حازم كمال الدين يعلن الانتحار الجماعي للشرق

الأربعاء 2015/01/28
حازم كمال الدين: الثورة في ذهني هي حلم عظيم يتمثل في اللاسلطة

إنه صورة لحياته، يتطابق مع نفسه حدّ التناقض مع كل ما هو محيط به، حازم كمال الدين الذي أبصر النور في العراق عام 1954، وحين بدأت مداركه تتجوّل في البلاد رفض كل ما هو معلّبٌ، فكان له صوته الخاص وطريقه الخاص الذي شقّه بعيدا عن السلطة الحاكمة آنذاك، ليكون خارج السرب مغرّدا واقفا على الضفة الأخرى من الديكتاتور. من دراسة الأدب والمسرح في بغداد إلى الصحراء الممتدة بين العراق وسوريا حيث قطعها راكبا على جمل عربي، يطوف به البلاد بحثا عن وطن يمنحه الكرامة، فكان سجن تدمر الشهير في انتظاره، بعد أن اعتقلته المخابرات السورية، فعانى هناك من ظلم الأقربين الذين ألبسوه عباءة لم تكن له أبدا، فهو على عداء وصل حدّ الحكم بالإعدام وملاحقته في العراق.

لبث حازم كمال الدين في سجن تدمر، وذاق خلال السجن أقسى أنواع العذاب، حازم الذي سكنَته الشام عاش في بيروت مع فصائل النضال الفلسطيني، ليعمل كصحفي بأسماء متعددة، وحين خرج الفلسطينيون من لبنان، خرج هو إلى سوريا، وعاش في زيّ رجل يعمل محررا صحفيا فلسطينيا “رضا المزرعاني” عدة سنوات، وبين ليلة وضحاها عزم على الرحيل إلى الضفة الأخرى من المتوسط، إلى بلجيكا، حيث يعيش بهدوء، هو رجل أتعبته الحرب، وهو المقاتل الذي لم يحمل سلاحا إلا القلم.

“العرب” زارت حازم في بيته ببلجيكا، وأجرت معه هذا الحوار حول الأدب والمسرح بمناسبة فوزه بجائزة المسرح العربية هذا العام عن روايته السادنون في الجنة.

في الشام كان اسمه ماهر نصّار وفي لبنان صادق سالم، وفي الحزب الشيوعي أبوتحسين وفي الوثيقة الفلسطينية ماهر مزرعاني ودانيو لوراس في الوثيقة البلجيكية، كل هذه الأسماء كانت له في زمن مضى، أين تتقاطع مع حازم كمال الدين وأين تختلف؟

يقول: “هي كلها أسماء لي، اضطررت أن أستخدمها كي أتخلّص من الملاحقات الأمنية أو محاولات الاغتيال، فكنت ألبس هذه الأسماء كي أتخلّص من المطاردات".


العرب والغرب


اليوم وبعد مرور كل هذه الأعوام في المنفى. كيف يرى حازم كمال الدين الشرق؟ يؤكد الكاتب: “ليست لديّ أوهام سياسية. فالشرق، وأقصد به الشرق العربي، في مرحلة انحطاط. يقود هذا الانحطاط النخب السياسية التي تعي جيدا ما تفعله. بيد أن علاقتي بثقافة الشرق موضوع آخر. لقد مرّت هذه العلاقة بمفاصل جوهرية أولها أيام الشيوعية. لقد كانت صفة ذلك المفصل التنكر لكل ما هو تراثي والبحث فقط فيما هو مظلم في التراث والتهافت على كل ما هو سوفيتي «لم أكن أعي أيامها التشابه بين الفاشية الستالينية والنازية الهتلرية» وانعكاسات ذلك الجري على الكتابة بافتعال على نهج «الواقعية الاشتراكية» وسوق الثيمات دائما إلى منحى طبقي ومادي تاريخي، ونبذ كل ما هو خارج ذلك السياق. ثانيهما أيام انفصالي عن الشيوعية «كتطبيق ستاليني» وتعلقي بها في ذات وهو انفصال كان يشبه الجنين الذي يكره أمّه. فلا أنا بقادر على الانفصال عنها ولا الرضاعة من ثديها. تلك الحقبة الملتبسة كانت تعلمني من حيث اللاوعي أنّ الشيوعية هي الملاذ الحقيقي للبشر، لكنها كانت تصدمني بمن يسوّقها للشعوب العربية”.

