حادثة عين أميناس في الجزائر.. غموض شديد رافق تفاصيل الاعتداء

الثلاثاء 2014/01/28
بعض الدوائر الفرنسية ترى عدم حرفية تدخل الجيش الجزائري في قاعدة "تيقنتورين"

الجزائر- تصاعد الجدل بعد الذكرى الأولى للاعتداء الإرهابي الذي طال مجمع عين أميناس العام الماضي والذي استهدف قاعدة “تيقنتورين ” الغازية بعد إعلان وزير الطاقة والمناجم الجزائري عن قرب تشغيلها في ظل خلافات حول مستوى الحماية الأمنية التي سيحظى بها المجمع، و مدى سلامة العاملين فيه.

أعاد وزير الطاقة والمناجم الجزائري، يوسف يوسفي، الحديث عن العودة الوشيكة للقاعدة الغازية “تيقنتورين” للنشاط بكامل طاقتها في غضون الأسابيع القادمة. ودون أن يتطرق الوزير إلى حجم الخسائر التي تكبدتها القاعدة إثر الهجوم الذي شنه فصيل “الموقعون بالدم” في 16 يناير من العام الماضي على المحطة، أو إلى نتائج التحقيق الذي تنفذه مصالح الأمن الجزائرية، مع المسلحين الثلاثة الذين ألقى عليهم الجيش الجزائري القبض، في أعقاب الهجوم الذي نفذه آنذاك في مجمع عين أميناس، والذي أودى بحياة 29 من أفراد المجموعة المسلحة و39 أجنبيا.

يأتي ذلك في ظل تردد شركة بريتيش بتروليوم البريطانية وستايت اويل النروجية الشريكين الأجنبيين في مجمع الغاز، في العودة إلى القاعدة لتنفيذ تعهداتهما، والإشارات المبطنة من طرف بعض الدوائر الفرنسية حول ما تراه من عدم سلامة واحترافية تدخل الجيش الجزائري في القاعدة، والحديث الدائر حول خلاف بين الحكومة الجزائرية والشركات النفطية العاملة هناك، على آليات التأمين في المنطقة.

فبينما تصر الجزائر على إسناد المهمة إلى قواتها العسكرية في إطار حماية أقاليمها الحساسة، وتكريس سيادتها الوطنية على ترابها، مع ترك الأمن الداخلي لأعوان شركة سوناطراك، تذهب أطروحات الشركات العاملة إلى تحييد دور الجيش في محيط القاعدة، وإسناد المهمة إلى المصالح الأمنية لتلك الشركات، أو الاستعانة بمؤسسات أمنية عالمية معروفة، على غرار ما يجري في العراق، الذي تحول إلى قاعدة لشركات أمنية أميركية وإسرائيلية. وهو ما ترفضه الجزائر لأنها تعتبر ذلك غطاء لأشكال مختلفة من أنواع الجوسسة والتغلغل الداخلي، وسهولة الاحتكاك بالشارع وصناعة التوترات الاجتماعية والسياسية.

وفي هذا الصدد سبق للمدير التنفيذي لمجمع سوناطراك، عبد الحميد زرقين، أن أكد “أن تأمين كل المواقع النفطية، بما فيها تلك المشتركة مع الأجانب، من مهام السلطات الأمنية للبلد”.

وأمام اشتعال الحدود البرية للجزائر، بسبب التوترات السياسية في ليبيا ومالي، وتنامي نشاط القاعدة في منطقة الساحل. وجدت الحكومة نفسها مضطرة إلى وضع خطة انتشار جديدة لقواتها العسكرية. بحيث جندت عشرات الآلاف من الجنود على طول حدودها البرية المقدرة بحوالي1600 كلم. بالإضافة إلى الاستعانة بالقوات الجوية لرصد تحركات محتملة على الأرض. إضافة إلى إنشاء مهبط للطائرات قرب موقع تيقنتورين. وبعد مرور أكثر من عام على الهجوم الذي استهدف القاعدة من طرف فصيل “الموقعون بالدم”. لا زال المجمع النرويجي مترددا، بينما لا يزال عماله غائبين عن مواقع عملهم. كما لا يزال مسؤولو سوناطراك الجزائرية، ينتظرون عودة مجمعي “بريتش بتروليوم” و”جاي جي سي” الياباني اللذين ينتظران انتهاء لجنة تفتيش أمنية من التحقق من الإجراءات المتخذة لحماية العمال.


