حازم كمال الدين كاتب عراقي يطارد هويته في التفاصيل

السبت 2015/10/31
حـازم كمال الدين رجل المسرح الذي طاف المنافي بأسماء عديدة وسبع أرواح

بروكسل - هو صورة لحياته، لكلِّ مراحِلِه العديدة التي خاضها مُلاحقاً من أجهزة القمعِ في دُوَلٍ عديدة، عاشَ بقلبينِ واسمين وعَقلَين وسبعِ أرواح، يتطابق مع نفسه حدّ التناقض مع كل ما هو محيط به، حازم كمال الدين الذي أبصر النور في الحلَّة بالعراق عام 1954، وحين بدأت مداركه تتجوّل في البلاد رفض كل ما هو معلّبٌ فكان له صوته الخاص وطريقه الخاص الذي شقّه بعيداً عن السلطة الحاكمة آنذاك، ليكون خارج السرب مغرّداً واقفاً على الضفة الأخرى من الدكتاتور، من دراسة الأدب والمسرح في بغداد برزَ اسم حازم كمال الدين العربي اليساري على خشبةِ المسرح حيثُ أوقفهُ حُكمٌ بالإعدامِ أصدرتهُ سلطات البعث الحاكمة بسبب عرضٍ مسرحي ونظراً لنشاطِهِ السياسي آنذاك، فكان الطريقُ أمامَهُ سالكاً بصعوبةِ الرحلات الغامضة إلى الصحراء الممتدة بين العراق وسوريا حيث قطعها راكباً على جمل عربي يطوف به البلاد بحثاً عن وطن يمنحه الكرامة.

طريق الصحراء

هذه العلاقةُ المُربِكةُ مع الجَمَل العربي أعادَ صياغتَها حازم في مشهدٍ أدبي وضعَ خطوطَهُ العريضة للاتصال بين العربي وسفينةِ الصحراء، ولكن لا تسيرُ الأقدار كما يشتهي الرجلُ الذي قادتهُ الطرُقُ الصحراوية بين العراق وسوريا إلى زنازين سجن تدمر الشهير بعد أن اعتقلته المخابرات السورية، فعانى هناك من ظلم الأقربين الذين ألبسوه عباءةً لم تكن له أبداً فهو على عداء مع البعث وصل حدّ الحكم بالإعدام وملاحقته في العراق.

لبث حازم كمال الدين في سجن تدمر زمناً ذاق خلاله أقسى أنواع العذاب أورَثُهُ سبابةً مقطوعةً في يدهِ اليُسرى وكثيراً من الأوجاعِ في جسده، حازم الذي سكنَتهُ الشام، عاش في بيروت مع فصائل النضال الفلسطيني ليعمل كصحفي بأسماء شتَّى لا يذكُرُها كلها اليوم، وحين خرجت الفصائل الفلسطينيةُ من لبنان حزمَ الحازمُ حقائبَهُ قافلاً إلى سوريا ليعيشَ في زيّ رجلٍ يحملُ اسم “رضا المزرعاني” الذي يعمل محرراً صحفياً فلسطينياً، في تلكَ الظروف التي أحكَمَ بها حافظُ الأسد قبضتهُ على السلطةِ في سوريا وبعد اكتشافِ أمر حازم الذي دخلَ البلاد بأوراقٍ مزوَّرة، لم يكن أمامَهُ طريقٌ إلَّا الخلاص عبر البحر المتوسِط الذي قطعهُ بعباءةِ رجلٍ آخر وصولاً إلى بلجيكا التي يعيشُ في إقليمِها الفلاماني بهدوءِ، رجلٍ أتعبتهُ الحرب وجولاتُها، فهو المقاتِلُ الذي لم يستخدِم سلاحاً إلا القلم.

في نهايةِ أكتوبر من العام الماضي كان لقائي مع حازم كمال الدين الذي كانَ في مكانٍ ما اسمُهُ ماهر نصّار وفي لبنان صادق سالم وفي كوادر الحزب الشيوعي أبوتحسين وفي الوثيقة الفلسطينية رضا المزرعاني و دانيو لوراس في الوثيقة البلجيكية، كل هذه الأسماء كانت لك في زمن مضى، سألتُهُ أين تتقاطع مع حازم كمال الدين وأين تختلف؟ لم يتوقَّع ربما يوماً أن يسألهُ أحدٌ هذا السؤال، قال: إنَّها لهُ، كلُّها تشبهُهُ، في لحظةٍ ما قتَلَها ليحيا الاسم الحقيقي في جسدِ وروحِ صاحبِه.

