"حارة القبة" يرسم شكلا جديدا في دراما البيئة الشامية

قراءة متخيلة لحرب السفربرلك وتداعياتها على الحارة الدمشقية.
الثلاثاء 2021/05/25
حكايات تمتد على مساحة خمسة أجزاء

تتميّز الدراما السورية بتقديمها العديد من الأشكال الفنية التي حقّقت من خلالها حضورها القوي على مساحة الدراما العربية، ومن أهم الأشكال التي يتميّز بها الإنتاج السوري هو شكل دراما البيئة الشامية التي تحرص قنوات العرض التلفزيونية العربية على تقديمها بشكل دائم. وهذا الشكل الدرامي المخصوص لسوريا حاز على نصف ما قدّمته دراما البلد في الموسم الرمضاني الماضي، ومن هذه الأعمال مسلسل “حارة القبة” الذي قدّم شكلا جديدا في دراما البيئة الشامية.

دمشق – تتماهى عوالم السياسة والحرب والحب والحنين والجشع والقسوة وحتى الروحانيات في مسلسل “حارة القبة”، لتكون خلفية متنوعة لمجموعة من السرديات الحكائية التي تقدّم خطوطا درامية تتصارع وتتقاطع فيها القيم والمصالح بشكل عنيف وصارخ.

والمسلسل الذي ألفه أسامة كوكش وأخرجته رشا شربتجي وتصدّت لإنتاجه “شركة عاج” ينهج في رسم أحداثه خط المتخيّل، فهو يقدّم خلفية تاريخية ليطرح من خلالها خطوطه الدرامية، ولا يقدّم حالة توثيقية محدّدة.

رشا شربتجي تنجح في الخروج بالعمل من بيئة دمشق المحافظة لتعلي من قيمة المرأة ودورها الاجتماعي
رشا شربتجي تنجح في الخروج بالعمل من بيئة دمشق المحافظة لتعلي من قيمة المرأة ودورها الاجتماعي

القطع مع المألوف

حفل “حارة القبة” بنسيج معقد من الشخصيات والأحداث التي شكّلت خروجا عن مألوف ما تعوّدت تقديمه دراما البيئة الشامية في أعمالها، فالمسلسل لم يقدّم بيئة منغلقة كما هي العادة، بل ذهب في حالة نادرة نحو خارج الحارة التقليدية، فأوجد منطقة قريبة سماها “ظهر الجبل”، وهي حالة مختلفة عن بيئة مدينة دمشق المحافظة.

فهناك نمط حياة مختلف، وتحديدا في ما يخصّ عالم المرأة التي تظهر في مجرى الأحداث بقوة. وتبدو صاحبة شأن وقرار تُجالس الرجال في شؤون الحياة العامة، وتظهر بنفسها لمتابعة أعمالها اليومية.

نجح المسلسل في إيجاد بيئة مختلفة تشكّل حراكا دراميا يخلق حالة من التشوّق لما هو أبعد. فالنتيجة كما رسمها طاقم العمل أفرزت شكلا مختلفا لمدينة دمشق في أوائل القرن الماضي، تحديدا أثناء حرب السفربرلك، ومنطقة إلى جوارها تبعد مسافة ساعتي سفر، وكل الأحداث تدور في المدينة والمنطقة المجاورة بشكل متخيّل.

ووجود هذه البيئة المختلفة ونيلها حصة كبيرة في مساحة الحدث، حمل جديدا في إطار شكل أعمال البيئة الشامية، فظهر العمل في بيئتين مختلفتين متوازيتين على امتداد حلقاته.

ودرجت العادة في الدراما العربية أن يلجأ إلى تقديم أجزاء عديدة من مسلسل ما، في حال نجاح الظهور الأول، وهذا ما كان سابقا في أعمال البيئة الشامية وغيرها، مثل مسلسلات “باب الحارة” و”عطر الشام” و”طوق البنات” و”صبايا” و”يوميات مدير عام” و”يوميات جميل وهناء”.. ولكن هذه العملية تبدو غالبا قسرية وغير انسيابية، فيلجأ الكاتب وطاقم العمل إلى ليّ عنق الأحداث واختلاق حلول درامية لا تقدّم بالضرورة نتائج درامية منطقية، الأمر الذي دفع بأقلام النقد الفني لتوجيه سيل من الاعتراضات عليها.

