حادثة باريس تعمق السجال حول مستقبل سياسات أوروبا تجاه الإسلام

الثلاثاء 2015/01/13
المسلمون في أوروبا يدافعون عن مقولة مفادها أن الإسلام رديف السلام ونقيض البربرية

باريس – الحدث الباريسي الأخير، الذي بالغ البعض في عدّه نظيرا فرنسيا للحظة 11 سبتمبر2001 الحارقة أثرا ووقعا، وإضافة إلى تداعياته الأمنية والسياسية المباشرة، فإنه نفخ النار في مواقد خامدة، وسرّع سجالا لا يتوقف عن العلاقة بين الأديان في عالم جديد لم يعد يأبه، ظاهرا، بالاختلافات الثقافية والدينية، لكن أحداثا من قبيل الاعتداء على شارلي إيبدو أعادت تنشيط الوقائع العنصرية هنا وهناك: إسلاموفوبيا هنا، وتبرير للإرهاب هناك، وما بينهما ربط متسرع بين الإسلام والإرهاب أو ذود ضعيف عن الحرمة الدينية.

الاعتداء الأخير لخّص تخوفات المسلمين من موجة كراهية ناتجة عن ربط أوروبي قاصر بين الإسلام والإرهاب. فهل تعود موجة الكراهية للجاليات المسلمة في أوروبا، وخاصةً في فرنسا من جديد؟ أم ستدرك أوروبا التفرقة بين الإسلام وتصرفات وأفعال بعض مُنتسبيه؟

عبدالكريم قطبي المدير العام لاتحاد المنظمات الإسلامية اعتبر أن “هذه الأحداث ستكون مُقدمة لتغيير دول أوروبا، وبالأخص فرنسا، لسياستها تجاه المسلمين بشكل عام، والجاليات المسلمة في أوروبا بشكل خاص، لتنتهج أسلوبا أكثر تشكيكا في المسلمين، والنظر إليهم على أنهم يمثلون تهديدا للأمن، ولفت إلى أن هناك اعتقادا راسخا في الشارع الفرنسي حاليا، مفاده أن لا وجود لمسلمين مُعتدلين، وهذا هو الخطر الحقيقي”.

وأشار إلى أن اليمين المتطرف في أوروبا والجماعات اليهودية، ستستغل الحادث للتحريض ضد المسلمين والتضييق عليهم في أوروبا، وتبرير أي تصرّف بربري ضد الشعوب العربية والإسلامية، خاصة أن اللوبي اليهودي يسيطر على الإعلام في فرنسا”.

ولفت إلى أن اليمين دائما ما يروج إلى أن هناك طابورا خامسا من المسلمين يتربص بأوروبا، وتابع؛ خطاب الكراهية ضد الدين ساد في فرنسا الحديثة، وتم التلاعُب به لأغراض سياسية من قِبَل اليمينيين واليساريين، مؤكدا أن المسلمين في أوروبا يُعانون الاضطهاد والتمييز، وهذا ما أفرز اتجاه بعض من الأقلية المسلمة إلى العُنف، لعجزها عن الحصول على حقوقها بشكل سلمي، وبرز ذلك بشكل واضح بعد أحداث الحرب على العراق والتدخلات في أفريقيا.

بروز مواقف رصينة ومتزنة تنظر إلى ما حدث في باريس على أنه حدث إرهابي لا يجوز وصله بحضارة أو دين

في سياق مختلف، أكد فرانسوا جيريه رئيس المعهد الفرنسي للتحليل الإستراتيجي، في تصريحات صحفية، أن أوروبا باتت تدرك الفرق بين الإسلام كدين يدعو إلى السلام والمحبة، والجماعات الجهادية التي تستخدم العُنف والإرهاب، وهذا ظهر بشكل واضح في تصريحات الكثير من قادة أوروبا بعد الحادث، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، الذي قال: إن الحادث لا يمت للإسلام والمسلمين بصلة، وأن فرنسا في حرب “ضد الإرهاب وليس ضد دين ما”.

