حارس الهايكو

السبت 2015/07/11

يعتبر كازيميرو دي بريتو أحد أهم الشعراء الذين يطبعون المشهد الشعري البرتغالي في الوقت الراهن. ولا يبدو الوصول إلى ذلك أمرا يسيرا في مشهد كان خلال فترة طويلة مسكونا بظلال شاعر كبير بحجم فرناندو بيسوا والذي يشبهه كازيميرو باعتزاز كبير بقرية شعراء.

لا يبدو دي بريتو منشغلا بوضعه الاعتباري بقدر ما يهمه أن يعيش وأن يفكر كشاعر شاب رغم أنه في الثمانينات من عمره. نسج دي بريتو مسارا حافلا بحضور متجدد ومستمر، من علاماته حصوله على عدد من أرفع الجوائز، من بينها الجائزة الدولية لفيرسيليا عن دواوينه العشرة الأولى وإداراته لعدد من المجلات الأدبية كمجلة “فبراير”، ثم ما حظيتْ به نصوصه من ترجمات إلى أكثر من عشرين لغة، من بينها ترجمة ديوانه “لا سيد ولا عبد” إلى اللغة الفرنسية.

ولد كازيميرو دي بريتو داخل أسرة أمية. غير أنه يعتبر نفسه محظوظا لأن ذلك منحه فرصة الإنصات إلى موسيقى القصيدة. ويبدو ذلك مهما لأن الشعراء الأولين انطلقوا من الإنصات لأصوات الألم والفرح والخوف.. لقد قضى طفولته في بيت جده بالقرية. وكان أفراد عائلته يتحلقون كل ليلة حول مائدة العشاء ليسرد كل واحد منهم ما فعله خلال اليوم. كان الطفل دي بريتو يتحدث عن التفاصيل الصغيرة. عن الشجر والماء والعصافير. وكانت طريقته في الحكي تثير جده خصوصا. وسيكون هذ الجو وراء علاقة دي بريتو بقصيدة الهايكو. حيث سيواظب، ابتداء من سنة 1958 على اعتماد هذا الشكل في كتابته الشعرية. وبذلك، صارت القصيدة، بالنسبة له، نصا مُرَكَّزا. وحتى بالنسبة للقصائد الطويلة، كان هاجسه دائما هو البحث عن الأشياء الأساسية. ذلك لأن قصيدة الهايكو تقوم على ثلاثة عناصر مركزية. أولها مرجعيتها المرتبطة بالطبيعة وبالفصول وثانيها تركيزها على البعد الإنساني للعالم وثالثها خلق الإحساس بالمفاجأة لدى المتلقي.

عاش كازيميرو دي بريتو مرحلة حكم سالازار الدكتاتوري. واضطره ذلك إلى مغادرة البرتغال، اضطر إلى اختيار ألمانيا كمنفى خلال سنوات بحكم المضايقات التي كان يتعرض لها من طرف النظام البرتغالي الحاكم، مضحيا بمسار مهني مهم، حيث كان يشغل حينها إدارة بنك.

كنت قد أجريت حوارا طويلا مع كازيميرو دي بريتو بلندن. سألته في آخر الحوار عن حضور تيمة الموت في قصائده الأخيرة. كان جوابه “سأقول لك أمرا مهما لم يسبق لي أن صرحت به ويمكنك أن تنشره. لدي إحساس بأن ما يربطني بهذا الوجود هو أمي التي تقضي أيامها بدار للعجزة. وبرحيلها سأكون متحررا من أي التزام اتجاه الحياة”.

كاتب من المغرب

17