"حادثة هيلتون النيل" رؤية كابوسية لفساد الشرطة في مصر قبل الانفجار

الأحد 2017/10/08
ضابط الشرطة العدمي اليائس الباحث عن الخلاص

بعد فيلمه التسجيلي الطويل عن معتقل غوانتانامو ثم فيلمين روائيين آخرين عاد المخرج المصري المقيم في السويد طارق صالح ليقدم فيلمه الروائي الجديد “حادثة هيلتون النيل” (2017) الذي يعرض بالدورة الـ61 من مهرجان لندن السينمائي المقام حاليا. هذا بلا شك عمل أكثر طموحا من أفلام المخرج السابقة، وهو من الإنتاج المشترك بين السويد والدنمارك وفرنسا وألمانيا، يتناول للمرة الأولى موضوعا “مصريا” خالصا يفترض أن تدور أحداثه في مصر وينطق باللغة العربية ويشترك فيه ممثلون من مصر وبلدان عربية أخرى.

“حادثة هيلتون النيل” مستوحى من جريمة قتل المغنية اللبنانية سوزان تميم في دبي عام 2008 على يدي الضابط المصري السابق في أمن الدولة محسن السكري بتحريض وتكليف ودفع مباشر من رجل الأعمال وصاحب إحدى كبرى شركات المقاولات المهندس هشام طلعت مصطفى الذي كان مقرّبا من عائلة الرئيس حسني مبارك.

كانت الجريمة ترتبط بعلاقة عاطفية خاصة بين مصطفى وسوزان لكنها كانت تساومه وتماطله وتتهرب من الاستجابة له رغم كل ما أغدقه عليها من هدايا وأموال. أما هدف سيناريو الفيلم الذي كتبه طارق صالح هو كشف ما وراء الجريمة، أي تعرية مجتمع الفساد الذي ضرب مختلف المؤسسات في مصر بحيث أصبح الشارع ساحة مفتوحة للجريمة والرشوة وبيع المخدرات وتجاوز القانون من جانب من يفترض أنهم حماة القانون، أي رجال الشرطة.

ويقدم الفيلم صورة كابوسية خانقة ومؤثرة لهذا الواقع من خلال أسلوب السرد البوليسي وطابع أفلام التحقيق المعروفة، ولكن ليس على غرار فيلم “زد” الشهير لكوستا غافراس، بل يبدو الفيلم أقرب في غموضه واضطراب شخصية بطله الوحيد اليائس الذي يجد نفسه مطاردا إلى فيلم “الحي الصيني” لبولانسكي.

الفيلم يبدأ بتكليف نورالدين بالتحقيق في مقتل المغنية الجميلة. يتجه نور الدين إلى موقع الجريمة، يعاين الجثة، يغافل الضباط الموجودين، ويستولي على ما في حقيبة القتيلة من مال، ثم ينتشل إيصالا يقوده إلى محل مصور فوتوغرافي ليحصل على مجموعة من الصور تظهر فيها المغنية في أوضاع جنسية مع رجل

البطل المهزوم

بطل الفيلم أو شخصيته الرئيسية هو البطل المحكوم عليه سلفا بالهزيمة، والذي سيندفع لمواجهة نظام أقوى منه من داخله متصورا أن بوسعه أن يسدد له لكمة موجعة وربما أيضا بشعور بالرغبة العدمية في الانتحار عن طريق تلك المواجهة العبثية. ويبدأ الفيلم بجريمة قتل مغنّية معروفة داخل غرفتها بفندق هيلتون النيل بالقاهرة. نحن لا نرى كيف ترتكب الجريمة، بل نسمع أولا أصوات شجار بين رجل وامرأة من وراء باب إحدى الغرف، ثم يخرج الرجل ليعقب ذلك تسلل رجل آخر تبدو عليه ملامح الشر إلى الغرفة.