حازم كمال الدين: العملية الإبداعية هي عملية متشابهة، ثمة خيال ووحي وتجربة ذاتية وتساؤل وتجلّ، ولقاء مع آخر 'قارئ-مشاهد' يبدّد وحدة المبدع

ويضيف: “ثالثهما مجابهتي الحادة مع الثقافة الغربية التي لا ترى في ثقافة الآخر سوى أداة لإصلاح نفسها أو لإدامة وجودها أو للتنفيس عن عقد نقصها المسيحية «الشعور بالخطيئة» أو باعتبارها مشاريع لإعادة تأهيل ثقافة الاحتلال أو الهيمنة التي تطوّر جانبها الإيجابي فأصبح اكزوتيكا سياسيا أو تدجينا للأقليات تقوم به قوى اليسار. هذه المجابهة دفعتني إلى أن أعود بقوة إلى تراث الشرق وأستغرق في الطقوس وأدرسها، وأتقوقع داخلها بهدف حماية نفسي من المحاولات الغربية لغسيل دماغي وتحويلي إلى كائن غربي لا يختلف عنهم إلا في اللون. في تلك الفترة نسيت أو تناسيت الجوانب السلبية في الثقافة الشرقية ورحت أغوص في الطقوس بل وحتى في بحوث الجانب المعتم من النفس البشرية التي قادها الياباني هيجيكاتا بعد الحرب العالمية الثانية وأسست لما هو ثقافي غير غربي، وبنيت علاقات متوترة مع الاستشراق.

رابعها هو احتلال العراق الذي جعلني أخرج عن طوري وأتنكر لكل ما هو شرقي أو غربي. لقد انجلتْ خيوط الوهم يومها لينبلج نهار وليل ينتميان لذات الحلّة: الليل هو الصورة الأخرى للنهار، والشرق الاستبدادي هو الصورة الأخرى للغرب العولمي.لا فرق بين الغرب والشرق إلا بدرجة وسائل القمع. في النهاية لدى الثقافتين الإنسان مشروع لديمومة الاستبداد الاقتصادي”.

يشتغل كمال الدين في المسرح والرواية معا، عن التشابه بين الفنين وإلى أيّ مدى يكون الاختلاف بينهما؟ يقول كمال الدين: “العملية الإبداعية برمتها هي عملية متشابهة، ثمة خيال ووحي، وتجربة ذاتية وتساؤل وتجلّ، ولقاء مع آخر «قارئ-مشاهد» يبدّد وحدة المبدع، إن كتابتي لهذا الجنس أو ذاك يحددها الموضوع أو الثيمة وطريقة التفاعل الكيميائي داخل عقلي وأحاسيسي. أنا لا أجبر نفسي على التقيد بزنزانات النوع الفني المسماة تقنية. بل أسمح للثيمة أن تأخذ الشكل الذي تراه مناسبا في زمان ومكان ولادة الثيمة. وأرى أيضا أنّ الاختلاف بين الجنسين الإبداعيين إنما هو اختلاف تقني. للرواية أدواتها وللمسرح أدواته. إنّ تعلّم هذه الأدوات التقنية وإجادتها هو شرط لأن يكون الخطاب الإبداعي في هذا القالب أو ذاك. بيد أنني خرجت عن تصنيفات الجنس الإبداعي للرواية أو القصة القصيرة أو المسرحية. فلم يعد الآخر يميز بشكل واضح فيما لو كان ما يتلقاه هو نص روائي أو مسرحي”.