العملية الإبداعية يقول عنها حازم كمال الدين لـ "العرب" إنها برمتها عملية متشابهة بين أجناسها، ثمة خيال ووحي وتجربة ذاتية وتساؤل وتجل ولقاء مع الآخر الذي هو بالمحصلة المتلقي، فاتجاهه نحو كتابة هذا الجنس أو ذاك تحدده ثيمة الطرح وآليات التفاعل الكيميائي داخل عقله وإحساسه

أوهام سياسية

سنواتٌ عديدةٌ قضاها حازم كمال الدين في المنافي المتعدِّدة، باختصار قال لـ”العرب” إنَّهُ اليوم لا يحملُ أيَّ أوهامٍ سياسيةٍ عن الشرق الذي مرّت علاقتُهُ بهِ بمفاصل جوهرية أولها أيام الشيوعية. لقد كانت صفة ذلك المفصل التنكر لكل ما هو تراثي والبحث فقط فيما هو مظلم في التراث والتهافت على كل ما هو سوفييتي، حيثُ لم أكن أعي أيامها التشابه بين الفاشية الستالينية والنازية الهتلرية، وانعكاسات ذلك الجري على الكتابة بافتعال على نهج الواقعية الاشتراكية، وسوق الثيمات دائما إلى منحى طبقي ومادي تاريخي ونبذ كل ما هو خارج ذلك السياق.

المرحلةُ الثانيةُ تبدأ لحظةَ انفصالِهِ عن الشيوعية كتطبيق ستاليني وتعلقهِ بها في ذاتٍ معاً! وهو انفصال كان يشبه الجنين الذي يكره أمّه. فلا هوَ بقادر على الانفصال عنها ولا الرضاعة من ثديها، تلك الحقبة الملتبسة كما يصفُها اليوم لـ”العرب” أكَّدت لهُ من حيث اللاوعي أنّ الشيوعية هي الملاذ الحقيقي للبشر، لكنها كانت تصدمهُ بمن يسوّقها للشعوب العربية.

المرحلةُ الثالثة تتلخَّصُ في المواجهةِ الحادة مع الثقافة الغربية التي لا ترى في ثقافة الآخر سوى أداة لإصلاح نفسها أو لإدامة وجودها أو للتنفيس عن عقد نقصها المسيحية التي تتمثَلُ بالشعور بالخطيئة، أو باعتبارها مشاريع لإعادة تأهيل ثقافة الاحتلال أو الهيمنة التي تطور جانبها الايجابي فأصبح- كما يصفُها حازم- إكزوتيكًا سياسياً أو تدجيناً للأقليات تقوم به قوى اليسار.

تلكَ المجابهة دفعته إلى أن يعود بقوة إلى تراث الشرق، ليستغرِقَ في تلكَ الطقوس الفريدة دراسةً وبحثاً وتمحيصاً وصولاً للتقوقُعِ داخلَها بُغيةَ حمايةِ نفسِهِ من المحاولات الغربية التي استهدفتهُ لغسيل الدماغ وتحويلهِ إلى كائن غربي لا يختلف عنهم إلا باللون، ظروف المرحلة الأخيرة دفعتهُ لتناسي الجوانب السلبية في الثقافة الشرقية مُكتفياً بالطقوس

والجوانب المُعتِمة للنفس البشرية التي قادهُ إليها الياباني هيجيكاتا عقبَ الحرب العالمية الثانية، لينطلِقَ من خلال ذلكَ لتأسيس كيان شخصي ثقافي غير غربي مُعتمِداً على بناءِ علاقات متوتِّرة مع الاستشراق.

عام 2003 كان عاماً مفصلياً في حياة حازم حيثُ تنكَّرَ الرجلُ الغريب عن الغرب و الشرق معاً لكل ما هو شرقي وغربي في آنٍ معاً، جاءَ ذلكَ بعد أن شهدنا جميعاً احتلال العراق، أو تحرير واحتلال العراق كما يُسميه حازم في روايتِهِ “كبارهيت”، أدرَكَ حازم لحظتَها أنَّ الشرق الاستبدادي هو الصورة الأخرى للغرب العولمي، حيثُ لا يختلفان فيما بينهما إلا بوسائل القمع.

