حاضر العرب بعد خمس سنوات من التجرؤ على قلاع الظلام

يبدو الحاضر العربي المضطرب والذي وصل حدّ الاحتراق اليوم مدعاة للتفكير بعمق وحرية في خصائصه وعمق ظواهره التي قدمت مع ثورات الربيع العربي أوجها متناقضة بين شعوب تطمح إلى الحرية والخلق والإبداع وبين طوائف ظلامية قدمت للعالم أكثر الصور الدموية توحشا على الإطلاق. هذا الحاضر الذي بدأ المفكرون والمبدعون والكتاب في محاولة فهمه وتوجيهه نحو الأفضل، كان محور اهتمام مجلة “الجديد” في عددها الأخير الصادر في الأول من فبراير الجاري، حيث قدمت نقاشات فكرية مختلفة لمفكرين عرب، كما اهتمت بتقديم نصوص أدبية توزعت بين الشعر والقصة القصيرة، مواصلة بذلك مغامرتها التي جاوزت العام كمنبر ثقافي جامع.
الخميس 2016/02/04
العرب بين الفكر والأدب في وجه العاصفة

في عددها الثالث عشر، الصادر في الأول من فبراير، الذي يتزامن مع مرور خمس سنوات على اندلاع الثورة التونسية، تواصل مجلة “الجديد” الثقافية مغامرتها الثقافية مع الفكر والإبداع والنقد والحوار والمساجلة، مكرّسة ملفها للقصة القصيرة، من نصوص ونقد وتنظير وشهادات، تحت عنوان لافت هو “القصة القصيرة.. قيثارة النغمة الفريدة”. وبهذا تستكمل المجلة عددها الممتاز (الخامس) الذي أفردته أواسط العام الماضي للقصة القصيرة تحت عنوان “العرب يكتبون القصص” وضمّ نصوصا قصصية لـ99 كاتبة وكاتبا من العالم العربي.

أزهار دامية

رئيس التحرير نوري الجراح كتب في افتتاحية العدد كلمة بعنوان “ثقافة الماضي وثقافات المستقبل: حاضر العرب بعد خمس سنوات من التجرؤ على قلاع الظلام” عن تحول ما رَغِبَ العرب في أن يطلقوا عليه اسم “الربيع″ إلى أزهار دامية، وما اغتبطوا لولادته في زمانهم وبمشاركتهم من حراك اجتماعي سلمي لأجل الخلاص من طغيان القرون الوسطى، إلى همجية ألغت التجمعات السلمية لصالح الحواجز المسلحة، ونصبت ميزان عدالتها في ساحات قطع الرؤوس.

وقارن الجراح بين أيام الصحافي الأميركي جون ريد العشرة، عنوان كتابه حول ثورة أكتوبر الروسية عام 1917، في العشرية الثانية من القرن العشرين، التي هزت العالم، وقسّمته إلى عالمين (اشتراكي ورأسمالي) وأيام العرب في أوائل العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، التي لم تهزّ أحدا سوى العرب، فطالت وصارت سنوات، رغم وجود قرن بين العشريتين من الأفكار والأيديولوجيات والأوهام التي لم يكن للعرب نصيب حقيقي لا في إنتاجها ولا حتى في استهلاكها بطرق معقولة. وختم الجراح كلمته بأن “إعادة النظر المطلوبة عربيا للخروج من المأزق الحضاري، تحتم علينا القول بأن لا ثورة صناعية، ولا ثورة تنموية، ولا ثورة علمية، ولا ثورة اقتصادية، ولا حقوقية، من دون أن يمتلك العرب، أفرادا وجماعات، حريتهم وإرادتهم كبشر أحرار، لا كرعايا تابعين، وذلك عن طريق ثورة فكرية شاملة تطال كامل مكونات الوعي العربي المعاصر”.

