حادثة "عميرة هس"

الاثنين 2014/10/13

هذه حادثة ثقافية، ولا يمكن حصرها في بعدها السياسي فقط، فهي جرت في جامعة بيرزيت برام الله، وفي مجتمع أكاديميين وطلبة، أي في منبر ثقافي، وبحثي، وفي جامعة مرموقة، ومعروفة بوصفها منبر يساري وليبرالي، في آن.

القصة كما روتها “عميرة” ذاتها تتلخص في دعوتها للمشاركة في ندوة نظمها أحد المراكز البحثية في الجامعة المذكورة، بالتعاون مع مؤسسة “روزا لوكسمبرغ”، حول: “بدائل التنمية في ظل الليبرالية الجديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة- نظرة نقدية”، (23- 24 سبتمبر)، وكان أن عرّفت عن مهنتها في قوائم الحضور، بوصفها صحافية تعمل في جريدة “هآرتس”، وهي الإشارة التي استدعت من بعض منظمي الندوة أن طلبوا منها المغادرة.

المشكلة أن ثمة تبريرات مختلفة لهذا الطلب، منها وجود قرار سابق للجامعة بعدم قبول وجود إسرائيلي في حرمها (وهو ما نفته إدارة الجامعة التي تنصلت ممّا جرى)، ومنها ادّعاء أن وجود “عميرة” قد يثير غضب بعض فئات الطلبة، وقد يتسبب بردة فعل مؤذية لها. هكذا خرجت “عميرة”، أو أخرجت، من الجامعة، دون أن يتسبب ذلك بردة فعل سلبية منها، إذ أنها حمّلت السلطات الإسرائيلية مسؤولية ما حدث، بسبب السياسات التي تنتهجها إزاء الفلسطينيين، وكتحصيل حاصل لواقع الصراع الجاري بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

و”عميرة هس” صحافية إسرائيلية اشتهرت بدفاعها عن حقوق الفلسطينيين، مثلها كجدعون ليفي وايلان بابي ويوري افنيري، والمحاميتين فيلتسيا لانغر وليئا تسيمل، اللتان اشتهرتا بالدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

ما يميز “عميرة”، أيضا، أنها تعيش مع الفلسطينيين، فهي عاشت في غزة عدة سنوات، وتعيش الآن في رام الله، ولها أصدقاء كثر من الفلسطينيين، وفضلاً عن مناوئاتها العنيدة والمثابرة للسياسات الصهيونية الاستيطانية والعنصرية والعدوانية، وتأييدها لحق الفلسطينيين في المقاومة، فهي أيضاً ناقدة لاتفاق أوسلو، وللسياسات التي تنتهجها القيادة الفلسطينية، والتي تؤكد عدم جدواها في كسب رضى إسرائيل. وكانت “عميرة” ذهبت، أيضاً، في قافلة بحرية إلى غزة إبّان الحرب الإسرائيلية الأولى على القطاع (أواخر 2008) ومكثت فيها 22 يوماً.

الفكرة هنا عدم تمييز البعض بين “عميرة” كشخص مؤيد لحقوق الفلسطينيين وكفاحهم، وبين المؤسسة التي تعمل بها، والتمييز ضدها بسبب مكان عملها، كما عدم التمييز بينها وبين الدولة التي تحمل جنسيتها. حتى أنه ثمة من شكك في مواقفها بدعوى أن محك ذلك يتمثل فقط بمغادرتها فلسطين نهائيا، وثمة من اعتبر أن صدقية موقفها تتمثل ليس بدعمها كفاح الفلسطينيين وفق نمط الانتفاضة الشعبية الأولى، وإنما وفق نمط الكفاح المسلح بكل أشكاله، وهكذا.


كاتب سياسي فلسطيني

9