كمال الدين سبق الكتَّاب العرب في التخيُّل الممكن ليصلَ إلى المنطقةِ الأخطر

عالم الإبداع

انطلقَ حازم كمال الدين في خطواتٍ مبكرة نحو عالمِ الإبداع فحازَ وهو في سنِّهِ الثالث عشر على أفضلِ كاتبِ قصةٍ في العراق قبلَ أن يتبلوَرَ ذلك الإبداع أكاديمياً من خلال دراسةٍ طويلةٍ وتجربةٍ امتدت أكثر من خمسين عاماً متواصلة، قضى معظمها على خشبةِ المسرح ممثلاً ومخرجاً ومشرفاً عاماً على تجاربَ ظلَّت عالقةً في أذهانِ من تابعوها، ولتكون تلك التجربةُ خلاصةَ أبحاثٍ أكاديمية قدَّمَها طُلَّابٌ في جامعات عدةٍ حول العالم، عن حازم كمال الدين وعمليته الإبداعية التي توَّجَها مؤخَّراً بخطواتٍ حثيثةٍ نحوَ بناء الرواية ليستعيضَ عمَّا فاتَ منهُ من سنواتِ حملِ الحقائبِ والتنقُّل الطويل.

عن العملية الإبداعية قال حازم كمال الدين لـ”العرب” إنَّها برمَّتِها عمليةٌ متشابهة بين أجناسِها، ثمَّةَ خيال ووحي وتجربة ذاتية وتساؤل وتجل ولقاء مع الآخر الذي هو بالمحصِّلة المُتلقي، فاتّجاهُهُ نحو كتابةِ هذا الجنس أو ذاك تحدِّده ثيمةُ الطرح وآلياتُ التفاعل الكيميائي داخل عقلِهِ وإحساسه، ومن هنا نراهُ لا يتقيَّدُ بزنازين النوع الفني تحت ظلِّ التقنيات الفنية، ليتركَ آليةَ الخلق تأخُذُ شكلَها الذي تراهُ مناسباً في زمانٍ ومكان ولادتِها.

يقول حازم كمال الدين إنَّهُ فقدَ ثقتهُ بالمنظومات الجمالية الغربية عقِب احتلال العراق، حينَها سألتُهُ عن معاييرهِ الجمالية الآن فقال إنَّهُ من خلال البحث الطويل وردّ الفعل على المنظومات الجمالية السائدة اتجهَ للبحث فيما هو خارج المنظومات الموجود، فكان لقاؤهُ الأول مع آرتو الذي قادهُ إلى بودلير ومن هناك وطئَت قدماهُ طريق البوتو، وحينَ قفلَ راجعاً لتفحُّصِ المنظومة الجمالية السائدة بشقَّيها الشرقي والغربي التقى بثقافة اللاهارموني، التي عزّزت خطواتهِ صوب جماليات الجانب المعتم من النفس البشرية.

هذا الطرحُ تمسَّكَ بهِ حازم كمال الدين مُتَّبِعاً طريق القياس، داعياً العربَ للتعلُّمِ أنَّ طريقَ مقارعة الامبريالية لا يكونُ بالتطرُّف الإسلامي أو غيره، بل أن يكونَ الإنسانُ أكثرَ إنسانيةً من الجميع، وهو هنا لا يدعو إلى مهانةِ الغرب فهيجيكاتا الياباني لم يهادِن الغرب، وإنَّما يكونُ ذلكَ من خلال التطهر من الرغبات الشريرة أو المعتمة أو السلبية، وذلكَ يبدأ أولاً بالاعتراف بوجودها وليس إنكارها، بإظهارها وليس إخفاءها.

