حارث الضاري حيث السياسة ليست كلها مبادئ

الأحد 2015/04/05
عدو نظام المحاصصة الطائفية في الحكم

صورته بالعقال والكوفية لم تكن توحي بصفته الدينية التي لم يكن يستعملها للاستيلاء على عقول سامعيه. كما أن لغته باستقامتها ووضوحها وصدقها الذي غالبا ما يكون محرجا للآخرين لخلوها من النفاق لم تكن لتؤهله للالتحاق بركب السياسيين الطامعين بالسلطة بكل ما تنطوي عليه من امتيازات ومصالح.

لكن للسياسة جانب آخر، فالرجل لم ينتظر يوماً من الأيام أن يدخل في معمعة السياسة، وبهذه القوة، فحتى بعد الاجتياح الأميركي وتغير الأحوال حاول أن يبقى في مكان على أرض الإمارات يدرّس في جامعة عجمان، وهو المختص بالحديث النبوي وأطروحته للدكتوراه كانت عن أشهر المحدثين شهاب الدين الزّهري، الذي عاش النصف الثاني من العهد الأموي.

كان اختلافه علامة تميزه، رجل دين وعشيرة لكنه على ما يبدو ليس رجل سياسة. فعلى الرغم من تدينه وميوله إلى الشريعة في الحكم لكنه لم يدخل حزبا دينيا، ونفى أن يكون في يوم من الأيام قد عمل مع الإخوان المسلمين أو تعاون معهم بشكل من الأشكال، لذا كان اختلافه مع بقية الجماعات السنية، وفي مقدمتها الحزب الإسلامي العراقي، حزب الإخوان، سريعاً جداً، يوم كانت هيئته هيئة علماء المسلمين التي يتزعمها قد رفضت الدخول في الانتخابات، فأضعفت التمثيل السني في البرلمان العراقي. وفي الحالين لم يكن محترفا سياسياً ولا حزبيا، ومثلما تقدم كان دخوله في اللعبة السياسية تحصيل حاصل، أو أمر واقع لا مفر منه. ولكن هل تحتاج الحقيقة إلى محترفين؟ في حقيقته فإنه كان عالما في شؤون الدين ولم يكن فقيها، بمعنى أنه كان محدثاً اختصاصه علم الحديث، وكان بالقوة نفسها مخلصا وشريفا ونزيها في وطنيته التي اضطرته إلى أن يكون واجهة سياسية، لكن من جهة مقاومة.

فكانت رمزية وجوده تحتمل كل تأويل ينسجم مع بروزه في حقبة الاحتلال الأميركي باعتباره ظاهرة عابرة للطوائف والإثنيات. أما الطرف الآخر فيرى فيه أنه المتطرف طائفياً، وفي الحقيقة ليس هكذا، إنما ربما التعبير الذي كان يستخدمه يوحي بذلك، وإلا فمثلما أن هيئة علماء المسلمين كانت سنية إلا أنه لم يكن بعيداً عن الشيعة، الذين يفكرون تفكيره. فكثيراً ما كان يرفض أن يشار إلى الشيعة كطائفة عراقية بسوء، فخصومته مع أحزاب وحكومات لا مع طائفة، وبهذا المستوى ظل ملتصقاً بآل الخالصي، حيث جمعت ثورة العشرين العائلتين عام 1920، وظل الشيخ حارث الضاري، وآل الخالصي أيضاً، مأخوذين بتجربتها، لأنها قدمت عائلتيهما إلى الجمهور العراقي بقوة، حتى تشعر أن هذه الثورة هي هاجسهم وفي كل زمان. على اعتقاد منهم أن الشعب العراقي في أمس الحاجة في جهاده الجديد ضد المحتل، بالرغم من أن الدعاية الأميركية وما لحق بها من قنوات ووسائل اتصال محلية، وما كانت تفعله عناصر الإرهاب خارج إطار مقاومة الأميركان، كانت قد سعت إلى تشويه الصورة.

عام 2007 يغادر الضاري العراق إلى الأردن، ولأنه لم يكن سياسيا، فهو لم يعقد مؤتمرات ولم يدع إلى قيام تظاهرات معارضة. ولم يكن مفهوم المعارضة السياسية قد تسلل إلى معجم حياته بعد. كانت وطنيته هي شرط حياته الوحيد

لقد نجا الشيخ حارث سليمان الضاري الذي غادرنا مؤخراً إلى الرفيق الأعلى من الخديعة التي نصبها المحتل تحت مسمى العملية السياسية، فكان صوتا إنسانيا، ضاقت به سوق النخاسة، فاتفق أمراء الطوائف على عدائه، فكان النفي مصيره.

