حادث إطلاق النار داخل ثكنة عسكرية بتونس يثير هواجس أمنية

اهتزت تونس أمس الاثنين على وقع إطلاق نار كثيف داخل “ثكنة بوشوشة” العسكرية بضاحية باردو غرب تونس العاصمة، خلّف حسب حصيلة أولية مقتل 7 عسكريين بينهم ضابط برتبة عقيد، إلى جانب عدد من الجرحى حالة بعضهم وصفت بـ”الحرجة جدا”.
الثلاثاء 2015/05/26
وحدات الجيش والشرطة تطوق محيط الثكنة العسكرية ببوشوشة

تونس - تضاربت الأنباء حول ماهية هذا الحادث، حيث ذكرت وزارة الداخلية في البداية أنه “هجوم إرهابي”، لتُسارع وزارة الدفاع بعد ذلك إلى وصفه بـ”حادث” نفذه جندي “مُعفى” من حمل السلاح ولا علاقة له بأي عمل إرهاب.

وساهم هذا التضارب في بروز ظلال من الشك حول الرواية الرسمية التي أعلنتها وزارة الدفاع التونسية، ودفع إلى السطح بهواجس متعددة، غذتها شُبهات “إرهابية” في وقت يخشى فيه الكثيرون من أن تتحول الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد إلى عنف غير قابل للسيطرة.

ولم تستبعد مصادر عسكرية وأمنية تحدثت لـ”العرب”، فرضية “العمل الإرهابي” لسببين اثنين أولهما أن الذي أطلق النار داخل الثكنة العسكرية كان بلباس مدني، بينما الثاني مرتبط بطريقة حصوله على سلاح داخل الثكنة، حيث أشارت إلى أنه عمد إلى “ذبح” جندي قبل أن يفتك منه سلاحه.

وقد أكد المقدم بلحسن الوسلاتي، الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع التونسية، أن مُطلق النار داخل الثكنة، وهو جندي برتبة رقيب أول أقدم على “طعن زميله بسكين قبل الاستيلاء على سلاحه الذي استخدمه في إطلاق النار”.

ولئن تؤكد السلطات التونسية أن الحادث “معزول” وقد حدث مثله في دول أخرى، فإن ذلك لم يُقلل من خشية الخبراء الأمنيين الذين ارتفعت تحذيراتهم من إمكانية تعرض البلاد “لعمل إرهابي للرد على نجاح الأجهزة الأمنية في توجيه ضربات موجعة للإرهابيين، منها القضاء على عدد من قادة “كتيبة عقبة ابن نافع” التي تُعتبر من أخطر التنظيمات الإرهابية الناشطة في تونس.

غير أن خطورة هذا الحادث، تكمن في توقيته الذي تزامن مع أزمة سياسية تعيشها البلاد انطلقت على وقع تزايد عدد الاحتجاجات الاجتماعية والإضرابات العشوائية والاعتصامات تسببت في سجال سياسي مُتصاعد.

بلحسن الوسلاتي: مُطلق النار طعن زميله قبل الاستحواذ على سلاحه

ويرى مراقبون أن هذا السجال الذي تعيشه البلاد، وما رافقه من تراشق بالاتهامات بين حركة النهضة الإسلامية، والائتلاف اليساري “الجبهة الشعبية”، ليس سوى مُقدمة لإعادة ترتيب نسق التجاذبات القائمة، تمهيدا لضبط ترسيم حدود الخلافات التي ستحكم حالة المشهد السياسي والأمني القادم.

ورغم ما يُحيط بهذه الحالة التي لم تتبلور ملامحها بعد، من تهويل وما يرافقها من ضجيج، وما يُلازمها من عناوين مثيرة حينا وصاخبة في أحيان كثيرة، فإن اللافت هو بروز حركة النهضة الإسلامية كلاعب أساسي فيها لم يحجبه الغبار الذي تنثره في محاولة للتغطية على دورها علّها بذلك تخلط الاتجاهات لتعود البلاد إلى المربع الأول الذي مكنها في العام 2011 من الفوز بالانتخابات.

وقد لا تكفي إشارة العديد من الأوساط السياسية الصريحة إلى دور حركة النهضة الإسلامية في تأجيج الوضع بالبلاد عبر التحريض على الاحتجاجات، ولكنها إذا ما ارتبطت بسياق ما سبقها من اتهامات ضمنية بأنها وراء حالة الاحتقان، فإنها بذلك تُراكم على الأقل ما يمكن اعتباره مؤشرا أوليا على أنها دخلت في لعبة ملء الفراغات مُستفيدة من حالة الانقسام التي تعاني منها بقية الأحزاب.

ويذهب المتابعون للشأن التونسي إلى القول إن تكتيك حركة النهضة في الوقت الحالي يقوم على أساس دفع مفاعيل المشهد العام نحو التطور إلى مواقع ترتجّ فيها الصورة من جديد، على وقع حملة مُمنهجة لخلط الأوراق وتغيير قواعد اللعبة.

وتجلى هذا التكتيك في تكثيف زعيم الحركة راشد الغنوشي من تدخلاته وتصريحاته التي تضمنت “تأييدا للحكومة في مواجهتها للإضرابات العشوائية”، وانتقادات ضمنية لبعض الأحزاب وللاتحاد العام التونسي للشغل، فيما كانت قواعد حركته تُهيّج المواطنين، ما دفع النائب عمار عمروسية عن “الجبهة الشعبية” إلى اتهام حركة النهضة مباشرة بالوقوف وراء حالة الاحتقان الاجتماعي في جنوب البلاد.

ويبدو أن التطورات التي تعيشها البلاد، جعلت حركة النهضة، تعتقد أن الوقت قد حان لتثبيت دورها في المعادلة السياسية اللاحقة.

وبين تداعيات حادثة ثكنة “بوشوشة” وما أثارته من تساؤلات، لا تُخفي الأوساط السياسية التونسية خشيتها من تطور الأزمة الراهنة نحو انزلاقات تفتح الباب أمام سلسلة لا متناهية من الحسابات السياسية لتعديل قواعد الاشتباك السياسي السائد حاليا.

2