حارة اليهود في مصر.. رحل السكان وبقي الاسم

في واحد من أكثر أحياء القاهرة ازدحاما بالمارة والباعة والزبائن، تقع حارة اليهود التي رحل عنها كل سكانها القدامى ولم يبق منها إلا اسمها وثلاثة معابد مهجورة تحكي قصة الحارة القديمة.
الأربعاء 2015/06/17
منطقة تاريخية أصبحت أزقتها مهجورة وغارقة في الفوضى

القاهرة – في قلب منطقة الموسكي، أحد أشهر المناطق التجارية في وسط القاهرة وأكثرها ازدحاما، تقع حارة اليهود التي تشهد حالتها الحالية على التغير الذي أصاب مصر في السنوات الستين الأخيرة، وتحديدا التدهور الذي طال العديد من الأماكن الأثرية في بلاد المحروسة.

بعد أن كانت حارة اليهود، وهي ليست حارة واحدة بالمناسبة إنما منطقة متسعة تضم حوالي 360 زقاقا وحارة خاصة بالطبقة الوسطى قبل ثورة يوليو 1952، وكان يسكنها حرفيون من أصحاب الديانة اليهودية في الأساس الذين تميزوا بصناعة الذهب والفضة والأحذية ومواقد الجاز وإصلاحها وترميم الأثاث، كما تركز عمل التجار منهم في الأقمشة والورق والأدوات الكهربائية.

وتحولت حارة اليهود اليوم إلى منطقة غارقة في الفوضى، تضيق أزقتها بتجار الأقمشة والملابس وسائقي سيارات النقل التي يقاتل أصحابها للمرور بها في حارات المنطقة الضيقة، التي لا يمكن أن تتسع لمرور سيارة وإنسان في وقت واحد، وهو ما يخلق عشرات المشاحنات يوميا بين السائقين والمارة، حول أحقية أي منهما في المرور أولا.

أنشئت حارة اليهود كما تقول الروايات التاريخية عام 1848، وتمركز الحرفيون اليهود فيها لاحقا سبب ربط اسمها بهم، وهناك الكثير من الاجتهادات التاريخية عن سبب تمركزهم في هذه المنطقة التي كانت تضم شياختين، إحداهما لليهود الربانيين والأخرى لليهود القرائين، فالبعض رأى أن السلطات المصرية هي من أمرت اليهود بالسكن والتمركز في هذه المنطقة لفصلهم عن بقية المجتمع المصري.

لكن هذا الزعم تنفيه المكانة المميزة التي حصل عليها الكثير من أعلام اليهود في مصر في القرن التاسع عشر، فضلا عن أن السكن في الحارة لم يكن قاصرا على اليهود وإنما كان هناك مئات السكان الآخرين من المسلمين والمسيحيين.

حارة اليهود كانت تضم فيما سبق 13 معبدا يهوديا لم يتبق منها سوى ثلاثة مهجورة كليا

وهناك رواية أخرى ترجح تمركز اليهود في تلك المنطقة تماشيا مع ثقافة “الجيتو” التي تدفعهم للتجمع في أماكن بعيدة عن بقية المجتمع الذي يعيشون فيه، لكن هذا الأمر أيضا لا يبدو منطقيا في ظل انخراط الآلاف منهم في تفاصيل الحياة التجارية والفنية المصرية حتى ما قبل قيام ثورة يوليو 1952.

الرأي الأخير الأقرب للمنطق جاء في كتاب “يهود مصر من الازدهار إلى الشتات” للدكتور محمد أبوالغار، وذكر فيه أن اليهود أقبلوا على السكن في الحارة بكثافة لقربها من مصادر أكل العيش بالنسبة للحرفيين، حيث لم تكن تبعد عن حي الصاغة، معقل بائعي المجوهرات سوى أمتار قليلة، فضلا عن قربها من منطقة وسط البلد بالقاهرة، حيث المحال المتنوعة، بينها المحال الكبرى التي كانت ملكا لليهود قبل الثورة مثل بنزايون وشيكوريل، والتي عمل فيها عدد كبير من سكان الحارة من اليهود.

