حادثة شارلي إيبدو تدشن مرحلة التهديد الإرهابي المهجن

الأحد 2015/01/11
استنكار وإدانات شعبية ودولية للعملية الارهابية

باريس - تثير العملية الإرهابية التي استهدفت صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة شكوكا كبيرة حول من يقف خلفها، وأعلن كل من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وداعش عن تبنيهما للعملية بشكل منفرد، رغم اعتراف المتورطين، بتنسيق العملية بينهما، مما يزيد من الشكوك حول هذا الهجوم، خاصة وأن نقاطا كثيرة من سر هجوم “شارلي إيبدو’” دفنت بعد القضاء على المنفذين الرئيسيين للحادثة، التي ستغيّر كثيرا من ملامح الخارطة السياسة العالمية في قادم الأيام.

حسم اعتراف الرجال الثلاثة الذين أثاروا الرعب في فرنسا منذ هجوم الأربعاء على صحيفة “شارلي إيبدو”، انتماءاتهم والجهة التي يتبعونها. لكنهم لم يحسموا أمر الجهة التي نفذت العملية.

وبينما قال الأخوان كواشي إنهما ينتميان إلى تنظيم القاعدة في اليمن، قال كوليبالي إنه ينتمي إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”، لكنهم اتفقوا على أنهم نسّقوا عملهم.

وتبنى الشقيقان شريف وسعيد كواشي (32 و34 عاما) اللذان قتلا برصاص قوات الأمن بعد مطاردتهما منذ تنفيذهما الاعتداء على الصحيفة الفكر المتطرف. وأكد شريف في حديث مع قناة “بي. أف. أم. تي. في”، قبل بضع ساعات على هجوم قوات الأمن إنه كلف بالعمل في فرنسا لحساب تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب فرع تنظيم القاعدة في السعودية واليمن. وقد أدرج اسم الأخوين الفرنسيين وهما من أصل جزائري “منذ سنوات” على اللائحة الأميركية السوداء للإرهاب بسبب ماضيهما المضطرب.

وشريف، الملقب بأبي إحسان، كان جزءا من “شبكة منطقة بوت-شومون” التي تسعى لإرسال جهاديين إلى الفرع العراقي لتنظيم القاعدة الذي كان بزعامة أبي مصعب الزرقاوي.

كان شريف كواشي معروفا لدى أجهزة الاستخبارات الفرنسية وأدرج مع وشقيقه سعيد منذ سنوات على القائمة الأميركية السوداء للإرهاب

وأوقف شريف، الذي تدرب على استخدام الكلاشنيكوف في باريس في 2005 قبل توجهه إلى العراق. وخلال توقيفه بين نوفمبر 2005 وأكتوبر 2006 تعرف على أميدي كوليبالي مطلق النار في مونروج ومحتجز الرهائن داخل سوبرماركت في باريس والذي قتل أيضا الجمعة بأيدي قوات الأمن.

سعيد، المولود في سبتمبر 1980 بباريس، لم يكن معروفا من قبل الاستخبارات مع أنه قصد جامعة سلفية في اليمن قبل أن يتدرب على السلاح لدى تنظيم القاعدة. وشارك في 2013 إلى جانب عدد من الطلاب الأجانب في الدفاع عن مركز دماج السلفي القريب من مدينة صعدة بشمال اليمن عندما هاجمه الحوثيون.

خلال محاصرتهما في مطبعة بشمال شرق البلاد من قبل الأمن الفرنسي، اعترف شريف كواشي أحد الشقيقين لقناة تلفزيونية فرنسية، قبل مقتله بساعات بأن تنظيم القاعدة في اليمن هو من قام بتمويله وإرساله لتنفيذ العملية.

ويعتقد مسؤولون استخباراتيون أميركيون أن سعيد كواشي الشقيق الأكبر لشريف، تلقى تدريبا على مدار شهرين في عام 2011 في فرع القاعدة في اليمن بهدف العودة إلى فرنسا وتنفيذ هجمات فيها.

أما الرجل الثالث أميدي كوليبالي فقد أعلن انتماءه إلى تنظيم “الدولة الاسلامية” قبل مقتله الجمعة، وكان اعتنق الفكر المتطرف خلال مكوثه في السجن. وخرج من السجن في مايو 2014 بعد انقضاء عقوبته التي دامت خمس سنوات.


القاعدة وداعش يتبنيان العملية


تبنى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي يتخذ من اليمن مقرّا رئيسيا له عملية “شارلي إيبدو”، متوعدا بمزيد من الهجمات في فرنسا، وذلك ردا على رسومات مسيئة للإسلام.