إلاّ أن الأمر اختلف في “حارة القبة”، حيث يؤكّد طاقمه بأنه مؤلّف أصلا من خمسة أجزاء، أي ما يقارب المئة وستين حلقة، وهم لا يخشون مسألة ليّ عنق الحكاية، لأن العمل أعدّ أساسا على أنه مؤلّف على هذه المساحة من العرض.

وبيّن كاتب العمل أسامة كوكش أنه وزّع شخصياته على كل المساحة، فلكل جزء شخوصه وأحداثه وأجواؤه، إذ سيشهد المسلسل مع كل جزء خروج شخصيات ودخول أخرى، وبالتالي خطوط درامية متنوعة ومتداخلة ومتغيّرة.

ويقدّم مسلسل “حارة القبة” خروجا عن نمط أعمال البيئة الشامية، فواضح أن التناغم الإبداعي بين كاتب المسلسل ومخرجته قد أتاح الفرصة لتقديم عمل كسر حالة التقليدية في هذا الشكل الفني. فإضافة إلى وجود البيئة الاجتماعية المختلفة الموازية التي كانت مظهرا واضحا في التغيير، فإن العمل قدّم حالات تجديدية واضحة منها كسره لحالة هيمنة العديد من الشخصيات النمطية.

فأسامة كوكش مؤلف العمل الذي قدّم منذ سنوات مسلسل “بانتظار الياسمين” الذي أخرجه سمير حسين ومثل فيه غسان مسعود وسلاف فواخرجي ومحمد حداقي، ونافس فيه بقوة على أهم جائزة عالمية في دراما التلفزيون حينها، وهي جائزة الإيمي ووردز، يبدو أنه كان معنيا بتقديم صيغة درامية تتلاقى إبداعيا مع تطلعات المخرجة شربتجي لتقديم الجديد والمختلف.

خروج عن نمط أعمال البيئة الشامية
خروج عن نمط أعمال البيئة الشامية

وهي المخرجة التي ارتبط اسمها بالعديد من المسلسلات التي حقّقت حضورا هاما ومتابعة جيدة من قبل الجمهور، سواء منها الكوميدية كـ”قانون ولكن” أو الاجتماعية الحارة كـ”غزلان في غابة الذئاب” الذي عالج موضوعة الفساد وحقّق جماهيرية كبيرة، علاوة على مسلسلها الشهير “الولادة من الخاصرة” وأيضا “تخت شرقي”. كما قدّمت مسلسل “أسعد الوراق” في استعادة ثانية له بعد إنجازه في أوائل السبعينات، وبرعت أيضا في إخراج العديد من الأعمال الدرامية في مصر. 

وتبدو شربتجي في أولى تجاربها الإخراجية لدراما البيئة الشامية شغوفة بتقديم أسلوب جديد بالتناغم مع كاتب العمل كوكش، تجلى ذلك في العديد من الملامح، منها غياب أو تقليص حضور شخصيات كانت تعتبر جزءا أكيدا وقويا في خارطة أي عمل دراما بيئة شامية، مثل الزعيم والعكيد والمختار والداية ورئيس المخفر والشيخ..

كذلك كان واضحا عناية شربتجي بخلق حالة تشويق عالية لدى المشاهد، ففي كل حلقة تقدّم تصاعدا دراميا يذهب بالأحداث إلى منطقة أعلى وقد حقّقت ذلك من خلال بنية مونتاجية وفّرت صيغة رشيقة ومشوّقة. كما ركّزت على دور المرأة ومحورية وجودها في الحياة العامة من خلال شخصيات كانت روافع درامية قوية في العمل كشخصيات أم العز وسهيلة وغندورة.

شخصيات إشكالية

Thumbnail

من التجديدات التي تحسب لطاقم العمل وجود شخصية حملت بعدا روحانيا شفافا، هي شخصية أبوالأحلام (محمد حداقي) الذي جاء إلى الحي منذ فترة طويلة وعاش في المقهى الذي يمتلكه أبوسمير (عبدالهادي الصباغ).