سعيد عسر أحد سكان الحارة أشار، لـ”العرب”، إلى بناية تحمل رقم 3 في حارة عدس بالخرنفش، إحدى حارات المنطقة، مؤكدا أن تلك البناية عاش فيها الزعيم جمال عبدالناصر فترة من طفولته، ولم يتركها إلا بعد التحاقه بالكلية الحربية، قبل أن يضيف وهو يغمز بعينه أنه سمع من جيرانه المسنين أن ارتباط الزعيم بتلك المنطقة هو السبب في عدم تغيير اسم الحارة مثل العديد من الحارات الأخرى.

البناية لا تزال محتفظة بمعالمها القديمة، بداية من نجمة داود المحفورة بحجم كبير على مدخل البناية، مرورا بالمدخل الواسع والسلالم الخشبية التي لم تعد تستخدم في البناء الحديث، وصولا إلى الشقة التي يقال أن عبدالناصر سكن فيها والتي تضم ثلاث غرف وصالة كبيرة وممرا ممتدا بين حمامين ومطبخ كبير.

أعلام اليهود المصريين كانوا من سكان الحارة من بينهم المغنية والممثلة ليلى مراد

حارة اليهود كانت تضم فيما سبق 13 معبدا يهوديا لم يتبق منها سوى ثلاثة مهجورة كليا، هي معبد موسى بن ميمون أو “راب موشي” باللغة العبرية الذي بني على مساحة 600 متر مربع وأطلق عليه اسم واحد من أعلام اليهود في مصر الذي كان طبيبا وفيلسوفا شهيرا في عهد صلاح الدين الأيوبي في بدايات القرن الثاني عشر الميلادي، والمعبد الثاني يطلق عليه بار يوحاي ويقع في شارع الصقالية، بينما المعبد الثالث في درب نصير وهو معبد أبوحاييم كابوسي.

ويحكي سيد حسين أحد سكان الحارة القدامى أن يوم السبت من كل أسبوع كان بمثابة عيد لسكان المنطقة، خاصة الأطفال، قائلا “كنا نتوجه جميعا إلى المعابد اليهودية، حيث كان اليهود يقيمون شعائرهم، بينما كنا كأطفال مسلمين نذهب قاصدين أشجار التوت المنتشرة في ساحات المعابد، وكان عم يعقوب حارس معبد موسى بن ميمون يتركنا نصعد الشجرة لجمع التوت وأكله، كما كنا أحيانا نغازل الفتيات اليهوديات اللائي عادة ما يكن في مزاج جيد أيام السبت”.

الأمر اللافت للانتباه هو أن الحارة سكن فيها عدد كبير من أعلام اليهود المصريين أمثال يعقوب صنوع أحد أبرز رواد المسرح والإعلام في مصر في نهايات القرن التاسع عشر، والمطربة الشهيرة ليلى مراد وشقيقها منير مراد.

الحارة التي كانت تعج باليهود حتى ثورة يوليو 1952، لم يبق منها سوى الاسم، حيث رحلت آخر 3 يهوديات كن باقيات فيها، راشيل في منتصف التسعينات من القرن الماضي، عن عمر يتجاوز التسعين عاما، بعد أن قضت أغلب سنواتها الأخيرة في الحارة تعمل “دلالة” وهي مهنة من التراث المصري أقرب ما تكون لمهنة البائع المتجول.

الثانية هي ليلى التي قضت نحبها في بداية الألفية الأولى من القرن الحالي، بعد أن تجاوز عمرها المئة عام، وقد بقيت ليلى منعزلة عن الناس لا تستقبل أحدا ولا تسمح لأحد بمساعدتها رغم مرضها الشديد الذي أقعدها عن الحركة، كما يقول أهل الحارة، فكانت أخبارها منقطعة عن الناس إلا من جيرانها المقربين الذين كانوا يقدمون لها بعض الخدمات دون أن يفصحوا عن أخبارها حسب طلبها منهم.

اليهودية الأخيرة هي ماري التي كانت قد تجاوزت الثمانين من عمرها عندما اختفت عقب ثورة يناير 2011، حيث تم نقلها لأحد المشافي بالقاهرة، بعد أن ساءت حالتها الصحية بشكل كبير، لكنها لم تعد للحارة بعد ذلك، ولا يعرف أحد ما إذا كانت توفيت أم سافرت إلى إسرائيل، فلم يهتم أحد من سكان الحارة بالسؤال عنها.

20