ملف العدد

احتوى ملف العدد على دراسات نقدية، وشهادات لكاتبات وكتّاب حول تجاربهم في كتابة القصة القصيرة، وطبيعة علاقتهم بهذا الجنس الأدبي، وهمومهم الفنية والتعبيرية، ونظرتهم إلى فن كتابة القصة، ورؤاهم حول مستقبلها. شملت الشهادات، المعبرة عن جانب من الخبرات والأفكار المتعاقبة التي رافقت كتابة القصة القصيرة العربية، طيفا معتبرا من القاصين والقاصات ممن ينتمون إلى جغرافيات أدبية مشرقية ومغربية، وأجيال متعاقبة منذ جيل ستينات القرن الماضي، وحتى جيل الكتّاب الذين ظهروا في الألفية الثالثة، وهم: ابتسام شاكوش، إبراهيم درغوثي، أحمد الخميسي، أحمد سعيد نجم، حسن علي البطران، حنان بيروتي، خديجة النمر، رشيدة الشارني، روضة الفارسي، سعيد الكفراوي، سمير الفيل، سهير شكري، شريف صالح، طاهر الزارعي، علي المجنوني، عيسى جابلي، غادة العبسي، محمد الفطومي، محمد المخزنجي، محمد المنسي قنديل، محمد بن ربيع الغامدي، مصطفى تاج الدين الموسى، مصطفى لغتيري، ممدوح عبدالستار، منتصر القفاش، موسى آل ثنيان، هشام أصلان، وهيفاء بيطار.

هشام جعيّط.. "المخاض العسير"

تطرقت اثنتان من الدراسات المنشورة في الملف إلى نماذج من القصص التي ضمها العدد الخامس الخاص بالقصة القصيرة، الأولى للكاتبة آراء عابد الجرماني بعنوان “السرد القصصي النسوي العربي: الحاجة والاحتراف” سعت فيها إلى استكشاف نص المرأة وتطلعات الكتابة النسوية من خلال قراءة في مجموعة مختارة من قصص الكاتبات العربيات: اعتدال رافع، انتصار السري، ميسلون هادي، ليلى العثمان، أسماء إبراهيم، ميرال الطحاوي، رغد السهيل، رضوى فرغلي، سعاد خبية، لينا محمد، رشا عباس، مُزن مرشد، وغادة العبسي، وهي قصص نُشر معظمها في عدد القصة نفسه.

الثانية للكاتب أبوبكر العيادي بعنوان “هموم الفرد وهموم الأوطان” قرأ فيها موضوعات القصص وانشغالاتها وأساليبها لدى كل من: زهير شلبي، سعاد خبية، نهى الصرّاف، ابتسام شاكوش، وافي بيرم، هيثم حسين، هيفاء بيطار، صبحي الدسوقي، وسام نبيل المدني، يزيد عاشور، سمارة حسين، غسان الجباعي، وسمارة حسين. أما مقالة كاتب هذه السطور “القصة القصيرة وموقعها في نظريات السرد” فقد تناولت خصائص هذا الجنس السردي، أو شعريته (بمعنى “البويطيقا”) التي تشكّل خصائصه الفنية وفرادته، وما يميزه عن الرواية.

محاورة هشام جعيط

استضافت “الجديد” في هذا العدد المفكر التونسي هشام جعيط عبر حوار تحت عنوان “المخاض العسير.. حيرة الفكر بعد 5 سنوات عربية عاصفة”، أجراه حسام الدين شاشية، حول جملة من القضايا التي فجّرت السؤال فيها، ومن حولها، حرائق ما بات يعرف بـ”الربيع العربي”، وعواصف الغزو الإيراني للمنطقة.

وجريا على ما انتهجته المجلة في نشرها لمحاورات المفكرين العرب وغيرهم مقرونة بنصوص فكرية تحاورهم في أفكارهم، أوردت في العدد طائفة من المقالات لـ: إبراهيم الجبين “تونس والعالم العربي يا لها من لحظة جديدة”، إبراهيم سعدي “التحديث والهوية”، خطار أبودياب “العرب والتاريخ الإسلامي ومعضلة الحداثة”، عماد الأحمد “شيخ السيرة العلمية”، ربوح البشير “عقلنة التاريخ العربي”، جابر بكر “الواقعية المفرطة في علامات الطريق القويم”، وأبوبكر العيادي “طاحونة الشيء المعتاد”، حاوروا من خلالها هشام جعيط في نقاط أساسية أثارتها أفكاره وعلقت على جوانب مما أفصح عنه المفكر، وأشارت إلى ما ظنت أنه سكت عنه، أو اقتضب في إبدائه حول مسائل ومفاهيم الحداثة، والتخلف، والشورى، والديمقراطية، والإسلام السياسي، والإرهاب الديني، ومعضلة المراوحة في منتصف الطريق بين السلطة الشمولية والدولة الحديثة، ومشكلات التحول الديمقراطي.
هيفاء البيطار تستعيد صورتين من مدينتها اللاذقية

