"حارس الذهب".. متاهة أسترالية يخوضها المسلمون والسيخ

لعنة الذهب تقود المنسيين إلى تراجيديا الطريق بين أشباح الموت.
الأحد 2021/05/16
أعراق منسية جمعتها الصحراء الأسترالية

تقدم الأفلام التي تندرج في ما يعرف بدراما الطريق مغامرات مشوقة مفعمة بالحركة والإثارة، ولكنها في ذات الوقت تكشف عن جماليات المكان وتراجيديا الشخصيات المقيمة فيه والعابرة منه. وهو ما يتجسّد بشكل متقن في فيلم “حارس الذهب” الذي يكشف وجه أستراليا الخفي.

تواريخ تبدو مجهولة لا نعرف عن ضحاياها ولا عن ظروف وجودهم في أرض ليست أرضهم وزمن ليس زمنهم، تلك هي أعراق مختلطة على أفق صحراء أستراليا المديدة القاحلة وحيث الماء نادر وأمل النجاة ضئيل.

على هذه الأرضية ينقلنا فيلم “حارس الذهب” إلى غرب أستراليا في العام 1897 حيث قامت الإمبراطورية البريطانية بجلب أعراق مختلفة من السيخ الهنود والمسلمين من أفغانستان وإيران وأماكن أخرى لاستخدامهم هناك خدمة لتحقيق أهدافها.

دراما الطريق

المخرج يقدم صورة بانورامية لحياة بائسة تاركا للطبيعة أن تتحدّث عن نفسها فيما طمع الإنسان لا ينتهي
المخرج يقدم صورة بانورامية لحياة بائسة تاركا للطبيعة أن تتحدّث عن نفسها فيما طمع الإنسان لا ينتهي

يستعيد الفيلم قصّة الأعراق المختلفة غير المروية، أولائك الذين تم تناسيهم من وجهة النطر الكولونيالية الغربية التي تحتقر وجودهم وأسماءهم وعقائدهم الدينية، وحيث يقدّم هذا الفيلم ربما لأوّل مرّة تلك المقاربة التاريخية – الجمالية ذات الطابع الإنساني العميق.

إنّهم ليسوا إلا قوما رحّلا على الجمال يمتدّ خط سيرهم عبر تلك الفلاة الشاسعة وفي ذات الوقت هي قصّة تُروى عن ذلك الخليط من الأعراق المغلوبين على أمرهم الذين جلبهم التاج البريطاني خدمة لأهدافه، وحيث يظهر التمايز والغطرسة من رجال الشرطة الذين لا يتورّعون عن إذلال أولئك الغرباء وحتى قتلهم.

الفيلم دراما طريق بامتياز قدّم من خلاله المخرج وكاتب السيناريو الأسترالي روديريك مكّاي حنيف (الممثل المصري الشاب أحمد مالك) القادم من أفغانستان وهو يسوق جماله وسط الصحراء، لعلّ وعسى يعود إلى دياره وملاقاة والده الذي فارقه منذ سنوات.

وحنيف ليس إلا واحدا ممن يطلق عليهم الأستراليون البيض وهم أسكوتلانديون وأيرلنديون ينفذون القانون ويسيطرون على مناجم الذهب، وفي ذات الوقت يرتابون ممن يسمونهم “الغان” وهم الذين تم جلبهم للسخرة من بلدان أخرى.

مشهد الصيد سوف يجمع حنيف مع ثلة مختلطة من الأستراليين الأصليين شبه العراة مع الهنود السيخ وخاصة صديقه وشريكه السيخي جوندا (الممثل كوشيك داس)، وخلال ذلك يؤسس المخرج نسيجا إنسانيا متوازنا ومنصفا لتلك العقائد، ويترك حنيف يؤدّي صلواته فيما هو يكتشف في وسط الظلام أستراليا جريحا، ويكتشف في ما بعد أنه سارق للذهب وأن السلطات تلاحقه.