ألم يكن الشيخ حارث يكرر مشهدا عائليا كان جده ضاري بن محمود أحد أبطاله عام 1920 مع علماء وشيوخ عشائر شيعة، وجمعهم المصير نفسه بين سجين ومنفي؟ إلا أن هذا النموذج الذي كان مناسباً لذلك الزمن ليس بالضرورة أن يكون مناسباً بعد تسعين عاماً، وعندما يتحدث الشيخ حارث تشعر أن الضابط لجمان الذي قتله آل الضاري ما زال موجوداً، بينما السياسة تبدلت، ويصعب أخذها بردة فعل كما أخذها الشيخ الضاري.

ابن العائلة التي أنتجت مناضلين

الشيخ حارث الضاري الذي ولد عام 1941 في قرية قريبة من أبو غريب وهي الضاحية البغدادية الأكثر شهرة في العالم بسبب ما شهده سجنها من جرائم أميركية بعد الاحتلال الأميركي وما لهذا السجن من شهرة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة. توجه ابن شيخ العشيرة إلى الدراسة الدينية، وقد أكمل دراساته كلها في جامعة الأزهر بالقاهرة وعاد بعدها ليدرس في جامعة بغداد ومن بعد تقاعده ذهب للتدريس في جامعات عربية عديدة، كان آخرها في الامارات العربية المتحدة التي عاد منها إلى بغداد بعد الاحتلال الأميركي عام 2003.

هنا بالضبط حدث التحول العظيم في حياته، كان تأسيس هيئة علماء المسلمين بداية لذلك التحول. كما أرادها كانت تلك الهيئة تضم رجال دين شيعة وسنة، غير أنها في حقيقتها لم تكن هيئة دينية. لم يكن الضاري معنيا بالمؤسسات الفقهية، بل كان كل ما يعنيه أن يتخذ رجال الدين موقفا إنسانيا، يكون بمثابة الميزان الذي يجد فيه الإنسان العادي نوعا من الإنصاف الوطني.

لقد كانت المسافة التي تفصل بين الضاري وبين الطاقم السياسي الذي اعتمد عليه المحتل الأميركي في تصريف سياسته، ومن ضمنه جماعة الإخوان المسلمين العراقية، سببا رئيسا في أن يتخذ منه الجميع عدوا.

لقد ظهر الشيخ الذي درس الحديث النبوي يومها باعتباره عراقيا. فرفض نظام المحاصصة الطائفية ورفض الاعتراف بالدستور الذي فرض ذلك النظام، ورفض الانتخابات. لكن الموقف لا يكفي أحياناً إذا لم يطعم بالسياسة، حتى كانت النتيجة أن ابتعدت هيئة علماء المسلمين وابتعد الشيخ نفسه عن الساحة العراقية، وكانت معاركه ليست محصورة مع الأميركان أو الأحزاب الشيعية إنما معركة كبرى جرت بينه وبين مؤسسة الوقف السني، بعد أن طالب الأخير أن يخرج الشيخ وهيئته من جامع أم الطبول، فحصل شرخ كبير في جبهة الوجاهة السنية بدأت بخلافات تعمقت إلى حد العداوات.

كثيرا ما كان الشيخ الضاري يرفض أن يشار إلى الشيعة كطائفة عراقية بسوء، فخصومته مع أحزاب وحكومات لا مع طائفة، وبهذا المستوى ظل ملتصقاً بآل الخالصي، حيث جمعت ثورة العشرين العائلتين، ليبقى هو وآل الخالصي، مأخوذين بتجربتها

لم يكن الشيخ يخفي انحيازه إلى المقاومة، كونها خيارا إنسانيا طبيعيا. ولأن الضاري، بالرغم من عدم تمتعه بمهارات الخطيب الديني أو السياسي القادر على التلون مع المواقف، كان قد جمع من حوله جمهورا من العراقيين الراغبين في عراق موحد. فقد تحول إلى ظاهرة واجهتها هيئة علماء المسلمين التي ما إن بدأت تتأسس في يوليو عام 2003 حتى دبت فيها الخلافات وانزاح رئيسها الأول ليكون الشيخ حارث رئيسها حتى وفاته قبل أسابيع. في ذلك الوقت كان الطائفيون قد أتموا خطتهم للبدء بحرب أهلية، تكون الطائفية ذريعتها، فهل سيسمح الظرف بولادة نيلسون مانديلا عراقي وسط ذلك الاحتراب، كي تكون مصالحة حقيقة، فلا سياسة تعتمد الضغائن والانتقامات، وها هو العراق يتحمل مساوئ تلك الفترات.

