حارسة الروح إنعام كجه جي الجميلة

الأحد 2016/09/11

أسعدني جدا فوز الصديقة المبدعة إنعام كجه جي بجائزة لاغاردير، لم أفاجأ قط لأن إنعام الجميلة تستحق وأكثر ولأننا نحبها وأكثر ولأنها المبدعة المثابرة الجادة وأكثر، هذه السيدة الراقية أعدها من بين حارسات الروح الإنسانية؛ فهي الفياضة بالمحبة والجمال، المبدعة التي تخلق في رواياتها عوالم لا ينافسها فيها أحد ولا تشبه إلا نفسها، صديقتي الرائعة إنعام كجه جي التي تبث دفء حضورها في النص وخارجه، تواجه العالم وتعقيداته والحياة ومتاعبها بابتسامتها المذهلة وصبرها المديد الشبيه بصبر الأمهات الأسطوريات اللائي تعرفهن ونعرفهن عن كثب في بلادنا، لم تصطنع شخصية من خارج خبرتها وخزين ذاكرتها عن الحياة، تنسج برقتها وسخريتها الحلوة كقطرة عسل خيوط النص بتلاوين متنوعة: خيوطا من حرير الحب والفكاهة وعتمة الألم العراقي وتنويعات الحوادث العجيبة التي طالت بلادنا.

كنت كلما التقيت إنعام كجه جي وأنا لاجئة في باريس أشعر بأمان غريب أفتقده مع سواها من النساء والرجال الذين التقيت بعضهم في غربة عامين، وكلما قابلتها في موعد أو بمحض مصادفة أستمد منها الاصطبار وتوقظ ابتسامتها المشرقة ونظرتها الحانية قوتي التي وهنت وتوارت إزاء تجربتي المرّة؛ تلاقت مصائرنا وتقاطعت وافترقنا ثم التقينا، وعندما تعرّضت لحادث سطو من عصابة أفارقة وأقمت لأسبوع في فندق للنقاهة من رعب الحادثة كانت إنعام الصديقة الرائعة أول من زارني في الفندق، تحمل معها هدية تبوح بلطفها ورقي ذائقتها: زجاجة عطر (باريس) من إيف سان لوران وبعض ورود نضرة، ذرفنا الدموع معا وكأننا نخشى البوح بـ(طشارنا) الناجز، لكنها بإنسانيتها الفائقة وحنوّها كانت تلم (طشارنا) وتجمع بين الصديقات حتى المتنافرات منهن وتبث أنغام سلامها بينهن، تغمر الجميع بمحبتها وسخائها وتغفر للجميع كمسيحية أنموذجية نشأت على تقديس المحبة والغفران وإشاعة السلام، وتتقدم مشرقة كشمس بغداد حتى في عتمة شتاءات باريس وصقيعها لتقودنا نحو كافيه بابيلون وتحتفي بما يشير إلى الحياة العراقية الحية: موسيقى وغناء وأطباق طعام وقراءات وحوارات.

الجوائز هي أقل ما تستحق إنعام المبدعة التي تفيض بإبداعها الساحر على كل من حولها، ورغم عيشها منذ عقود في باريس نجدها مزهوة بانتمائها الأول رغم مرارة هذا الانتماء القاسي الذي لم يتلاشَ إزاء امتلاكها لهوية تالية.

عرفتها منذ سنوات بعيدة صحافية لامعة أنيقة الكلمة رشيقة النصوص، تفوقت في مجالها وتألقت، وعرفتها صديقة تفيض سخاء وحنوّا وكرم روح، وعرفتها روائية تخدم موضوعاتها بشغف ومحبة وهي تلتقط شخصياتها من الواقع العراقي فلا تلجأ إلى استحضار شخوص متخيلة بل تنقب في أغوار طبقات مجتمعنا وتنتقي شخصياتها بحذق واقتدار إلى جانب احتفائها بالمرأة، ذلك الاحتفاء الذي يكاد يشكل سمة بارزة في أعمالها الروائية مجتمعة بدءا برواياتها “سواقي القلوب” و”الحفيدة الأميركية” و”طشاري” وليس انتهاءً بمقالاتها وترجماتها التي تنصب في معظمها على جهد النساء وإبداعاتهن ومعاناتهن؛ فلطالما كشفت إنعام في رواياتها عن عوالم النساء الداخلية وأحلامهن المقتولة وحقوقهن المهدورة وطموحاتهن المتحققة وسط التحديات ولاحقت مصائرهن في أرجاء كوكبنا ودونت ما شهدته بلادنا من حروب مدمرة وهجرات واضطهاد ديني وعرقي، وبرعت في تشكيل رؤيتها الإبداعية الخاصة التي حققت لها أسلوبها المحبب الميال إلى بساطة اللغة وشاعريتها وعمق التعبير ودقة الالتقاطات وبراعة التشخيص.

مبارك لإنعام جائزة لاغاردير التي نالتها عن جدارة واستحقاق وأصالة منجز وجمال حضور.

كاتبة من العراق تقيم في عمان

14