حارس الزيتون والسنديان.. يودع فلسطين

الأربعاء 2013/10/09
علي الخليلي مدرسة الوطن الباحث عن غد مشرق بالحرية والاستقلال

غيب الموت صباح يوم الأربعاء الماضي في مدينة رام الله، شيخ أدباء فلسطين الشاعر والكاتب الصحفي المناضل علي الخليلي عن عمر يناهز السبعين عاماً بعد صراع مرير مع مرض عضال.

يعدّ الخليلي أحد الآباء المؤسسين للمشهد الشعري الفلسطيني المقاوم تحت حراب الاحتلال في المناطق الفلسطينية عام 1967، وأحد أبرز رموز الثقافة العربية الفلسطينية. وقد سجّلت "العرب" شهادات لشعراء وكتاب فلسطينيين ممن عرفوا الفقيد حول سيرته ومسيرته الثقافية.

"رحيل الكاتب والشاعر الكبير علي الخليلي يشكل خسارة للمشهد الثقافي الفلسطيني، فعلي الخليلي بسيرته وإنجازه الأدبي والصحفي مثّل حالة مميزة على مر العقود الماضية التي نشط فيها شاعراً وكاتباً وباحثاً تميزت أعماله بالغزارة والنوعية وتميزت مساهماته المهنية بالنشاط والمثابرة لا سيما خلال ترأسه لتحرير العديد من الصحف والمجلات في الوطن المحتل, ومساهمته مع رفاق جيله في تأسيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين ونقابة الصحفيين الفلسطينيين"، بهذا العبارات رسم الشاعر إيهاب بسيسو، المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية، صورة الأديب علي الخليلي، ويضيف قوله فيه: "إن إرث علي الخليلي الأدبي واضح المعالم ويشكل منارة للأجيال القادمة خصوصاً في أعماله التي تنتمي لأدب المقاومة في فلسطين في عقدي السبعينات والثمانينات.

كما أن دوره من خلال موقعه كوكيل مساعد وزارة الثقافة منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية حتى عام 2005 ساهم في إثراء المشهد الثقافي الفلسطيني ليتم اختياره شخصية العام الثقافية في 2011 عن مجمل سيرته وإبداعه ونشاطاته الثقافية. علي الخليلي يخرج مؤقتاً من الحاضر ليعود مرة أخرى في الذاكرة وليحضر مجدداً في وفائنا لسيرته وذكراه.. وفي قدرتنا جميعاً على الاستمرار فيما بنى هو ورفاقه الراحلين الفلسطينيين الذين شكلوا بتراثهم مدرسة الوطن الباحث عن غد مشرق بالحرية والاستقلال".


راعي الإبداع


يحدّثنا الشاعر سميح محسن عن الفقيد علي الخليلي، مضيفاً بكثير من الحزن ومرارة الفقد: "لقد أوجَعتَ قلبي يا عليّ. يبدو لي أنّه غيرُ مسموحٍ للفرحِ أنْ يستوطِنَ فينا، هو يمرُّ مروراً سريعاً فقط، وأمّا الحزنُ فهو المستوطنُ فينا أبداً، حتى أصبحنا لا نميّزُ بينه وبيننا، كأننا والحزن توأم سيامي. مرّ الفرحُ الممزوجُ برائحة الموت عندما كتبَ صديقي الشاعر مراد السوداني على صفحته هنا أنّه عادَ، وكان برفقته الروائي والناقد وليد أبو بكر، والشاعر محمد حلمي الرّيشة، من عيادة الشاعر علي الخليلي، "الذي نخله السرطان منذ عام.