وأبوالأحلام شخص وحيد يعرف كل أهل الحي ويعرفونه، وهو رجل صالح يتجوّل ليلا ليوزّع الخبز على بيوت الفقراء وهو يمسك بعصاه الكبيرة مردّدا جملة تلازمه “دمعك يا عين بطفي حزنك يا روح” التي ظهرت في شارة العمل وكذلك في البنية الموسيقية المرافقة للأحداث.

واعتنت شربتجي بهذه الشخصية، لتبدو وكأنها ملاذ تلجأ إليه شخوص المسلسل لكسب شيء من الراحة النفسية، فحقّقت للمتلقي من خلال ذلك مساحات هادئة يبتعد فيها ولو مؤقتا من صخب أحداث العمل وصدامات الحياة فيه ليجد عندها الراحة والحكمة.

وفي كسر للنمطية التي كان من الممكن أن ينجرّ إليها العمل، تخرج شربتجي هذه الشخصية من كينونتها الروحانية الهادئة وتجعلها في ذروة حالة الصدام، وهي تتصارع جسديا مع “طبنجة” الشرير، وتنهي الصراع بأن يقتل طبنجة أبوالأحلام ويدفنه في باحة بيته في أواخر مشاهد الجزء الأول من المسلسل وفق ذروة درامية بالغة التشويق. وبالتالي باتت هذه الشخصية من أوائل الشخصيات التي تخرج من مشهدية الأحداث.

كذلك قدّمت شخصية عادل (يامن الحجلي) الذي أُقتيد إلى حرب السفربرلك قسرا من قبل جنود الاحتلال العثماني، وعاد منها بعد سنوات بساق واحدة. فالمخرجة لم تكتف بتقديم معلومات عن أنه سافر للسفربرلك ثم عاد بعد غياب، بل قدّمت بعض تفاصيل حياة الشخصية لترصد معاناتها في المعتقل والظلم الذي واجهته من قبل العثمانيين، وكذلك المخاطر التي أحاطت به في رحلته نحو خلاصه ومن ثم وصوله إلى أهله.

وحقّق العمل حضورا جماهيريا متصاعدا، وأوجد حالة من التشويق الدرامي التي وفّرها النص وكذلك الشكل الإخراجي الموظف والحضور القوي لعدد من الممثلين الذين كرّسوا مكانة متميزة لهم في الموسم الرمضاني الماضي. فشخصية أبوالعز التي قدّمها عباس النوري حقّقت حضورا كبيرا في العمل وهو المتمرّس بأعمال البيئة الشامية.

Thumbnail

وهي شخصية صاحبة ألق خاص في المسلسل، وتمثل ثقلا دراميا كبيرا ومؤثرا في تحريك الخط الدرامي نحو دلالاته ومآلاته، قدّمها النوري بانسيابية واتزان وكان ظهوره متغيرا حسب مقتضيات الحالة الدرامية فتلوّن بالعديد من الحالات الانفعالية التي تمايزت في شحنات عاطفية متداخلة مع شخصيات موازية، أهمها شخصية أم العز (سلافة معمار) خاصة في مشهد فقدها لابنها الصغير أو مشهد التحرش الذي تعرّضت له من قبل طبنجة.

وتقول شربتجي عن أداء معمار في مشهد فقد الابن “إنها كتلة من الإحساس، وكنت متأكّدة أنها ستقدّم مشهدا كبيرا سيدفع الناس للبكاء، وهذا ما كان فعلا”.

وظهر خالد القيش في شكل جديد بشخصية غازي بيك المتغطرس القاسي، والتي مثّلت محور الشر في العمل. وحفل المسلسل كذلك بأداء متزن قدّمته العديد من الشخصيات التي كان ظهورها مكمّلا للشخصيات الأساسية كما في مساهمة عبدالهادي الصباغ ونادين خوري وإمارات رزق ويزن الخليل ورامز عطاالله وفادي صبيح وشكران مرتجى وندين تحسين بك وجرجس جبارة وإيمان عبدالعزيز وعلي سكر ورهف الرحبي ومرح حسن وجلال شموط وكرم الشعراني وآخرون.

16