مقالات ونصوص

في باب مقالات نشرت المجلة: “عصر التنوير وصعود ما بعد الحداثة في الأدب العربي” لخلدون الشمعة، “أفول النخب المغاربية في سنارة العلمانية المغشوشة” لمحمود الذوادي، “النقد والحرية: التمييز بين الحقيقي والزائف” لإبراهيم الحيدري، “الديمقراطية الليبرالية ومفهوم الحرية” لعبدالرحمن بسيسو، “جماليات كرة القدم بلاغة النص الكروي” لوارد بدر السالم، و”هل يأكل ناشرو اليوم ويشربون في جماجم المؤلفين” لصالح حسن رشيد.

تضمن العدد في باب النصوص الإبداعية قصيدة طويلة للشاعر نوري الجراح بعنوان “قارب إلى لسبوس: مرثية بنات نعش”، وثلاث قصص قصيرة، الأولى بعنوان “الخيوط” لأحمد سعيد نجم، والثانية بعنوان “ربيع في الشتاء” لأحمد عمر، والثالثة بعنوان “صالة أندريه تاركوفسكي” لمحمد بدرخان.

قصيدة الجراح ذات منحى ملحمي في ثمانية ألواح ومجموعة أصوات، تتداخل فيها صور مأساة القرن في سوريا والرموز الأسطورية والدينية العربية والإغريقية، إضافة إلى صوته الشاهد على هذه المأساة، في بانوراما شعرية أخّاذة، نطوف عبر مشاهدها على المصائر المؤلمة للأشقاء السوريين الفارين، عبر البحر، من وحشية الدكتاتور ومجازره ونزيف الدم اليومي إلى أوروبا، بحثا عن ملاذات آمنة، لهؤلاء السوريين المرتجفين من البرد على سواحل الجزر اليونانية، الهائمين في كل أرض، الذين لا يصلون بقوارب الموت، ولكنهم يولدون على الشواطئ مع الزبد، ولكل واحد منهم نعش يسأل عن الثأر من القاتل. إنها قصيدة خصبة جليلة تخترق اللباب وتهز الوجدان، وتنتظر من يدرسها ويؤوّل رموزها وعمقها الإنساني، ويقف على خصائصها الأسلوبية والجمالية.

الناقد التشكيلي فاروق يوسف كتب في باب “فنون” عن “حيرة الفن العربي في متاهة السوق: بين استقبال التحولات وصناعتها” خلص فيها إلى أن كافة محاولات ضخ الروح في عمليات تسويق الفن العربي، سواء من خلال أسواق الفن المؤقتة أو من خلال مواسم المزادات، لم تنته إلى نتائج إيجابية، وهذا ما أدركه عدد من الفنانين الحقيقيين الذين تعففوا منذ البدء عن الدخول إلى حلبة سباق، عرفوا سلفا أنها ستكون مساحة للتهريج.

في باب أصوات، استعادت الروائية والقاصة هيفاء بيطار، تحت عنوان “هو والبحر أنا والمكان”، صورتين من مدينتها اللاذقية، إحداهما للبحر والثانية للشاعر منذر مصري، ولكليهما، كما تقول، الانطباع ذاته في نفسها: الرسوخ والطمأنينة والبقاء.

إبراهيم الحيدري والتمييز بين الحقيقي والزائف

الكواكبي ومقاومة الاستبداد

تنشر المجلة في هذا العدد مقدمة ترجمة هالة قضماني لكتاب المفكر السوري النهضوي عبدالرحمن الكواكبي الشهير “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، إضافة إلى مجموعة نصوص أخرى مختارة إلى الفرنسية، بقلم حفيده سلام الكواكبي، تحدث فيها عن رحلته وعلاقته مع جدّه في سنوات الطفولة، ومعاناته في مرحلة الشباب والدراسة والجامعة وما بعدها بسبب هذه القرابة التي ألقت على كاهله مسؤولية ثقيلة.