وقال القيادي بالتنظيم حارث النظاري، في كلمة صوتية بثتها قناة “الملاحم اليوتيوبية” التابعة للتنظيم، “أيها الفرنسيون، أولى بكم أن تكفوا الاعتداء على المسلمين، فوالله لن تنعموا بالأمن ما دمتم تحاربون الله وتقاتلون المؤمنين”. وهدد النظاري، صباح السبت، فرنسا بأنها لن “تنعم بالأمن” في حال استمرارها فيما اعتبره “محاربة الله وقتال المؤمنين”.

استنفار أمني تشهده فرنسا بعد العملية الارهابية

بدوره، تبنّى تنظيم الدولة الإسلامية، الذي ينافس تنظيم القاعدة على زعامة الجماعات الإسلامية المتطرفة، العملية. وقال أبوسعد الأنصاري، مسؤول أئمة وخطباء داعش في الموصل: “بدأنا انطلاقنا بعمليتنا التي نتبناها من فرنسا اليوم وغدا لبريطانيا وأميركا وغيرها وسيكون ردنا الحاسم ليعتبر هؤلاء في التحالف أن الدولة الإسلامية هي التي ستحرر كل بلاد الفساد والكفر”.

ونسبت محطة “بي. أف. أم. تي. في” التليفزيونية الفرنسية العملية إلى التنظيمان المتنافسان “داعش” و”القاعدة” وأنهما كانا راء الاعتداءات التي هزت باريس. ونقلت المحطة عن أميدي كوليبالي، قبل مقتله، أنه كان هناك تنسيق بين حادث الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” الذي أسفر عن مقتل 12 شخصا وحادث مقتل شرطية في جنوب باريس هذا الأسبوع.

وأشارت إلى أن كوليبالي أكد في محادثة هاتفية معها، تم تسجيلها أثناء قيامه باحتجاز رهائن بمتجر لبيع الأطعمة والمواد الغذائية الحلال طبقا للشريعة اليهودية “كوشير” شرق باريس،” لقد قمنا بتنفيذ العمليتين بالتزامن”. وقالت المحطة إن كوليبالي زعم أنه تلقى تعليمات من تنظيم “داعش”. وأجرت المحطة أيضا محادثة هاتفية مع شريف كواشي المشتبه في قيامه بتنفيذ إطلاق النار على “شارلي إيبدو” صحبة شقيقه. وزعم أنه نفذ العملية بناء على تعليمات من تنظيم القاعدة في اليمن.

لكن، يبقى هذا التحليل واحدا من تحليلات عديدة، اتفق أغلبها على أن العملية وراءها أحد التنظيمات الجهادية، إلا أن التأكيدات بخصوص الجهة المخطّطة للعملية الإرهابية والمنفّذة لها، لاتزال محلّ غموض، رغم اعترافات المتّهمين، قبل مقتلهم، ورغم تحليلات الخبراء التي تراوحت بين من يعتقد أن تنظيم الدولة الإسلامية هو من ارتكب الجريمة، وبين من ينسبها إلى تنظيم القاعدة. ويتّفق أغلب المحللّين والخبراء، على أنه مهما كانت الجهة التي تقف وراء العملية الإرهابية التي هزّت فرنسا والعالم، فإن تداعيات الحدث ستكون خطيرة وبعيدة المدى، في مشهد شبّهه كثيرون بفترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

فإذا كان تنظيم القاعدة قد شارك الدولة الإسلامية في هذه العملية، فإن ذلك ينبئ بصراع مصيري وخطير بين الجهاديين والغرب. وفي السابق استفادت الحرب على الإرهاب من الخلاف الكبير والانقسام الذي وقع بين التنظيمين اللذين يشتركان في الفكر والأسلوب، لكن تقاربهما قد يؤدّي إلى عمليات أخطر من جريمة “شارلي إيبدو”.

لكن فرضية التعاون بين داعش والقاعدة، لاتزال ضعيفة مقارنة بالتحليلات الأخرى، خاصة وأنه لم يصدر بيان مشترك عن القاعدة وداعش يعلنان فيه اشتراكهما في عملية “شارلي إيبدو”. بل إن إصدار كل تنظيم لبيان منفرد يتبنّى فيه العملية يعكس الخلاف المستمر بين أنصار تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، حيث يحاول كل منهما ادعاء مسؤوليته عن الهجوم دون أن يلمّح إلى الطرف الآخر.

رئيس وزراء فرنسا السابق:
باريس – حمّل رئيس الوزراء الفرنسي السابق، دومينيك دو فيلبان، السياسة الغربية المسؤولية عن تضاعف بؤر الإرهاب حول العالم، معتبرا تنظيم “داعش” “وليدا مشوها” لهذه السياسة التي وصفها بـ”المتغطرسة” و”المتقلبة”.

