبع التي تهجمت على النقاد فقد أشارت ممثلة أخرى هي ميندي كالنغ (إحدى ممثلات فيلم “المحيط 8”) إلى ما دعته بـ”عدم توازن الجنسانية في النقد”، تقصد طغيان النقد الذي يكتبه الرجال على كتابات النساء، وهي مشكلة أخرى أصبحت تثار هذه الأيام بكثرة.

وعند معظم العاملين في صناعة السينما وخاصة السينما الأميركية يتركز النصيب الأكبر من شكواهم عادة ممّا ينشره موقع “الطماطم المتعفنة” الذي يعرض آراء عدد من النقاد غالبيتهم العظمى من الصحافيين السينمائيين الذين يكتبون عروضا للأفلام، يصفهم كاسبار بأنهم يسيرون على نهج الناقد الراحل روجر إيبرت الذي عرف بكتاباته الانطباعية، ويمنح الموقع درجات مئوية استنادا إلى تفاعل الصحافيين مع الفيلم، ويصف الفيلم الذي حصل على أغلبية من النقاط بأنه “طازج”، أما الفيلم الذي يفشل في الحصول على أغلبية فيوصف بأنه “متعفن”.

تغيب عن موقع “روتن توماتوس” أو “الطماطم المتعفنة” غالبا مقالات النقد التي تنشر في المجلات المتخصصة، لكن تأثير الموقع يظل أكبر على ذائقة الجمهور الذي يتفاعل معه ويقرّر مشاهدة الفيلم من عدمه طبقا للنقاط التي يحصل عليها.

يطالب البعض بإتاحة فرصة أكبر للناقدات النساء لكي يعتدل ميزان التعاطي مع أفلام المخرجات، وكأن ظهور المزيد من كتابات الناقدات سيؤدي تلقائيا إلى تفهم أكبر لأفلام المخرجات، ولكن ما العمل وكيف يمكن دفع المزيد من النساء إلى إخراج الأفلام وعدم الاقتصار على المونتاج وتصميم الديكور والملابس؟

إحصاءات عام 2017 تظهر أن 250 فيلما هي التي حققت أكبر إيرادات في السوق الأميركية، ولكن 8 بالمئة فقط من هذه الأفلام من إخراج مخرجات، بينما بلغت النسبة 24 بالمئة من قائمة أكثر 100 فيلم رواجا، ولكن القياس إلى الأفلام الأكثر نجاحا من الناحية التجارية ليس دائما المعيار الصحيح.

يتساءل كاسبار “هل الناقد هو المسؤول عن عدم وجود عدد أكبر من المخرجات أم شركات الإنتاج السينمائي؟”، ويطرح أيضا سؤالا يتعلق بدور الناقد السينمائي اليوم، فهل نحن في حاجة إلى دور جديد أكبر من مجرد دعم الأفلام الفنية، وما الذي يريده الناس من النقد السينمائي، خاصة بعد أن أصبح كل من يرغب في الكتابة عن الأفلام يمكنه أن يفعل ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي؟

كلها أسئلة جديرة بالنقاش، ولكن النقد السينمائي لا ينحصر فقط في الكتابة عن الأفلام، بل عن الاتجاهات والتيارات السينمائية الجديدة وإعادة اكتشاف الأفلام المجهولة في تاريخ السينما، كما أن دور الناقد من الناحية الجمالية يمكنه أن يساهم في “تنوير” المتفرج، عن طريق الكشف عن الجوانب الجمالية والفنية الكامنة في نسيج الفيلم فيجعل مشاهدته أو العودة إليه متعة لا تعادلها متعة.

كاسبار يرى أنه ليس من وظيفة الناقد تقديم النصائح للقارئ في ما يتعلق بما يجب أن يشاهده أو لا يشاهده، داعيا إلى فهم أفضل لدور النقد السينمائي، هذا الفهم يقوم في رأيي على اعتبار النقد إبداعا موازيا للعمل السينمائي وليس متابعة ذيلية باعتباره نوعا من الأدب الخاص أي جزءا من الثقافة وليس مرشدا لتطور الصناعة.

16