الشرق في حالة انتحار جماعي مبرمج

عن مقولته “فقدت الثقة بالمنظومات الجمالية الأدبية” يعلق الكاتب قائلا: “من خلال البحث الطويل وردّ الفعل على المنظومات الجمالية السائدة اتجهت للبحث فيما هو خارج المنظومات السائدة. فكان لي لقاء أول مع آرتو الذي قادني إلى بودلير، ومن هناك وطئت قدماي طريق البوتو”.


المسرح والمهمشون

حول جائزة المسرح التي فاز بها مؤخرا، وإن كان يرى أن هناك منافسة حقيقية في المسرح العربي أم أنه كحال الثقافة عموما يمرّ بأزمة، يجيب حازم كمال الدين: أنا حديث جدا على المسرح العربي ولم أر من العروض سوى تلك التي شاركت في مهرجان المسرح العربي منذ مدة قصيرة. لهذا لا أظنّ أنّي في موضع يسمح لي بإبداء رأي ما في المسرح العربي”.

ويضيف: “في مسرحية السادرون في الجنون لم أتحدث عن المهمشين بطريقة مباشرة ومقصودة، بل اكتفيت بتساؤل في نهاية المسرحية مفتوح على العدم: أين الشعب؟ ومن هو هذا الشعب؟ عدم تناول المهمّشين بشكل مباشر كان مقصودا في العمل وهذا يعود إلى فهمي للناحية الجمالية حيث أني لم أعد أؤمن بالبطل الفردي لأن هذا البطل يمثل نفسه فقط فهو ينتمي إلى ما هو عام ويختلف عمّا هو عام، فهو له خصوصياته وليس كائنا نموذجيا، هو ذو أبعاد محددة وزمانية ومكانية محددة كالمهرج والأمير والرجل النبيل، أما شخصياتي فهي لا تنتمي إلى هذه النمطية في الشكل، وسبب انحيازي إلى المهمشين في هذا العالم هو إحساسي بعدم جدوى تناول البطل الأوحد، فالشخصية اليومية هي من يجب الحديث عنها في صيرورتها اليومية ونجاحاتها واخفاقاتها لأن البطل الملحمي كان بمستوى الآلهة والفارس والمبشّر والبطل القومي والأيديولوجي وهي شخصيات نمطية، أما أنا فإني أتحدث عن شخصيات أخرى تمثّل المقطع العرضي للحالة الاجتماعية في المجتمع، إنهم يمثّلون الصورة الحقيقية للمجتمع بكل ما فيهم”.

الشخصية اليومية هي من يجب الحديث عنها في الإبداع، بصيرورتها اليومية، لأن البطل الملحمي أصبح نمطيا

عن رؤيته لمفهوم الثورة وما يحدث في دول العالم العربي، يؤكد الكاتب قائلا: “إن الظروف الموضوعية والذاتية ناضجة تماما لإحداث ثورة في الدول العربية، فهناك دول تقوم على الاستبداد، وأنا أقف إلى جانب الثورات، وليس لديّ أيّة أوهام تجاه الشعوب العربية التي خضعت لغسيل منظّم للأدمغة على مراحل امتدت لعقود وعقود، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون الطليعة الثورية التي تقود هذه الثورات قوى جنينية أو غضّة، وقد تكون راديكالية متطرفة كحزب البعث أو حزب الدعوة، في تونس لاحظنا وعيا أكبر بالثورة، وهذا يعود إلى الظروف الموضوعية التي تتوفر في تونس، أما في الدول الأخرى فإن هذه الثورات ستسقط بسبب القيادات التي قامت بأخذ الثورة وتياراتها إلى مكان آخر بعيدا عن الأهداف المرحلية أو الاستراتيجية التي ناشدت بها الثورة”.

ويضيف: ” الثورة في ذهني هي حلم عظيم يتمثّل في اللاسلطة ولكنه غير قابل للتحقق لأن الشعوب الخاضعة للاستبداد المنظّم طيلة أكثر من نصف قرن لن تعي معنى الآخر فمن يعيش في الظلام لا يمكن أن يتخيّل كيف تكون الحياة في النور، اللاسلطة أيضا حلم غير واقعي فكل منّا يحلم بعدالة مطلقة ومتناهية ولكن هذا الشيء غير موجود، لذلك نجد أن الإنسان يسعى دوما إلى أمر غير مرئي، ففي الحاضر أرى أنه لا يمكن تقويض هذه السلطة الاقتصادية التي تسيطر على السلطة السياسية والدينية.

