حادثة المنيا إنذار بضرورة استرجاع الدولة المصرية لهيبتها

الثلاثاء 2016/05/31
في انتظار قدوم الدولة إلى المنيا

القاهرة - ضمن النتائج ذات الدلالة التي أفرزتها حادثة الإثارة الطائفية بمحافظة المنيا في صعيد مصر قبل أيام، كان ملفتا رفض ذوي السيدة القبطية التي تم تجريدها من ملابسها الاحتكام إلى الجلسات العرفية في خروج واضح على تقاليد الصعيد.

لكن في الوقت نفسه فإن رغبة المتضررين في الاحتكام إلى المحاكم والنيابة المسؤولة عن تطبيق القانون الجنائي، حمّلت مؤسسات الدولة المصرية عبئا إضافيا بضرورة أن تكون حاضرة بكافة أجهزتها في تلك المناطق بعد عقود طويلة من التهميش.

يزداد الأمر غرابة باستعراض نتائج دراسة أصدرتها منظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، خلصت إلى أن سبب انتشار الجلسات العرفية في الصعيد هو ضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن القيام بوظيفتها في حماية السلم الاجتماعي وحياة المواطنين وممتلكاتهم.

وبالرغم من ذلك، فسر الدكتور منير مجاهد، رئيس المنظمة، سبب تراجع قيمة المجالس العرفية قائلا “هناك تقاعس في تنفيذ الأحكام التي تصدرها، إلى الحد الذي أصبحت فيه نوعا من التدليل المجتمعي”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن ما حدث في المنيا لا يمكن النظر إليه دون اعتبار للتغيرات المجتمعية للأقباط عقب ثورة 30 يونيو 2013، وما تلاها من تزايد اهتمام الدولة بهم، بعكس ما كان يحدث سابقا، وهو ما خلق لديهم نوعا من الثقة في إنصاف القضاء لهم في مثل هذه القضايا الطائفية.

للتدليل على صحة كلامه لفت إلى أن حوادث حرق الكنائس وممتلكات الأقباط بالصعيد في الفترة التي أعقبت الإطاحة بحكم الإخوان اتخذت المسارات القانونية، وبالتالي أصبح من الصعب عودتهم للقبول بجلسات عرفية لا تسري أحكامها.

يذكر أن حادث المنيا الطائفي نشب بعد قيام عدد من الرجال المسلمين بمطاردة تاجر قبطي أشيع أنه على علاقة آثمة بزوجة تاجر مسلم، وأنه كان يشجعها على طلب الطلاق.

لكن الرجل القبطي فرّ من منزله بقرية الكرم في مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا في جنوب مصر، فما كان من الغاضبين سوى تهديد والدته المسنة وتجريدها من ملابسها في الشارع.

منذ بداية الأزمة طالبت الكنيسة الكاثوليكية بالمنيا بتجنب الجلسات العرفية التي لا تحقق إلا مجرد تسويات سطحية ووقتية، لأوضاع تحتاج إلى علاج جذري وحاسم، وهو ما اتفق معه معظم المهتمين بالقضية.

وأدى موقف الكنيسة لفشل الوفد الكبير لما يسمى بـ”بيت العائلة” (هيئة حكومية تتشكل من رجال الدين الإسلامي والمسيحي)، الذي زار القرية في محاولة لعقد جلسة عرفية بين الأطراف المختلفة، إلا أنه فوجئ برفض الأهالي الجلوس معه.

وبحسب عدد من خبراء الاجتماع فإن حادث المنيا الأخير مس مجموعة من القيم بالمجتمع الصعيدي، تأتي على رأسها قيمة جسد المرأة والشرف وقداسة المسنات، بصورة أججت الرغبة الشعبية في توقيع أقصى عقوبة على الجناة.

لكن الباحث رسمي عبدالملك القبطي ومقرر لجنة التعليم في “بيت العائلة” قال إن “القانون وحده من الصعب أن يحل المشكلة من جذورها، لعدم ثقة المجتمعات الصعيدية والقبلية في مؤسسات الدولة بشكل عام”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن طبيعة المناخ الأسري والاجتماعي في القرى والمناطق القبلية تشهد تغييرات كبيرة في الوقت الحالي، وتستوجب معها ضرورة إقامة حوار فعال مع أهل الثقة في تلك المناطق.

وأشار إلى أن بيت العائلة حاول تقريب وجهات النظر، لكن كان هناك رفض لذلك، ما يعقد الأمور بين الطرفين، مشددا على ضرورة وضع خطط متكاملة تسير عليها مؤسسات الدولة والتغييرات التي تأخذ منحى أكثر عنفا.

في يناير الماضي عقد أفراد “بيت العائلة” المصرية بالمنيا، جلسة صلح عرفي، بعد اشتعال بوادر أزمة فتنة طائفية، على خلفية تغيب فتاة واتهام شاب قبطي باختطافها، وخلال الجلسة تم التوقيع على شرط جزائي 500 ألف جنيه (نحو 50 ألف دولار) لمنع تجدد الخلافات.

لكن الحادث الأخير كان بمثابة إنذار بوجود تغييرات سياسية واجتماعية بالمجتمع المصري، يستوجب معها البحث عن حلول غير تقليدية بعيدا عن الأساليب التي أصبحت أوراقا محروقة لن تجدي نفعا في حال حدوث أي مشكلات مستقبلية.

7