كبارهيت ومياه متصحرة

إذا كان نتاجُ حازم كمال الدين المسرحي كبيراً لدرجةٍ لا يمكِنُ حصرهُ هنا، فإنَّ عملهُ السردي “الروائي” بدأ باللغة العربية مع مجموعتِه “مرقد السيدة”، ليتبعها بروايتِهِ الأولى “كبارهيت” التي ناقَشَ من خلالِها قصَّةَ داليا رشدي الكاتبة الناشئة التي تطمحُ للعالمية فتعيشُ صراعاً مع أبطالِها الخارجين من الورق، مُعتمِداً على تقسيم العراق إلى ما أسماها “جمهوريات الطائفية”، المفصولة عن بعضِها البعض في جسد العراق الواحد، بينما نراهُ في عملِهِ الأخير “مياه متصحرة” يسبِقُ الكتَّاب العرب في التخيُّل الممكن ليصلَ إلى المنطقةِ الأخطر، فإذا كان أبوالعلاء المعري قد اخترق الزمان والمكان معاً في رحلتِهِ المشتهاة نحو السماء وبداية العالم الآخر من خلال دوائرَ عدَّةٍ مرَّ بها البطل بين النعيم والجحيم في “رسالةِ الغفران”، وإن كان دانتي قد كتَب بعد ذلكَ بزمن طويل “الكوميديا الإلهية” مُعتَمِداً على روايةِ المعري للأحداث في “رسالةِ الغفران”، فإنَّ المرحلةَ التي تنحصِرُ بين الموت والنزول تحت التراب لم يتناولها كاتبٌ من قبل، هذا بالضبط ما فعلهُ حازم كمال الدين في روايتِهِ الأخيرة “مياه متصحرة”، عبر أنفاقٍ وأنفاقٍ حلزونية مرَّ بها البطلُ الذي حمَل صفات الكاتب الشخصية.

مواجهاته مع الفكر المادي تدفعه إلى أن يعود بقوة إلى تراث الشرق، ليستغرق كمال الدين في تلك الطقوس الفريدة دراسة و بحثا و تمحيصا وصولا للتقوقع داخلها بغية حمايةِ نفسه من المحاولات الغربية التي استهدفته لغسيل الدماغ وتحويله إلى كائن غربي لا يختلف عنهم إلا باللون

نعي الشرق

لغةُ حازم كمال الدين في أدبِهِ الذي يقدِّمهُ لغةٌ واضحةٌ لا تقبل التأويل، يكتُبُ من خلالِها بيان نعي الشرق الذي يواجِهُ لحظتَهُ المستحيلة، فيزيدُ حازم تلك المواجهة حينَ يضعَ العقائد والعقد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أمامهُ على الطاولة ويبدأ بتناولِها عبرَ عقلٍ تحليلي وتركيبي معاً.

حازم كمال الدين وصلَ إلى القارة الأوروبية مُكتمِل النضوج حيثُ لم تضِف لهُ حياتُهُ هنا سوى بعض التجارب الجديدة، بينما ظلَّ هو العربيُّ الذي فرَّ من حبل المشنقة، متمسِّكاً بأوطانٍ جديدة بعد أن اكتشفَ نفسه، “نحنُ لا نكتشِفُ ذواتنا في ظل الدكتاتور بِصُوَرِه المختلفة” يقول حازم الذي دفعَ فواتيرَ كثيرة، ولم تنتهِ تلك الفواتيرُ حتى اليوم حيثُ بعد مرور 23 عاماً على منفاهُ في بلجيكا، التقى بوالِدهِ الذي أخبرَهُ أنَّهُ اضطرَ للتبرُّؤ منهُ نتيجةَ مواقفِه السياسية ضدَّ البعث، عُقدَةٌ ستظلُّ سنواتٍ طويلة يجترعُها حازم ويفشل، ربما يُفرِغُ ذلكَ الأسى في مشاهدَ يمرِّرُها من خلال أعمالِه الأدبية التي يمكِنُ أن يفهمها المتلقي على أكثر من وجه.

الرجلُ الذي عاشَ مطارداً لأكثرَ من ثلاثةِ عقودٍ في حياتِه، يرى نفسهُ اليوم وهو في العقد السادس من عمره وكأنه توقَّفَ عند بدايةِ الثلاثين من عمره، فما كان يجبُ إنجازُهُ في مطلعِ الشباب والقوة، يحاول الرجل الناضجُ اليوم أن يمسكَ بخيوطِهِ من جديد، مُعلِناً الانتصارَ على أجهزةِ القمعِ التي صادرَت تلك السنوات من عمره.

14