فتح الملف


بمرور الذكرى الأولى للحادثة، أعادت أوساط فرنسية فتح الملف مجددا. واستعرضت وسائل إعلام شهادات جديدة لموريال رافي، وهي صاحبة كتاب “عين أميناس.. حكاية فخ”، والممرضة المسؤولة عن الحالات الطارئة في الموقع، التي تمكنت من الفرار مع مجموعة في اليوم الثاني من الهجوم. حيث قالت: “نحن الناجين علينا أن ننسى الأمر، لكن هناك الكثير من النقاط التي لا تزال غامضة وأسئلة مطروحة”. وتتساءل الكاتبة والممرضة: “كيف أمكن لهذه المجموعة شديدة التسليح الوصول إلى الموقع دون أي مشكلة؟ “.

عملية عين أميناس
• 39 رهينة أجنبية قتلت

29 إرهابيا من بين القتلى

• 37 ناجيا من الهجوم

وقالت موريال: “كان هناك تراخ في مستوى الأمن”، مشيرة بالخصوص إلى إضراب طويل للموظفين المحليين. وأضافت: “تمكن أشخاص من التسلل إلى الموقع والتجول فيه” دون ترخيص وذلك قبل حدوث الهجوم. وهو ما أكدته لوكالة فرانس برس ماري كلود دوجو، شقيقة يان دوجو، مسؤول الأمن واللوجستية الذي قتل أثناء الهجوم.

وهو ما اتخذته تلك الدوائر فرضية لترجيح فرضية التواطؤ الداخلي، وتشدد على أن أحد أعضاء الكوماندوس، كان سائقا في الموقع وقد قتل في الهجوم. وهو الذي يكون قد دفع نيابة باريس إلى فتح تحقيق قضائي. وفي لندن لا يستبعد مكتب سليتر اند غوردن الذي يمثل 37 ناجيا أو أقارب ضحايا، القيام بتحرك جماعي. وتقول الممرضة وصاحبة الكتاب، موريال رافي: “إنه قبل أيام من الهجوم قدم لتوديعي بول مورغان رئيس أحد أقسام الأمن واللوجستية”.

وتضيف: ”قال لي لن أعود أبدا إلى هنا. الأمن أفلت من أيدينا تماما، أنا لم أعد أسيطر على شيء”. وتضيف: “قتل مورغان في الهجوم ولم يعد بإمكانه أن يقدم شهادته”. وهي إشارة واضحة إلى تجاذب حصل بين مسؤولي الشركات النفطية والسلطات الجزائرية حول الصلاحيات الأمنية في الموقع. وإلى شكوك تراود هؤلاء حول ما تعتبره استفهامات وأسئلة حول خلفيات العملية، من أجل توريط الجزائر في مأزق ظاهره أمن المواقع النفطية، وباطنه رفع سيادتها عن الموقع لصالح الشركات متعددة الجنسيات.