ولفت إلى أن الحكومة الفرنسية لن تستجيب لمثل هذه الاستفزازات وتتخذ أي إجراءات ضد الجالية المسلمة بفرنسا، وأشار جيريه إلى ضرورة عدم الوقوع في حالة من الاستقطاب بسبب هذا الحادث، وأن يحدث نقاش حقيقي حول الحادث والوقوف على أسبابه ومُعالجته حتى لا يتكرر، وتابع فرنسا لم تبلور موقفها حتى الآن في كيفية التعاطي مع الحادث، وسياستها تجاه التعامُل مع الجاليات المسلمة على أراضيها، لافتا إلى أن المشكلة الرئيسية تكمُن في اندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي.

ومن جانبه، يرى عزالدين فيشر أستاذ السياسة الدولية بالجامعة الأميركية في القاهرة، أن الهجوم على مجلة “شارلي إيبدو”، بمثابة سقطة أمنية لأجهزة الأمن الفرنسية، كون أن منفذي الهجوم كانا تحت رقابة الشرطة الفرنسية لفترة من الزمن، كما أنهما مُدرجان على قائمات الإرهاب الأميركية، ورغم ذلك فقد تمكنا من تنفيذ عملياتهم، من دون أن تتمكّن قوات الأمن من منعهم.

وتابع عملية اقتحام المجلة كانت على درجة عالية من التنظيم والدقة في التنفيذ، كما أن طريقة تحرُّك المسلحين الذين هاجموا المجلة وهدوءهم وتصميمهم الظاهر، يكشف عن أشخاص تلقوا تدريبا عسكريا عاليا، لافتا إلى أن الحادث خلّف ثلاثة أيام من الرُعب والهجمات، التي خلّفت 17 قتيلا وعددا من الجرحى في فرنسا؛ مما أثبت فشل السياسة الفرنسية الأمنية، وخلقها نوع من الكره والرفض من جانب شريحة المسلمين في فرنسا ضد الحكومة والدولة.

الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة دعا إلى ضرورة حشد الجهود لتعزيز التسامح والتفاهم في العالم

بين الآراء المتخوفة من ارتدادات العملية، والتصورات التي تربط العملية بالحضور الفرنسي في العالم، تبرز مواقف أخرى أكثر رصانة واتزانا في النظر إلى ما حدث في الأراضي الفرنسية، على أنه حدث إرهابي لا يجوز وصله بحضارة أو دين. في هذا السياق حذر الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، من “استهداف” المسلمين المقيمين في فرنسا بصفة خاصة وأوروبا بشكل عام، عبر شن أعمال انتقامية ضدهم في أعقاب الأحداث التي شهدتها العاصمة الفرنسية باريس.

وقال بان كي مون الأحد: “في أعقاب الأحداث في باريس، أحذر من استهداف المسلمين بأعمال انتقامية؛ لأن التحيّز غير المبرر من شأنه أن يصب في صالح الإرهابيين والمساهمة في دوامة من العنف”. ودعا الأمين العام للمنتظم الأممي إلى “ضرورة حشد الجهود لتعزيز التسامح والتفاهم”، وأشار إلى أنه “في الأسبوع الماضي وحده، شهد العالم تفجيرات مروعة ووحشية، وذات بعد طائفي في الغالب، ويتعيّن على المجتمع الدولي أن يعالج هذا العنف والانقسام بشكل لا يؤدي إلى تفاقم المشاكل ويضمن احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون”.

ولذلك رحّب بالمسيرة التي انطلقت بالعاصمة الفرنسية باريس الأحد، بمشاركة رؤساء دول وحكومات للاحتجاج على الهجمات التي شهدتها باريس قبل أيام وتنديدا بالإرهاب. وتابع "لقد شارك ستيفان دي ميستورا، كمبعوث خاص للأمين العام، في المسيرة وانضم في التعبير عن الاشمئزاز من الإرهاب، وأؤكد التزامي بضرورة العمل لمواجهة التطرف ومحاربة معاداة السامية وغيرها من أشكال التمييز".

لم يكن بان كي مون وحيدا في اتخاذ موقف مندد بالعملية ومحذر من الانسياق نحو الربط بين الإرهاب والإسلام، حيث أكد رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، عبدالله بن منصور أن الإساءة التي سببها الإرهابيون الذين هاجموا مقر شارلي إيبدو، للنبي الكريم خاصة، وللإسلام عامة، وربطهما بالإرهاب، أكبر من الإساءة التي تعرض إليها الرسول والإسلام جراء نشر الرسوم المسيئة، معربا عن توقعه بأن يدفع المسلمون ثمنا لجرم لم يرتكبوه.

13