وتكتشف الجريمة التي تروح ضحيتها المغنية التونسية الجميلة “لالينا” عاملة نظافة قادمة من جنوب السودان هي “سلوى” التي يتصادف وجودها في ممرّ قريب من غرفة المغنية، فتختفي عن أنظار القاتل ثم تقوم إدارة الفندق بطردها من عملها لكي تبعدها عن مسرح الجريمة، وتظل هي الشاهدة الوحيدة على ما وقع وتصبح حياتها مهددة.

يكلف بالتحقيق في الجريمة ضابط الشرطة النقيب نورالدين (يقوم بالدور ببراعة الممثل اللبناني فارس فارس).. وهو شخصية عدمية يائسة ونموذج لفساد الشرطة لكن في تكوينه جانب ما حزين يميل للطيبة. إنه يبدأ يوم عمله مع مساعده بجمع الأتاوات وتهديد المتأخرين عن الدفع في شوارع القاهرة، ثم يختلي بنفسه يدخن المخدرات، يريد إصلاح جهاز التليفزيون البدائي الموجود في شقته المتواضعة، يحاول أن يتعلم استخدام الإنترنت للدخول إلى موقع فيسبوك لنشر صوره لعلها تساعده في العثور على فتاة يقيم معها علاقة. إنه يعاني من الشعور بالوحدة بعد وفاة زوجته في حادث سيارة، أمامه صورة زفافه مع زوجته الراحلة، لا يكف لحظة عن التدخين لإخفاء توتره.

نورالدين ليس وحده داخل دائرة الفساد بل إن كل من سنشاهدهم في الفيلم من رجال الشرطة، بمن في ذلك ضباط جهاز أمن الدولة (النخبوي) ووكلاء النيابة العامة، فاسدون مرتشون، على استعداد لغض الطرف عن أيّ اعتداء على القانون مقابل المال. وفي مشهد متأخر من الفيلم نشاهد ضابط شرطة بصحبة مجموعة من رجاله ومساعديه يحيطون ببطلنا الذي يظهر بصحبة مشتبه فيه بعد أن قبض عليه في حي آخر لا يتبع قسم شرطة قصر النيل حيث يعمل، حيث يقوم الضابط بالسخرية منه وابتزازه إلى أن يحصل على مبلغ من المال مقابل أن يتركه يمضي بالشخص المقبوض عليه. إنها بالطبع مبالغة درامية قاسية وصادمة، فالغرض أن نشاهد كيف أصبحت الشرطة مجموعة من العصابات الصغيرة المستقلة، يتزعم كل منها ضابط تتصارع مع بعضها البعض على المال. والهدف العام للفيلم هو الربط بين فساد الشرطة وما سيحدث في النهاية من اندلاع ثورة 25 يناير 2011 ضد نظام الرئيس حسني مبارك.

التحقيق مع المغنية التونسية الجميلة

قبل الثورة

تدور أحداث الفيلم في الأيام القليلة التي تسبق الثورة. يبدأ الفيلم بتكليف نورالدين بالتحقيق في مقتل المغنية الجميلة. يتجه نور الدين إلى موقع الجريمة، يعاين الجثة، يغافل الضباط الموجودين، ويستولي على ما في حقيبة القتيلة من مال، ثم ينتشل إيصالا يقوده إلى محل مصوّر فوتوغرافي ليحصل على مجموعة من الصور تظهر فيها المغنية في أوضاع جنسية مع رجل، وسرعان ما يكتشف أن المغنية تعمل لحساب قواد وصاحب ملهى ليلي كانت تعمل به، كان يستخدمها للإيقاع بالأثرياء، تغويهم ويتم تصويرهم ثم يقوم بابتزازهم.

يتوصل نورالدين إلى أن وراء الجريمة رجل الأعمال وعضو البرلمان حاتم شفيق (أحمد سليم) أحد المقربين من عائلة الرئيس مبارك. وعندما يواجهه ينكر الرجل علاقته بالقتيلة، ثم يستخدم نفوذه ويرشو الضابط عن طريق ترقيته إلى ربتة المقدم، يزف النبأ إليه في قسم الشرطة عمه اللواء “كمال” (ياسر علي ماهر) رئيسه في العمل وهو ضالع حتى النخاع في الفساد، يتلقى تعليمات من مصادر عليا بوقف التحقيق في الجريمة واعتبارها انتحارا.