المهمشون هم الصور الحقيقية للمجتمعات


إحداث التغيير

ينفي حازم كمال الدين قدرة المسرح والأدب على إحداث التغيير في المجتمع. فالأدب والفن، بالنسبة إليه، غير قادرين على إنقاذ العالم. يقول: “سيسعدني جدا إن تمكن عملي الإبداعي من إثارة الأسئلة الصحيحة تجاه الواقع أو إذا تمكن من تصحيح جمالية العين أو موسيقية الأذن لبضعة أنفار في هذا العالم، فالأدب الروسي كمثال واضح، استطاع أن يؤثر أدبيا في الروس من خلال الأدلجة، التي قادها ستالين، لتحويل الأدباء من مبدعين إلى ممثلين عن الواقعية الاشتراكية، بمعنى أن متطلبات الثورة كانت أن يؤدلج كل شيء ويؤطر كل شيء، وهو ما قاد إلى أدلجة الأدب والفن، هنا لا أريد أن أهاجم الثورة الروسية، ولكن إن عدت إلى أدب القرن التاسع عشر وقارنته بأدب العصر السوفيتي نلاحظ أنه لا مجال للمقارنة أبدا”.

عاش الكاتب حياته مطاردا من أجهزة المخابرات العربية، عن هذه الفترة يقول: “في الحقيقة وأنا في طريقي إلى بلوغ الستين، فإن إحساسي بعمري يقف عند العقد الثالث فما أنجزه الآن كان من المفترض أن أقوم به قبل خمس وعشرين عاما تماما، فملاحقتي من قبل السلطات وأجهزة المخابرات العربية هي من أوقفت ذلك الإنجاز الذي أحلم به، فقد وصلت إلى أوروبا وأنا ناضج نفسيا وإبداعيا، وكنت أبحث عن مأوى جغرافي آمن، بعيدا عن الجلّاد الذي حاول مرارا أن يوقف حياتي”.

يقول حازم كمال الدين: “المسرح أثر في نفسي بطريقة واحدة، فحين خرجت من العراق كنت ممثلا ومخرجا وكاتبا، ومع مرور التجارب أدركت أن العمل الجماعي هو الأساس في كل شيء، فعملي في المسرح هو آلية للتفكيك من خلال إدخال الآخر في عناصر التفكيك وعليك أن تقبل هذا الآخر كما هو من خلال صهر الجميع في بوتقة واحدة ليسمع الجميعُ الجميعَ وذلك لتقوية العملية الفنية وليس إضعافها، ومن هنا يغدو العمل الجماعي حقيقيا، المسرح أضاف إليّ على المستوى الشخصي أن أتعلّم كيف يكون اللقاء التفاعلي مع الآخر، وألّا أكون في موقع المعلم، وهذه الطريقة هي الأنجع لبناء حياة سليمة صحيحة، ولو أسقطناها على العمل السياسي العربي ستكون شكلا من أشكال الكومونة، وهو تعبير شيوعي يعني أن الجماهير ينصهرون مع بعضهم البعض دون وجود قائد لتحقيق رغباتهم من خلال احترام الآخر. لكن شعوبنا غير مهيّأة لهذا النموذج من الكومونات، لأنها لا تزال تنظر إلى الآخر على أنه عدوّ، فلا بدّ أن تعي هذه الشعوب أن الآخر ليس عدوا بل هو مؤازر من خلال النّدية التي يقدمها على سبيل المنافسة”.

ويضيف: “الشرق في حالة انتحار جماعي مبرمج بسبب غسيل دماغ استمرّ لأكثر من قرن من الزمان، وهذا ما نلاحظه من هجرة عربية كبيرة كانت بالعشرات وصارت بالمئات واليوم بالآلاف ما هو إلا دليل على إحساس جمعي يقوم على الاحتجاج العام من كل ما يحدث”.

15