حادثة "قلب لوزة" تضع دروز سوريا بين مطرقة التسلح وسندان المهادنة

الدروز سيحملون السلاح وحتى لو اختفى النظام في المستقبل سيستمرون في حمله للدفاع عن أنفسهم ضد أي طرف.
الأربعاء 2015/06/17
دروز سوريا قد يراهنون بمستقبلهم على جواد خاسر

القاهرة - يجمع كثير من المراقبين للأوضاع في سوريا على أن حادثة قرية "قلب لوزة" بريف إدلب شمال غربي البلاد أسرعت إحكام الخناق على طائفة الدروز بسوريا لاتخاذ موقف محدد إما بمناصرة الثورة السورية عبر التريث والتهادن مع فصائل المعارضة المسلحة على الرغم من تعرض الدروز على أيديها لعديد من الانتهاكات أو بتأييد واضح للنظام ودعم جيشه رغم إهمال ملفهم.

ويرى الوزير اللبناني السابق رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب أن الحادثة جعلت حمل الدروز للسلاح والاصطفاف خلف الجيش السوري خيارا وحيدا لممارسة حق الدفاع عن النفس لأن الدروز لا يمكن أن يقبلوا أن يلقوا نفس مصير المسيحيين والأيزيديين بمدينة الموصل العراقية .

وقال وهاب:"لا يمكن أن يوصف قتل أكثر من 30 شخصا بأنه حادث فردي كما يريد البعض تصويره لتصغير الأزمة.. لقد قتلت جبهة النصرة كل من كان على طريق البلدة.. وقبل ذلك كانت هناك عدة شواهد على قيامها بممارسة اضطهاد ديني و تهجير للآلاف من دروز المنطقة".

ووقعت الحادثة قبل نحو أسبوع بعد إقدام أحد قادة النصرة على نزع ملكية منزل في القرية. وعلى إثر الخلاف وقعت اشتباكات قتل خلالها عشرات الدروز.

وانتقد وهاب دعوة رئيس الحزب الاشتراكي وليد جبنلاط المؤيد للثورة السورية للتريث ومهادنة النصرة وغيرها من الفصائل المسلحة رغم تكفيرها للدروز علانية ودعوتهم للاستتابة، وتساءل: "حسنا، الدروز سيهادنون، ولكن من يضمن مهادنة جماعة مصنفة دوليا على أنها إرهابية.. النصرة بالأساس تكفر المسلمين السنة ممن لا يؤمنون بنفس غلوها وتطرفها الديني، فما بالنا بتعاملها مع الأقليات".

رامي رايس: أي دعوات لانخراط الدروز في الحرب بالسويداء ما هي إلا دعوات مجانية مشبوهة لسفك دمائهم دون طائل

 

وأضاف: "لقد غازل جنبلاط النصرة من قبل لتحييد موقف الدروز من الأزمة فماذا كانت النتيجة؟.. كنت أتمنى أن يكون لديه ضمانات لعدم تكرار ما حدث".

وشدد على أن "دروز السويداء (جنوب سوريا) قادرون على حماية أنفسهم إذا دعموا بالسلاح، وهو أمر يمكن توفيره بسوريا"، لافتا إلى أن عدد الدروز بالسويداء يقارب 700 ألف إضافة إلى مئة ألف آخرين في ريف دمشق "وبالتالي يمكن حشد جيش قوي من مئة ألف مقاتل درزي بسوريا في حالة التهديد بخطر الحرب دون الحاجة لأي دعم بشري من دروز لبنان على الرغم من تأهبنا جميعا للدفاع عن أهالينا في سوريا نظرا للترابط الكبير بين دروز البلدين".

ولا يستبعد وهاب أن تكون إسرائيل حليفة لكل المجموعات التكفيرية في المنطقة والمستفيد الأول مما تحدثه جماعات "مثل التكفيرين في ليبيا والإخوان بمصر وداعش والنصرة بسوريا" ، كما لم يستبعد أن تكون هي من دفعت النصرة للاعتداء على الدروز "توهما منها أن هذا السلوك بالتكرار سيجبرهم على طلب حمايتها"، مشددا على أن "الحماية الإسرائيلية لن تكون أبدا خيارا درزيا".

وبالمثل، رفض يوسف جربوع شيخ عقل طائفة المسلمين الموحدين الدروز بالسويداء اعتبار الحادث فرديا، مشددا على أن "الحادث بدأ بخلاف شخصي، إلا أن كل سكان المنطقة شهدوا بأن النصرة كانت ستتجه للقيام بعمليات إعدام جماعي بحقهم لولا وصول سكان القرى المجاورة لنجدتهم"، معتبرا الواقعة "كشفت النوايا الحقيقية تجاه الدروز".

 
وئام وهاب: دروز السويداء قادرون على حماية أنفسهم إذا دعموا بالسلاح، وهو أمر يمكن توفيره بسوريا
 

 

ولفت جربوع إلى أن ما يقرب من 15 ألف درزي بجبل سماق اضطروا إلى تغيير عاداتهم بما يتناسب مع توجه جبهة النصرة، موضحا: "الدروز مسلمون ومنتسبون للمذهب السني، ولكن هناك فقط خلافات في العادات والطقوس الدينية، فنحن مثلا نرتضي بمنديل الرأس كغطاء شرعي للمرأة، وهم بالنصرة يصرون على ضرورة النقاب والحجاب، إلى آخره".