نورالدين لا يقتنع بل يجد نفسه مدفوعا لمواصلة البحث للعثور على عاملة النظافة “سلوى” الشاهدة الوحيدة على الجريمة، ثم يلتقي بـ”جينا” صديقة المغنية القتيلة ويقيم معها علاقة ويتم تصويره معها في الفراش ثم ابتزازه من قبل مباحث أمن الدولة.. لكن كل شيء يمكن شراؤه بالمال، ويتكفل عمه بتسوية الموقف، ثم يخبره بإعادة فتح التحقيق في مقتل المغنية ولكن بغرض ابتزاز رجل الأعمال والحصول على أكبر مقابل مالي منه.

تعدد الخيوط

عند هذه النقطة تتفرع الخيوط وتكثر الشخصيات وتتعدد، فهناك شخصية صاحب الملهى الليلي الذي كانت تغني فيه المغنية القتيلة وقد حلّت مكانها الآن صديقتها التونسية جينا، وهو رجل تونسي أيضا ويستخدم الملهى لأعمال منافية للآداب. وهناك رجل سوداني يطلقون عليه “كلينتون” يقيم في المنطقة العشوائية التي تقطن فيها “سلوى”، وهو يتلقف الفرصة بدوره ويسعى لتعقب “حاتم شفيق” بغرض ابتزازه.

وتتفرّع الحبكة في دروب كثيرة مثل موضوع اللاجئين غير الشرعيين القادمين من جنوب السودان والظروف السيئة التي يعيشون فيها وعملهم دون أوراق عمل قانونية (وهو موضوع يتناوله الفيلم بشكل عابر)، وعلاقة صاحب الفندق برجل الأعمال وموضوع جهاز التلفزيون المعطل في شقة نورالدين الذي كلف من يقوم بإصلاحه ولكنه بعد أن يجعله يعمل يكتشف أنه لا يبث سوى القنوات الإيطالية ولما يتم تصليحه في النهاية يبدأ في بث تداعيات الموقف في الشارع وصولا إلى أحداث 25 يناير.

طارق صالح كان قد صور بعض اللقطات الخارجية المحدودة في شوارع القاهرة وبعض معالمها من داخل سيارة استخدمها في فيلمه ومزجها مع اللقطات المصورة في المغرب. وقد دار تصوير الفيلم في ألمانيا والمغرب فلم يكن من الممكن أن يحصل الفيلم على تصريح بالتصوير في مصر من جهاز الرقابة هناك

دوافع شخصية نورالدين غير واضحة تماما، فهل هو يندفع في التنقيب والتحري وراء حاتم شفيق من أجل المال كما أوضح له عمه أم بهدف تقديم شفيق للمحاكمة؟ وما الذي يمكن أن يكون قد غيّره من ضابط فاسد ضمن منظومة فساد مكتملة إلى ضابط شريف وباحث عن الحقيقة؟ ثم ما الذي يجعله مصرّا على تهريب سلوى من البلاد ويمنحها أيضا بعض المال، ثم ينقلب على عمه الفاسد ويحاول القبض عليه؟ وفي أحد المشاهد قبل بلوغ الأحداث ذروتها وبعد أن يقرر نورالدين المضيّ قدما في تعقب شفيق نعرف أن النائب العام أصدر قرارا بإعادة التحقيق في القضية وهو تبدل غير مبرر في موقف السلطة.