ووصف قرار الرئيس الأميركي، باراك أوباما، تشكيل تحالف دولي لمحاربة “داعش” بـ”الخطير والسخيف”؛ لأنه “سيعمل على مضاعفة البؤر الإرهابية”.

وقال في حوار مع قناة “بي أف أم تي في” الفرنسية الخاصة، تعقيبا على الأحداث الأمنية الأخيرة التي تشهدها بلاده: “حان الوقت أن تتعلم أوروبا والولايات المتحدة من تجربة الحرب على أفغانستان؛ ففي عام 2001 (موعد بدء الحرب الأميركية في أفغانستان) كان لدينا بؤرة إرهاب رئيسية واحدة، أما الآن وبعد خوض عمليات عسكرية على مدار الـ13 عاما الماضية شملت أفغانستان والعراق وليبيا ومالي أصبح لدينا نحو 15 بؤرة إرهابية بسبب سياستنا المتناقضة”.

ورأى أن ما وصفه بـ”الحرب المتهورة” على العراق في عام 2003 قدمت الدعم والمساندة لنظام رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي استخدم “اللعبة الطائفية بين السنة الشيعة”.

وحذر من “صعود سريع لقدرات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ حيث كان عدد المنتمين إليه قبل بضعة أشهر يبلغ بضعة آلاف أما الآن فعددهم يتراوح ما بين 20 و30 ألفا، وذلك نتيجة للتناقضات لدينا”.

كما حذر من شن حرب في منطقة تعاني من الإرهاب وتشهد “أزمات هوية”، معتبرا ذلك بمثابة “صب للزيت على النار”، قائلا: “نحن بهذه الحرب نخوض مخاطرة توحيد العديد من الجماعات الإرهابية ضدنا ونقدم لهم خدمات لم يكونوا يتوقعونها”.

وفي سياق انتقاده للسياسات الغربية القائمة على فتح بؤر جديدة للقتال، قال دو فيلبان: “الغرب سيشن حربا ضد الخلافة (التي أعلنها تنظيم داعش) في العراق وسوريا، اليوم وغدا سنفتح بؤرة أخرى للإرهاب وسيكون علينا خوض حرب أخرى على الخلافة في ليبيا”.

وأضاف: “كل حرب سنخوضها علينا أن نخوض أخري لمعالجة عجزنا وعدم كفاءتنا في الرد على التهديدات الارهابية؛ ولذلك أرى أن قرار (الرئيس الأميركي باراك) أوباما لتشكيل تحالف لشن حرب ثالثة سيكون سخيفا وخطيرا”.

وتبقى النظرية الأقرب، وفق المحللين، إلى أن العملية قام بها أحد التنظيمين، أما التداعيات الأخرى فقد تكون وليدة اللحظة، وقامت بها خلايا نائمة تابعة للتنظيم المنافس. ورغم اعتراف الرجال الثلاثة المتورّطين، قبل أن يقتلوا، ورغم التصريحات الصادرة عن القاعدة وداعش يبقى الأمر محل تأويل وتفسير.

وأشار بعض خبراء الإرهاب إلى امكانية تورط تنظيم القاعدة أو إحدى الجماعات التابعة له في الهجوم. وبنى أصحاب هذا التفسير نظريّتهم على أن الهجوم الذي استهدف صحيفة “شارلي إيبدو” تم بقيادة ما لا يقل عن ثلاثة مهاجمين، على عكس موجة الهجمات التي يتبناها تنظيم داعش، وتكون عادة بقيادة مسلح واحد.

وقارنت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية بين الهجوم الذي استهدف صحيفة “شارلي إيبدو” الساخرة في باريس، وحصار مقهى في مدينة سيدني الاسترالية، في ديسمبر الماضي، وهجوم على المتحف اليهودي في بروكسل، في مايو الماضي، فضلا عن حملة مسلحة استهدفت مبنى البرلمان الكندي، في أوتاوا، في أكتوبر 2013.

وأوضح المحللون أن الهجوم أظهر درجة من التطور والحنكة تفتقدها الهجمات التي نفذت على أيدي مؤيدي تنظيم داعش مثل حصار سيدني، الذي تم تنفيذه بقيادة شخص أحضر علم الجهاد إلى موقع الهجوم بالخطأ ولكنه طلب في وقت لاحق من الشرطة الأسترالية إحضار علم تنظيم داعش. وقال خبير قضايا الإرهاب في كينغز كولدج لندن، بيتر نيومان، الهجوم في باريس كان يبدو أكثر تنظيما من هجمات “الذئب المنفرد” التي تعتمد على منفّذ واحد، وأن أحد أفرع تنظيم القاعدة قد يكون المسؤول عنها.