من هنا سوف يبدآن تلك الرحلة المفعمة بالحوار، وبينما آرثر الجريح والمريض يريد الوصول إلى مكان الصينيين الذين يقومون بصهر قوالب الذهب لإزالة علامة التاج البريطاني عنها بما يسهّل عملية المتاجرة بها. فأي رحلة مضنية سوف يقطعها الإثنان وسط تلك القفار الشاسعة.

على الجانب الآخر يقوم فريق من الشرطة البيض باقتفاء أثر القافلة لاسترجاع الذهب المسروق، وهنا يقدم المخرج صورة بانورامية عريضة لحياة بائسة ومريرة، لكنه يترك للطبيعة أن تتحدّث عن نفسها فيما طمع الإنسان لا يكاد ينتهي، وبالنسبة إلى حنيف فقد وجد نفسه محشورا في معضلة بلا نتيجة، لاسيما مع عطفه على آرثر وأنه سوف يشاركه حصة من الذهب بعد وصولهما أرض الصينيين.

خلال ذلك يروي الجميع قصص قتال وصراعات عرقية وهو نفسه آرثر (الممثل ديفيد وينهام)  يروي قصص إبادة أقوام منهم فضلا عن بطش الصينيين بخصومهم من أجل الحصول على الذهب وبيع المخدّرات، وهي في ذلك دوّامة بالنسبة لحنيف الذي يؤدي دورا مهمّا في هذا الفيلم.

لعنة الذهب

يشكل المكان الصحراوي أرضية يجيد المخرج ومدير التصوير ميك ميديرومت إبراز جمالياتها الممتدة بامتداد المدى الفسيح، مستثمرا مختلف أوقات التصوير فجرا وظهرا وليلا بما أظهر براعة في تقديم صور متنوّعة طغت عليها اللقطات العامة، وحيث حنيف والجمل الذي يسوقه ليسا إلا ذرة رمل في ذلك الفضاء المديد.

على أنّ المواجهة سوف تقع بعد الوصول إلى الصينيين الذين يطردون حنيف ويخدّرون صاحبه آرثر، وبلا كثير من الكلام يشعر أنه قد أسقط كل ما في يديه، فما جدوى المخاطرة ورحلة الطريق أياما وليالي إذا كان الصينيون سوف يستولون على الذهب، ولهذا لا يملك إلا مواجهتهم بالسلاح.

ها هي حصيلته من الذهب محمولة في متاعه فيما حيرته تتجسّم أكثر عندما يسأله ضابط الشرطة هل رأى أحدا يطلق النار على ابنه، وهو يشاهد الابن الشاب مسجى على ظهر فرس فتنزل منه دمعة تختصر كل شيء.

لم يسرف كاتب السيناريو وهو المخرج نفسه بالحوارات بل ترك نظرات حنيف البريئة تحكي قصّته فهو في الأخير يشاهد الموت من حوله، خسارته صديقه وشريكه السيخي جوندا، مقتل ابن الضابط الشاب، ثم موت آرثر، ثم المجزرة التي ارتكبتها الشرطة البيض بحق الصينيين كلّها أمام أنظار حنيف، كلّ هؤلاء يروون قصة تراجيديا قاسية خلاصتها الطمع الإنساني واللعنة التي حلّت على الجميع بسبب الذهب وقد أصابه منه ساق عرجاء وكفّ محترقة.

ها هو حنيف يقرأ سورة الفاتحة على القبر الذي حفره لصديقه آرثر وهو يحمل قطعة الذهب التي تسببت في موجة الموت فيدفنها مع جثّة آرثر ويدسّها في قبره في رسالة بليغة، تلك السرقة التي جلبت اللعنة والموت وإن كانت قد أخطأته النهاية فها هو على حافة الهلاك، ولهذا يترك كلّ شيء وراءه ويمضي في رحلته.

حظي الفيلم بتقييم نقدي مميز واستُقبل بحفاوة بسبب تكامل عنصار السرد وجماليات الصورة والحقيقة التاريخية المنصفة وتأجيج الصراعات ببلاغة درامية متوازنة ومنسابة بشكل متقن.

15