حارس الذاكرة

السبت 2017/07/15

في سنة 2002، كاد التنازع بين المغرب وإسبانيا على جزيرة صغيرة، اسمها ليلى، يُشعل فتيل صِدام عسكري بين البلدين الجارين.

في خضم الأزمة، سيعلو صوتُ مؤرخ اسمه محمد بن عزيز حكيم فوق صوت طبول الحرب التي كان يتوقعها المتابعون، فالأرشيف الخاص لهذا الرجل كان يضم ما يكفي من الوثائق التي تثبت مغربية الجزيرة، وإن كان باديا آنئذ للخاص والعام أن الأمر لم يكن يحتاج من الأساس إلى وثائق إثبات، حيث إن الجزيرة تقع على بعد أقل من مئتي متر من الشواطئ المغربية، وهي المسافة التي لن يتردد مصطاف سباح في أن يقطعها ذهابا إلى ضفة الجزيرة وإيابا إلى شمسيته المنصوبة على الرمل.

سنوات بعد ذلك، سينتبه المغرب إلى أهمية تجميع أرشيفه، حيث سيتم إطلاق مؤسسة “أرشيف المغرب” التي تم تصنيفها ضمن المؤسسات الاستراتيجية والكبرى.

وإذ كان هذا حال المغرب، فإن الكثير من الدول العربية لم تنتبه بعد إلى أهمية الأرشيف.

وفي الكثير من الحالات، ما زال مفهومه يختلط بكونه مجموعة الوثائق غير المرغوب فيها، التي يتم تكديسها كيفما اتفق في الأقبية الرطبة، فإن ضاق المكان بها قُدمت للنار على أطباق من لهب، وتجري العادة أن يكلف بتدبير أرشيف المؤسسات كل موظف غير مرغوب فيه، أو آخر مقبل قريبا على التقاعد.

ولعل جانبا من هذا السلوك نحو الأرشيف يعود إلى الطبيعة الشفاهية التي شكلت سمة أساسية لصيقة بالثقافة العربية على مر عصور متتالية، والتي لم تكن تنتصر للمكتوب إلا في حالات قليلة.

والحال أن الأرشيف كان يحظى منذ قرون، على الأقل في أوروبا وأميركا، بقوانينه وأدبياته الخاصة وكذا بمؤسساته. ويبدو ذلك نتيجة طبيعية للفهم السليم المستشعر لوظيفة الأرشيف، بمختلف حوامله الورقية وغير الورقية، نظرا للدور الذي يؤديه على مستوى كتابة التاريخ، كما على مستوى تدبير الشأن اليومي للأفراد، في مختلف تجلياته الثقافية والعلمية والاقتصادية.

وفي الكثير من اللحظات التاريخية في حياة الشعوب والأمم، يصير الأرشيف والحق في الوصول إليه والاطلاع عليه واستعماله جزءا من الحق في تأمين الذاكرة الجمعية وتأميمها، خصوصا في اللحظات التي يكون فيها الانتقال السياسي عصيبا وجارحا، حيث تكون فيها المصالحة مع الماضي احتياجا لا بد من تلبيته لفائدة الأجيال، وحتى تلتقي رغبة الجماهير مع إرادة الدولة في ردم الهوة بين مرحلتين، بما يسمح لتجربة الديمقراطية أن تعبر جسر القطيعة التطورية بالأمان المطلوب.

لا يشكل الاهتمام بالأرشيف ترفا. إنه مدخل أساس لمنح الأفراد في مجتمع ما فرصة الانطلاق المفتوح على المستقبل دونما إعاقات مزمنة موروثة عن أمس فائت. وذلك لكون الوثيقة، أي وثيقة، لا تموت وإنما تتجدد عبر حيواتها الثلاث، الجارية والوسيطة والتاريخية. وهي الأصناف التي لا يخرج الأرشيف عن أن يكون أحدها.

كاتب مغربي

17