ونسبت “نيويورك تايمز” إلى جان بول رويلر، مدير مركز جنيف للتدريب وتحليل الإرهاب، قوله إنه كان يتم اختيار الأهداف فقط لكونها غربية في الهجمات السابقة، إلا أنها كانت تفتقر إلى المعاني الرمزية التي لطالما كانت تحملها الهجمات التي يتزعمها تنظيم القاعدة.

ومن بين أصابع الاتهام التي تشير إلى تنظيم القاعدة حقيقة آخر إصدار لمجلة ” إنسباير”، وهي مجلة دعائية تنشرها الجماعة التابعة لتنظيم القاعدة في اليمن، فقد قامت بوضع اسم رئيس تحرير صحيفة “شارلي إيبدو”، ستيفان تشاربونيير، على قائمة اغتيالات مقترحة تضم أسماء الغربيين الذين أساؤوا إلى الديانة الاسلامية، حيث ظهر اسمه في صفحتين تحت عنوان “رصاصة يوميا تبقي الكافر بعيدا – دافعوا عن النبي محمد”. لكن هذا كله لا يعني أن القاعدة هي من كانت وراء الهجوم.

وذهب سام جونز، الخبير الأميركي في الشؤون الدفاعية إلى وصف الهجوم بـ”التهديد الإرهابي المهجن”، فهي تهديدات لا يمكن في النهاية تتبع أثرها وتحديد مصدر واحد لها، أو أنها تتبع قيادة لها، كما حدث في هجمات 11/9 في نيويورك أو 7/7 في لندن أو تفجيرات مدريد.


طرف ثالث


تبني الطرفين للعملية يجعل بعض المحللين ممّن يعتقدون بنظرية المؤامرة أن طرفا ثالثا (مخابرات دولة غربية صديقة مثلا) ربما يكون خلفها، وما يعزز فرضيتهم تلك، الطريقة التي أدار بها الأخوان كواشي عملية “شارلي إيبدو”. فقد بدا المسلحان في الصور التي أخذت من قبل أشخاص كانوا في المكان وهم يتصرفون بمهنية عالية ويشنون هجوما خطط له بدقة، حسب خبراء.

وقال رينيه جورجي كويري، الرئيس السابق لوحدة شرطة مكافحة الإرهاب: “الشيء اللافت هو آثار الأعيرة النارية المتقاربة في الواجهة الزجاجية وهو ما يوضح أنهم (المسلحون) كانوا يتحكمون بشكل جيد في أسلحتهم ومشاعرهم".

مسيرات تجوب مختلف المدن الفرنسية حدادا على ضحايا الاعتداء على صحيفة "شارلي إيبدو"

أما جان لويس بروجيري، وهو قاض سابق في قضايا مكافحة الإرهاب “لم أندهش وحسب من هدوء الملثمين بل أيضا من الأسلوب الاحترافي الذي نفذوا به هروبهم بعد أن أخذوا وقتهم للإجهاز على شرطي مصاب".

كما أن اللافت إلى جانب ذلك عدم تعقب المخابرات الفرنسية للأخوين كواشي، رغم وجود شبهات كثيرة تحوم حولهما، حيث سبق وأن تورطا في تهريب أشخاص إلى كل من سوريا والعراق.

وأعرب أستاذ العلوم السياسية في باريس المتخصص في اليمن لوران بونفوا عن استغرابه من: “عدم مراقبة شريف كواشي خلال زياراته إلى اليمن رغم أن اسمه مدرج على لوائح الإرهاب عند الحدود”، مضيفا: “أكيد أن خللا ما وقع بين تواصل الأجهزة الفرنسية واليمنية”. واعتبر بونفوا في تصريحات له أن: ” تبني الهجوم لا يعني أن يكون هناك تورط مباشر أو مساعدة عملياتيّة للقاعدة في جزيرة العرب”.

ويسلط الاعتداء على “شارلي إيبدو” الضوء على التحدي الهائل الذي تواجهه أجهزة الاستخبارات الغربية لتعقب العدد المتزايد للجهاديين في الداخل وهو أمر زاد من صعوبته العدد الكبير من هؤلاء العائدين من سوريا. ويشكل العدد المتزايد من الناشطين داخل أوروبا والولايات المتحدة مشكلة تزداد تفاقما للحكومات وذلك رغم توسيع سلطات الأجهزة الأمنية الغربية ومشاركة المعلومات الاستخباراتية واللجوء الى التنصت الإلكتروني، بحسب خبراء.

4