وأعرب عن عدم ثقته في فصائل المعارضة المسلحة التي أصدرت بيانات استنكار للحادث، وقال: "للأسف كلهم يتبنون نفس الفكر التكفيري الذي تتبناه النصرة، وإن كانت درجات التشدد في الفكر تتفاوت من تنظيم لآخر".

وتعليقا على تصريح جنبلاط بأنه لا خيار أمام السويداء سوى التصالح مع جيرانهم السنة في درعا وحوران، قال جربوع: "تصريحات جنبلاط بعيدة عن الواقع، فعلاقتنا مع جيراننا في درعا وحوران كانت ولا تزال ودية، وليس بيننا خلاف.. الخلاف مع المسلحين التكفيريين الذين قدموا للمنطقة، وهم في أغلبهم غير سوريين من باكستان وأفغانستان وتونس والشيشان".

وأضاف:"الصراع في الأساس هو بين الدولة والتكفيريين، ولسنا طرفا فيه، ولكن مع كثرة الصعوبات التي تواجه الدولة ندعمها ونتصدى معها لهؤلاء دفاعا عن أنفسنا وعن ووطننا.. السويداء تشهد تعزيزات قوية من الجيش، وتحارب بعض المجموعات المسلحة من دروز المحافظة في الخطوط الخلفية للنظام وتحت إشرافه"، لافتا إلى الأزمة جعلت العديد من الأهالي يشترون السلاح للدفاع عن أنفسهم وأرضهم كجهد فردي ودون قيادة.

وطالب جربوع الدولة بدعم الدروز بالسلاح للتصدي لأى خطر يتعرضون له والعمل على تنظيم تلك الجهود الفردية ليتحرك الجميع وفق أطر خطط عسكرية مدروسة لتؤتي ثمارها ولضمان عدم وجود حالة فوضى سلاح بالمحافظة.

وفى المقابل، يرى المفوض الإعلامي للحزب التقدمي الاشتراكي رامي الريس أن أي دعوات لانخراط الدروز في الحرب بالسويداء ما هي إلا دعوات مجانية مشبوهة لسفك دمائهم دون طائل، مشددا على أن حادثة قلب لوزة "ليست قتلا للدروز على الهوية، وإنما وقعت بشكل عارض إثر خلاف، وأسفر عنه سقوط قتلى من الجانبين.. وفى النهاية، نحن نتحدث عن حادث بقرية في دولة مشتعلة يسقط فيها مئتي قتيل يوميا، وليس عن قرية في الريف السويسري".

وحول كيفية مهادنة النصرة رغم تكفيرها للدروز، أجاب :"نحن أبناء المدرسة الواقعية.. في الماضي كنا نرى أن هناك لاعبا واحدا بالمشهد السياسي هو النظام، أما الآن فقد كثر اللاعبون .. وتلك الفصائل (المسلحة) سواء كانت إرهابية أم لا أو كنا نوافق على ما تطرحه من عدمه، قد صارت لاعبا أساسيا بالمشهد، وأمسى عدم التعاطي معها ومع غيرها أشبه بسياسة النعام أي وضع الرؤوس في الرمال".

 
يوسف جربوع يطالب الدولة بدعم الدروز بالسلاح للتصدي لأي خطر
 

 

وأضاف:"لو كانت النصرة لا تبالي بالدروز لما أصدرت بيانا أكدت فيه تعهدها بمحاكمة المسؤولين عن الحادث".

وقلل من أهمية وجود مؤشرات على استجابة دروز السويداء لدعوات التسلح والوقوف خلف النظام في معاركه في محيط مطار الثعلة، معتبرا أن كل من يقف خلف النظام "يراهن بمستقبله على جواد خاسر"، لافتا لانسحاب الجيش السوري بأسلحته الثقيلة من السويداء سابقا "وهو ما يعني إهماله لملف دروز المنطقة بشكل كامل".

وقال إن حزبه كثف بعد الحادث اتصالاته الإقليمية لبحث حل الأزمة وتلافي تكرارها، ورأى أن إدانة العديد من فصائل المعارضة المسلحة بما فيها النصرة للحادثة وتأكيد النصرة على أن مرتكبها لم يتصرف بقرار من قياداتها "هو أولى ثمار تلك الاتصالات".

واتهمت الأميرة منتهى الأطرش، الصحفية المقيمة حاليا بدمشق، النظام بالسعي الدائم لخلق فتنة بين مكونات الشعب السوري لصالح إطالة أمد بقائه بالسلطة.

ويتوقع مدير المرصد السوري لحقوق الانسان رامي عبد الرحمن ألا تلقى دعوات جنبلاط للتهدئة مع النصرة أو فصائل المعارضة المسلحة استجابة كبيرة، لافتا إلى أن موقف أغلبية الدروز منذ بداية الثورة السورية وحتى الآن كان يميل ولو بشكل غير مباشر أو غير علني ناحية تأييد النظام لا الثورة.

وقال:"الدروز سيحملون السلاح مثل باقي شرائح المجتمع اليوم، وبعدما حدث في قلب لوزة سيقفون خلف النظام.. وحتى لو اختفى هذا النظام في المستقبل سيستمرون في حمله للدفاع عن أنفسهم ضد أي طرف".

1