فخذله الأقربون والأبعدون من الذين كانت له عليهم أياد بيضاء من غير سوء"؛ كما كتبَ مراد، حيث قدّموا له أعماله الشّعرية في ثلاثة مجلدات. وأضاف مراد: "هَمْهَمَ، أي علي، بكلام هو الموت – لم يقوَ على النطق- أشار أنه فَرِحٌ لصدور أعماله". وبعد ساعات عاد مراد لينعي لنا علي الخليلي الذي غيّبه الموتُ. عندما نذكر اسم علي الخليلي، فنحن لا نَحملُ عنه سوى الذكرياتِ الجميلةِ. ذكريات عن ذلك الإنسان الجميل الذي كان يخاطبنا بقلبه الذي توقف نَبضُهُ صباح يوم الأربعاء الماضي. وإن كنّا لا نعلمُ ساعتَنا، إلا أنّنا كنا نتوقعُ أن يسبقنا الموتُ إليه، ويخطفه من بيننا، كوننا نعلم طبيعة مرضه. كل مَنْ عرفَ علي الخليلي سيبكيه، وسيُوجَعُ قلبُهُ لرحيله. وسيتوقفُ كل مَنْ عرفَ علي كثيراً أمامَ دوره الريادي في رعاية جيل من الكتّاب الفلسطينيين الذين بدأت رحلتهم مع الكتابة تحت الاحتلال. نعم، كل مَنْ عرفَ علي الخليلي سيتذكرُ تواضعه، وحبه للناس، وتقديمهم على نفسه. وكل مَنْ عرفَ علي يتمنى أن يحمل الكثير من صفاته. لقد أوجَعتَ قلبي يا عليّ".


مناضل صلب


وقال الشاعر عبد السلام عطاري: "يرحل علي الخليلي الشاعر والمنشد الذي كبرنا عليه منذ تصفحنا جريدة "الفجر" وتذوقنا مفهوم أن تكون الكلمة بذرة تنبت في الأرض لترمي زهرتها للأجيال لتفرش طريق الحرّية وترفع اسم فلسطين أينما كانت تلك الــ "فلسطين" التي أحبها علي الخليلي… رحمك الله معلمنا وأستاذنا وبوصلتنا".

وفي تصريح خاص لـ"العرب" قال الناقـد والقاص زياد أبولبن: "لم تربطني علاقـة شخصية بالمبدع علي الخليلي، وإنما تتصل علاقتي بـه عن طريق مـؤلفاتـه الكثيـرة، والتـي شكّلت إضافـة نوعيـة للمكتبة العربيـة، فهــو شاعـر وروائي وقاص وباحث في التـراث الشعبي، وكذلك صحفي متمرس في العمـل الصحفـي، ومناضل صلــب، وقد عانى سنـوات طويلـة في شتـات الفلسطيني الطويـل، في لبنان وليبيا والسعودية والأردن، إلى أن عاد للوطن في ثمانينيات القرن الماضي، تـرك بصمات واضحة في العمـل الثقافي مــن خـلال وزارة الثقـافـة الفلسطينيـة، وفي الإعـلام من خلال جريدة "الفجـر" المقدسية، والعمل النقابي وهو مـن مؤسسي اتحاد الكتّاب الفلسطينيـين ونقابـة الصحفيين.

علي الخليلي المناضل الفلسطيني الذي تشبثّ بالوطن ورفض علاجه بالخارج، وبقي يعاني آلام السرطان الذي تعايش معه طويلاً، تابعت أخباره وفرحت عندما اختير شخصية العام الثقافية 2011، لأعود بذاكرتي إلى عام 1996 عندما عملت باحثاً في قسم الدراسات في وزارة الثقافة الأردنية، وقررت الوزارة طباعة كتابين الأول لعلي الخليلي "القرابين إخوتي" والثاني لزكريا محمد "العين المعتمة"، وتم تكليفي بمتابعة إجراءات طباعة الكتابين بالتنسيق مع وزارة الثقافة الفلسطينية، فقمت بالاتصال بالوزارة ويتم تحويل اتصالي بموظفة في قسم الدراسات، وتشاء الظروف العجيبة أن تكون تلك الموظفة إحدى بنات عمومتي!

التقيت زكريا محمد في عمان مرتين، ولم تشاء الأيام أن ألتقي علي الخليلي، فتابعت أخباره، وأخذني الحزن والألم كل مأخذ وأنا أتابع أخبار تدهور صحته يوماً بعد يوم، إن يداهمه الموت، فيرحل إلى عالم أكثر نقاءً ورأفة بحاله، وتبقى أصداء علي الشاعر والقاص والروائي والباحث والصحفي والمناضل تجوح في رمال الصحراء العرب، وفي فضاء كوني معتم".

14