نتيجة تفرّع الحبكة وتشتتها وتعدد الشخصيات ووجود مشاهد كثيرة زائدة عن الضرورة الفنية يفتقد الفيلم الإيقاع السريع المشدود الذي يناسب موضوعه وأجواءه ويعاني من الترهل خاصة في النصف الثاني، وتبدو شخصية “جينا” مصنوعة فقط بهدف الإثارة خاصة وأنها تظهر في مشهد طويل تغني الأغنية نفسها التي كانت تغنيها “لالينا” والتي استمع إليها نورالدين في البداية بعد أن حصل على أسطوانة للمغنية القتيلة، فكيف تكون صاحبة الصوت نفسه والأغنية نفسها هي لالينا ثم جينا؟

وفي مشهد متقدم في الفيلم يزور نورالدين والده المريض ويخبره بأن لديه الآن مبلغا من المال يمكّنه من نقله إلى المستشفى، فيقول له الرجل: تقصد أنك سرقته. وهو مشهد زائد يكرر ما نعرفه بالفعل بعد أن رأينا نورالدين يختلس المال من حقيبة القتيلة.

ويعاني الفيلم من بعض الأخطاء في المعلومات يتحمل مسؤوليتها مدقق السيناريو، فمثلا لم يكن هتاف المتظاهرين يوم 25 يناير “يسقط حكم العسكر” بل “عيش. حرية. كرامة إنسانية”، ولم تعلن السلطات حظر التجوال في ذلك اليوم بل بعد نزول الجيش في جمعة الغضب (يوم 28 يناير). ولا يبدو شريط الصوت الذي يتضمن الكثير من أغاني عبدالحليم حافظ الرومانسية القديمة متجانسا مع طابع الفيلم وأجوائه.

الفيلم لم يعالج مشكلة اللاجئين كما ينبغي

صورة كابوسية

رغم كل هذه الملاحظات ينجح طارق صالح في إضفاء أجواء كابوسية داكنة على الفيلم وفي دفع الحركة داخل الكثير من المشاهد وتقديم صورة قاتمة لمدينة القاهرة التي تختنق تحت وطأة التلوث والضجيج والفوضى وتمتلئ شوارعها بالشرطة، ويجسد بنجاح كيف تسير الأمور داخل أقسام الشرطة: ممارسة التعذيب، الحديث عن الرشوة بشكل مكشوف، القفز فوق القانون، احتجاز الأبرياء.. الخ.

وفي أحد المشاهد الطريفة يركب نورالدين سيارة تاكسي فيتحدث السائق معلنا غضبه الشديد على ممارسات الشرطة وتعاطفه مع الدعوة للتظاهر يوم عيد الشرطة التي انتشرت على موقع “فيسبوك” بسبب ما ارتكبه شرطيان قتلا شابا صغيرا في الإسكندرية (إشارة إلى مقتل الشاب خالد سعيد على أيدي اثنين من المخبرين وهو الحادث الذي كان إرهاصا لاندلاع أحداث الثورة في يناير 2011). لكن السائق نفسه سرعان ما يعدل من حديثه ويندفع مبررا ما فعلته الشرطة مهاجما شباب الثورة بعد أن يخبره نورالدين أنه أحد هؤلاء الذين يسبّهم.

تتعين أيضا الإشارة إلى الجهد الكبير الذي بذله مدير التصوير الفرنسي “بيير إيم” الذي ينجح بالتعاون مع المنسق الفني السويدي روجر روزنيرغ في توظيف وتأهيل وإعداد أماكن التصوير الخارجي مع توفير الإضاءة الملائمة في المشاهد التي تدور في شوارع مدينة الدار البيضاء المغربية بحيث تضاهي شوارع ومناخ وبيئة الشارع في القاهرة. ويذكر أن طارق صالح كان قد صوّر بعض اللقطات الخارجية المحدودة في شوارع القاهرة وبعض معالمها من داخل سيارة استخدمها في فيلمه ومزجها مع اللقطات المصورة في المغرب. وقد دار تصوير الفيلم في ألمانيا والمغرب فلم يكن من الممكن أن يحصل الفيلم على تصريح بالتصوير في مصر من جهاز الرقابة هناك.

ناقد سينمائي من مصر

16