لقد أخذ صوت الشيخ حارث، أو أنه لم يتمكن من تقديم نفسه في هذا الظرف الملتبس، على أنه صوت الطائفية، بينما عند عراقيين آخرين فإنه صوت الوطن. إن ظرفاً كهذا يصعب فيه تلمس المواقف بشكل صحيح، وذلك لاختلاط الغث والسمين فيه، فالإرهاب الذي اُتهم فيه الشيخ حارث الضاري راح ضحيته أخوة له وزملاء في هيئة علماء المسلمين، وأمانة فإن الرجل وهيئته لم يتركا يوماً مذبحة أو انفجارا، ضد أيّ طائفة من طوائف العراق، بلا تنديد وشجب، حتى صارت بيانات الهيئة سجلاً موثقاً لتلك الحوادث.

الاغتراب من جديد

لم يكن الشيخ حارث الضاري على وئام مع النظام السابق، فهو كان من غير المرضي عنهم، وكان هذا سبب خروجه من العراق، فتهيأت الفرصة بعد أبريل عام 2003 وعاد مثلما تقدم، لكنها سنوات ويعود من جديد مغترباً. ففي عام 2007 غادر الشيخ العراق إلى الأردن، ولأنه لم يكن سياسيا، مثلما تقدم، فلم يعقد مؤتمرات ولم يدع إلى قيام تظاهرات معارضة. لم يكن مفهوم المعارضة السياسية قد تسلل إلى معجم حياته. كانت وطنيته هي شرط حياته الوحيد. لذلك لم يكن خطابه مذهبيا، غير أنه في واحدة من أكثر لحظات شعوره بالمسؤولية الوطنية أعلن أن سياسات الحكومة التي يتزعمها نوري المالكي في بغداد قد تكون أكثر خطورة من الاحتلال الأميركي، وهو ما دفعه إلى أن يدعو سكان المناطق ذات الأغلبية السنية إلى القيام بالاعتصام السلمي احتجاجا على سياسات العزل والتهميش والإقصاء والاعتقال المجاني. لم يكن الضاري يومها طائفيا، كان نداؤه إنسانيا، وهو ما لم يكن الطائفيون، سنة وشيعة على استعداد لفهمه. في تلك اللحظة كرهه سنّة الحكم أكثر مما كان شيعة الحكم يكرهونه.

التحول العظيم في حياته، كان تأسيس هيئة علماء المسلمين كما أرادها حارث الضاري، كانت تلك الهيئة تضم رجال دين شيعة وسنة، غير أنها في حقيقتها لم تكن هيئة دينية. ولم يكن الضاري معنيا بالمؤسسات الفقهية، بل كان كل ما يعنيه أن يتخذ رجال الدين موقفا إنسانيا، يكون بمثابة الميزان

بالنسبة إليهم لم تكن المعادلة لتستقيم إلا على أساس المعادلة التي توزع العرب في العراق إلى سنة وشيعة. أما أن تدخل حقوق المواطنة إلى المعادلة فتخلخلها فهو أمر لم يكن واردا، بل كان أسوأ شيء يتوقعون حدوثه.

لقد جرت الوقائع في ما بعد بطريقة هستيرية، وهو ما لم يكن الشيخ مسؤولا عنه. فالرجل كان صريحا دائما من جهة علاقته بالمقاومة العراقية، فهو لم يلتق أحدا من المقاومين الذين كان يدعمهم ولم يلتقه أحد منهم.

كان تشدده المقاوم عنوانا لمرحلة لن يكون الاستقطاب الطائفي شعارها. غير أن الواقع بقوة صانعيه لم يكن رحيما بفكرة التسامح التي كان يطرحها الشيخ وهو يخطط لمرحلة ما بعد الاحتلال.

عدو الجميع الذي ينبغي التخلص منه

مشكلة الشيخ حارث الضاري أنه لم يكن براغماتيا. كان رجل مبادئ والسياسة لا تنسجم دائماً مع المبادئ. لذلك كان من الصعب عليه أن يكون جزءا من عملية سياسية، كان معارضا للمحتل الذي اقترحها حلا لمشكلات بلد دمرت دولته من قبل ذلك المحتل.

لم يكن الضاري معترضا على التفاصيل، بل على المبدأ العام. وكان يجاهر بالقول “إن حل العراق النهائي هو التخلص من السياسيين الذي نصبهم الاحتلال بعد قدومه”.

كان عدوّا للجميع. كان عدوّ النزعة الطائفية، وكان عدوا لنظام المحاصصة الطائفية في الحكم. وكان في الوقت نفسه مقاوما لكل أساليب العزل والتهميش والإقصاء التي تمارسها طائفة بحق طائفة أخرى. كان من وجهة محدثي الحكم يمثل عراقا ينبغي التخلص منه. لذلك بقي الشيخ وحيدا، وهو يعرف أن هذا كان قدره، فهو الذي لم يخطط إلى أن يكون زعيما سياسيا، صار يدرك أن عراقيته تعيده إلى بيته العائلي.

7