حادثة شارلي إيبدو ووقائع تغذية الإسلاموفوبيا

الخميس 2015/01/08
حادث باريس سيلقي بظلاله على وضع المسلمين في أوروبا

حدث باريس الذي جدّ أمس الأربعاء، هيمن على وسائل الإعلام العالمية لكن التقبل العربي الإسلامي له اتخذ مذاقا مختلفا. تخوف من استتباعات الحدث على المسلمين في فرنسا وأوروبا عموما، واسترجاع للحظات ما بعد 11 سبتمبر 2001. نشهد حدثا يقع بين إسلاموفيا هائجة في أوروبا ومد جهادي متنام في الشرق الأوسط وهو ما أضفى مشروعية على التوجس العربي الإسلامي الحاد.

في مناخات موسومة بتصاعد منسوب الإسلاموفوبيا في أكثر من بلد أوروبي، ارتباطا بما يشهده العالم العربي من “ازدهار” للتيارات الجهادية، واتصالا بمشاركة متصاعدة لعناصر أوروبية في المد الجهادي، جاءت حادثة باريس باستهداف صحيفة شارلي إيبدو لتزيد طين المشهد بلة، وتضع المكونات الإسلامية في أوروبا في مرمى نيران اليمين الأوروبي الجاهز لتصيّد هذه الحوادث.

دون التسرع في ربط الحدث بأصول جهادية إسلامية، تكفي الإشارة إلى مصدر للشرطة الفرنسية نقلا عن شهود عيان في الموقع بأن منفذي الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو كانوا يهتفون “انتقمنا للرسول”. كما أن تسجيل فيديو للحادثة نشره موقع “فرانس تلفزيون” العام، وتم تداوله بكثافة، تضمن هتاف رجل مشارك في العملية “الله أكبر..”.

للموضوع منافذ عديدة يؤدي إليها، حيث يذكّر الحدث (انطلاقا من تصريح مصدر الشرطة الفرنسية المشار إليه) بما دأبت صحيفة شارلي إيبدو على نشره منذ سنوات من رسوم اعتبرت استفزازا للأديان عموما، وللإسلام بشكل خاص، وتسبب بعضها في موجة إدانة عارمة وصلت إلى مظاهرات حاشدة في بعض العواصم العربية. وكانت البداية من عام 2006، وعام 2011 ثم في سبتمبر 2012 وبعدها في يناير 2013، إلى حدود العدد الأخير (عدد أمس الأربعاء احتوى كاريكاتيرا تضمن رسما لأبي بكر البغدادي أمير داعش).

الخوف ينتاب الجالية المسلمة في أوروبا من أن تطالها شظايا استتباعات الحادث بأن يعاد الجمع بين المسلمين والإرهاب

للحدث الباريسي صلة أخرى بما اجتاح أوروبا عامة، وألمانيا على وجه الخصوص من دعوات عالية المنسوب للتصدي لما عُدّ “أسلمة لأوروبا” وهي أصوات كانت تقودها حركة “بيجيدا” التي انطلقت من مدينة دريسن الألمانية ثم امتد تأثيرها إلى بقية المدن الألمانية وصولا إلى بعض الأقطار الأوروبية الأخرى. دعوات تطلبت استنفارا مزدوج المصادر؛ تنديد رسمي ألماني من أعلى هرم السلطة (أنجيلا ميركل نددت بالحركة ودافعت عن ألمانيا المتنوعة) ورفض عربي وإسلامي صدر من العديد من المنظمات والهيئات الإسلامية التي ذادت عن الإسلام ورفضت ربطه بالإرهاب.

حادثة الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو تتصل أيضا بتنبّه العالم إلى أن العناصر المتطرفة المشاركة في العمليات الجهادية في سوريا أو في العراق أو في سواهما ليست فقط قادمة من الفضاء العربي الإسلامي، بل يمكن أن تنطلق أيضا من فضاءات أخرى لا علاقة لها بالبيئة العربية الإسلامية التي طالما ساد اعتقاد شبه جازم بأنها بيئة منتجة بالضرورة للإرهاب.

الباب الأخير الذي ينفتح عليه حادث باريس هو أن ازدراء الأديان يؤدي، عادة، إلى ردود أفعال عنيفة ومتطرفة ولا يفرز إلا تشنجا ضديدا، وأن حرية التعبير يمكن أن تتحقق دون أن تطال معتقدات الآخرين ومقدساتهم وخصوصياتهم الثقافية، بل إن الحرية تقتضي من جملة ما تقتضيه احترام خصوصيات الآخرين، وهذا لا ينتمي بأي حال إلى باب تبرير الفعل أو الدفاع عن الفاعل لكن لكل حدث مسببات مباشرة ودوافع عميقة.

للحدث الباريسي صلة بما اجتاح أوروبا عامة من دعوات عالية المنسوب للتصدي لما عد "أسلمة لأوروبا"

حادث شارلي إيبدو الذي أودى بحياة 12 قتيلا، منهم أربعة من رسامي الكاريكاتير في الصحيفة، سيفتح الباب على مصراعيه أمام مزيد تنامي الإسلاموفوبيا، وإن ثبت ضلوع عناصر إسلامية في تنفيذه فإنه سيقدم دليلا وقرينة للأحزاب والحركات اليمينية الأوروبية على أن دعاويها القائلة بأن أوروبا مقدمة على أسلمة عارمة تكتسب كل وجاهتها، لكن الخوف ينتاب الجالية المسلمة المقيمة في أوروبا من أن تطالها شظايا استتباعات الحادث بأن يعاد الجمع بين المسلمين والإرهاب، على غرار ما حصل غداة لحظة 11 سبتمبر 2001، والتي مازال العالم يعيش موجاتها الارتدادية إلى حد اليوم.

الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو عمل مرفوض بكل المقاييس (موجة من المواقف صدرت من العالم العربي الإسلامي سواء من جانبه الرسمي أو من هيئاته المدنية) ومهما كانت الجهة التي أقدمت على تنفيذه، فإن الاتهام سيسدد رأسا إلى المسلمين، انطلاقا من النقاط التي أشرنا إليها، وهو ما يتطلب جهدا مضاعفا للتبرؤ من الفعلة والفاعلين، وللبحث عن البذور المنتجة للفكر المؤدي إلى العنف في بيئتنا العربية الإسلامية.

13