كما تطرق الكواكبي الحفيد في هذه المقدمة، التي ترجمها إلى العربية أوس داوود يعقوب، إلى المضايقات التي تعرض لها خلال النشاطات التي كانت تقام داخل سوريا، في حقبة ربيع دمشق الموءود بداية الألفية الثانية، حول جهود الكواكبي الفكرية والعملية، وتبصّره لقواعد الاستبداد القامع للحريات، في إطار عقلية إقصائية وتسلطية لنظام يحرم المجتمع من أي فسحة حوار أو تعبير عن الرأي.
ويصف الكواكبي الحفيد كتاب جدّه بأنه “لوحة شاملة عن الاجتماع السياسي الاستبدادي، الذي ما زال يحكم حياتنا العربية الراهنة، وهو ما يجعل الكواكبي معاصرا لنا، قدر تلهفنا للديمقراطية، فهو لا يخاطب عقولنا، ليكشف لنا مخاطر الاستبداد، إلا ليحرك ضمائرنا ليدفعنا دفعا لمقاومته”.

في باب “كتب” نشرت المجلة أربع مقالات هي: الأدب الناقد وخلخلة مركزية النوع الأدبي: قراءة في نصوص “72 ساعة عفو لوليد علاء الدين” بقلم تامر فايز. وقائع سقوط المثقف الماركسي: “المبتسرون لأروى صالح” بقلم ممدوح فراج النابي.

قلم الكاتب ومخيلة القارئ في رواية محمد حياوي “خان الشابندر” بقلم عباس داخل حسن. أما في “المختصر” فقد عرض كمال البستاني مجموعة كتب منها: “ماذا نفعل بجثث الجهاديين” لعالمة الاجتماع الأميركية ريفا كاستوريانو، “ممارسة الخوف: استعمالات سياسية للانفعال” للمؤرخ الفرنسي باتريك بوشرون بالتعاون مع الأميركي كوري روبن، “الفلسفة في مواجهة العنف” للباحث الفرنسي مارك كريبون بالتعاون مع زميله فريدريك وورمس، “في الحمق” للكاتب النمساوي روبرت موزيل، “النجوم” للفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، رواية “فرقة الضحك” للفرنسي جيرار مورديّا، و”صداقة رولان بارت” للناقد والروائي الفرنسي فيليب سوليرز صاحب مجلة “تِل كِل” الأدبية الشهيرة التي لعبت دورا كبيرا في نشر النقد البنيوي خلال ستينات القرن الماضي.
خطار أبودياب يبحث في "معضلة الحداثة"

رسالة باريس في هذا العدد جاءت بعنوان “القتل باسم الرب في المسيحية والإسلام” خصصها كاتبها بكر الحكيم لعودة الجدل حول الإسلام إلى الواجهة، بين مهاجم ومدافع، ومحايد يحاول أن يحلل أو يصل الحاضر بالماضي، مبينا أن الخصوم يذهبون إلى أن الدين الإسلامي “في جوهره دين عنف وكراهية، والمسلمون يردّون بأن دينهم هو دين سلام ومحبة وتآخ”. ويرى الحكيم أن كليهما “لا يصيب الحقيقة، لأنه يتجاهل ما يجلل تاريخ ديانات التوحيد الثلاث من حروب وقتل ودمار، باسم ربّ واحد، تشترك في عبادته”.

يختم مؤسس المجلة وناشرها الكاتب هيثم الزبيدي العدد بكلمة عنوانها “كلام في الصحافة: لا صحافة من دون صحافيين” يؤكد فيها أن الوعي صنعة الصحافة والإعلام، وقلته صنعة المهرجين أو أصحاب الأجندات التخريبية الذين يتسابقون على منابر الوسائل الاجتماعية لانتزاع آخر قارئ. ويفند الزبيدي ما يردّده بعض القائمين على المؤسسات الإعلامية العربية، ومعه جوق لا يقل عنه حماسة من “المتضررين”، أن التقنيات الحديثة دمّرت موارد هذه المؤسسات وصارت تهدّدها بالإفلاس، وكأن عصرا ذهبيا عاشته راح وولّى، كاشفا أن تردّي المحتوى، وليس التقنيات الحديثة، هو ما أطاح بالإعلام العربي، أو استبدله على وجه الدقة، فالناس لا تتابع هذا الإعلام لأنه لا يقول ما يفيد أو يقدّم ما فيه معنى.

15