وتتساءل تلك الدوائر عما تسميه بـ “الأمر الغامض” المتمثل في هجوم الجيش الجزائري في 17 يناير ضد قافلة من سيارات دفع رباعي يقودها مهاجمون كانوا ينقلون رهائن. وقتل الكثير منهم في الهجوم. في هذا الصدد يقول غيوم دانوا، من الجمعية الفرنسية لضحايا الإرهاب: “كيف تقرر شن هذا الهجوم وما هي الاحتياطات التي اتخذت لإنقاذ الرهائن”؟

وتتحدث مصادر محلية عن نشر الجزائر لنحو عشرين ألف جندي على الحدود الشرقية والجنوبية، وأشارت إلى أن 1500 جندي يمشطون المنطقة ليل نهار، إضافة إلى التغطية الجوية. وتضيف المصادر أن قيادة الجيش أرسلت أغلب طائراتها إلى القاعدة الجوية بورقلة بالجنوب الشرقي للصحراء، بما فيها طائرات دون طيار من طراز “سيكر 2". كما تم استهداف قوافل عدة للإسلاميين المسلحين بين منطقتي تمنراست وايليزي الحدوديتين مع مالي وليبيا.


إشارات أميركية


يأتي ذلك في ظل إقرار جهات أمنية جزائرية وأميركية، بوجود اتصالات بين المهاجمين وجهاديين متورطين في قتل السفير الأميركي في ليبيا منذ حوالي سنة. وقال مصدر أميركي على دراية بالتحقيق إن بعض المتورطين في الهجوم على “تيقنتورين” شاركوا في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي في 11 سبتمبر 2012.

وقال مصدر آخر إنه من المؤكد “كان هناك نوع ما من الصلة بين منفذي هجومي بنغازي وعين أميناس". لكنه لم يذكر حجم هذه الصلة. وقال مصدر ثالث إن بعض الجهاديين في عين أميناس اشتروا أسلحة وأقاموا شهورا في مدينة العوينات الليبية القريبة من الحدود مع الجزائر، والتقوا مع بعض من يقفون وراء هجوم بنغازي. وقال مصدر مخابراتي غربي: “هذه الجماعات في حالة سيولة وتتحرك بسرعة”. إلى ذلك يرى آخرون، أن حجم الاتصالات بين المتشددين غير واضح، ولا يمكن أن يؤكد أي أحد وجود صلة مباشرة بين الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي، والمذبحة التي وقعت في عين أميناس. لكن النتائج وفقا لثلاثة مصادر، على دراية بتحقيقات أميركية، تسلط قدرا من الضوء على الصلات بين جماعات تابعة للقاعدة تكون قد استفادت من ظرف الانتفاضات العربية في 2011، وهددت باستهداف مصالح غربية.

كانت واشنطن قد حذرت عبر معهد سياسات الشرق الأدنى، منذ أشهر، من أن تقوم الجماعات المتشددة باستهداف منشآت الطاقة عبر مناطق الخطر الإرهابي. وأضافت أن الاعتداء سيكون على شاكلة ذلك الذي هز منشأة الغاز في تيقنتورين الجزائرية، بالنظر إلى حساسية هذه المنشآت والصدى الإعلامي الذي تبحث عنه الجماعات المتشددة من وراء هذا الاستهداف.

وجاء في تحذير أطلقه معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أن وجهة الجماعات الإرهابية في الوقت الراهن هي منشآت الطاقة، بعد التدابير الاحترازية الكبيرة التي اتخذت في عدد من البلدان ضد السفارات والقنصليات الأميركية.

وقال المعهد إن المنظمات الإرهابية تبحث عن استهداف منشآت بترولية أميركية وغربية بدول أفريقية وبالشرق الأوسط، واستدلت بما وقع في الجزائر مع الاعتداء الإرهابي على القاعدة الغازية تيغنتورين.

وأوضح مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، سايمون هندرسون، أنه بينما يقف العالم على أهبة الاستعداد لمواجهة أكثر من هجوم إرهابي محتمل على أهداف غربية في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط، يحذر خبراء من أن البنية التحتية للطاقة في المنطقة يمكن أن يتم استهدافها. مضيفا أن كل البلاد التي تضررت من التنبيه الحالي هي منتجة للنفط أو الغاز، ونصح بحماية تلك المنشآت.

6