حافات الدانتيلا.. قصص وحكايات عراقية من تاريخ الأسى

الجمعة 2013/08/30
تخطيط بريشة ساي سرحان

تحتفي مجموعة القاص رياض الأسدي "حافات الدانتيلا" الصادرة عن (دار تموز – دمشق 2013) بالمهمش من الشخصيات، وتفرد لها تاريخا حافلا بالحزن والأسى العميق على ذلك الضياع والتشرد والحياة الجافة التي عاشتها شخصياته البائسة وما تعرضت له من أحداث مأساوية.

في هذه القصص المعبرة الدافقة بالحياة، يحتفي القاص بشخصياته الهامشية ويعطيها حقا في الحياة وفي التعبير عن حياتها التي بقيت على الهامش دون أن تدخل التاريخ العام للبشر، على الرغم من محاولاتها المتكررة للارتفاع بحياتها إلى المتن ليكون مصيرها الفشل دائما، فأبطاله يعيشون فردانية قاتلة، دون معين، وهم يسردون مأساتهم بلغة خاصة استطاع القاص تطويعها لتعبر عن هذه الفردية والتهميش والإقصاء عن مجرى الحياة العام.


حضور الشخصية


تتضح مظاهر فردانية الشخصيات عبر تهميش دور السارد، وذلك ضمن تعليقات أو تمهيد يرسم جوا أو يصف حالة ثم تسرد الأحداث من قبل الشخصيات نفسها التي لم تألف سرد الحكايات، بالطريقة التي تؤلف بها القصص، هنا يعطي المؤلف شخصياته، حقها في الكلام الذي يأتي وفقا لحياتها وثقافتها وعلاقاتها، فيختلط سرد الحكاية بتفوهات الشخصية القصصية: نقمتها وتعاستها، آمالها البسيطة وشكوكها بما يحيط بها، جهلها وتساؤلاتها التي لا تجد لها جوابا، كل ذلك باستثمار تقنية الكلام الشفاهي المباشر الذي يعني أن الحكاية تسرد في أوانها وأن الزمن فيها يتداخل فيه الحاضر والماضي والمستقبل في حركة تذهب إلى الماضي وتعود إلى الحاضر ثم إلى المستقبل بنفس الوقت ومن خلال هذا الكلام المباشر وهي تقنية استطاع القاص الأسدي أن يديرها بذكاء وقدرة عالية على الإنجاز.

في قصة (الزعيم لا يعرف البمبر) تسرد الزوجة حكاية زوجها ( تفيس ابو خنة ) ذي الأسماء المتعددة : الأسود الطويل، أو شرموخ أو تفيس المطمطم أو اسمه الحقيقي الذي لا يناديه به أحد: (عبد الله مرزوق)، الذي فصل عن عمله في مكبس التمور دون أن يعرف سببا لذلك، ثم مغادرته إلى المجهول من أجل: (ربما قال ذات ليلة إنه سيعبر الحدود إلى الكويت من أجل فرصة عمل أفضل لنا، ولسوف يأخذنا معه (…) كان أبو خنه يفكر بتحويل (الخص) الذي يجمعنا إلى بيت لبن: "رجل يفكر بالمستقبل يوووووووووه". من خلال هذا الحوار مع النفس يمكن تحديد المروي له، فهو حديث توجهه الزوجة مرة بلسان الأب الغائب: (سأذهب على مود المستقبل) ومرة على لسانها الذي يلهج بالحرمان فتخاطب الرب "يعلم الله بكل مصائب البشر، شكرا له، مرات يمد يده ليساعدنا ومرات يفضل مراقبتنا، أنا لم يساعدني مرة واحدة وهو يعرف ذلك".


باب على المجهول


إن تقنية الحوار الذاتي الذي يرد في قصص كثيرة من هذه المجموعة يعطي انطباعا بتحقق القص أثناء الكتابة، إنه ينفلت من التدوين باتجاه الشخصية حتى أن القصة تبدو حوارا يشبه الهذيان وهو في صيغته التي وردت في المجموعة إعلان عن إلغاء المسافة بين السارد والمروي له فكلاهما يحضر في جلسة واحدة تخترق الزمان باتجاه تأسيس علاقة يشترك فيها السارد والمروي له، كما أنها تسمح باختراقها من قبل أصوات أخرى مساندة أو معادية، ويتضح في هذه التقنية تحقير الشخصية لذاتها على الرغم من كل المصائب والمأساة التي تحيط بها، فهي ومن أجل الانفلات من أسرّ هذه المصائب، تتصاغر أمام الآخرين وتبدو أمام المروي له ذاتا ممحية لا قدرة لها على اتخاذ قرار أو الإسهام في الشأن العام، فزوجة (تفيس العبد) تبيع (السويكة) وتصف نفسها "أنا مجرد امرأة سيئة الحظ ولا الحق بالنساء دائما:عوبة عوبة إلا أني يتيمة وصغيرة حدث لي كل ذلك".

في قصة "سعال ديكي" تعمد المرأة الصابئية التي فقدت زوجها في الحرب إلى التستر على إبنها المريض كي لا يقاد إلى الحرب واصفة إياه بكل الأوصاف التي تحط من شخصيته:"هذا الولد غبي مربع، لكن يتوجب علي أن أخبئه قبل أن أفقده مثل أبيه. طرن حتى سابع ظهر، كلهم هكذا (…) اوي شنو أنا متعلمة على الطيحان حظ ؟ وطول عمري خوثة، عبالك أنا فهيمة يمعود داعيتك طرنه بنت طرن مثلهم ويمكن أكثر".

لا يتحدد الأمر بالشخصيات الشعبية التي لا تملك وعيا بالحياة، بل إن ذلك يمتد ليشمل شخصيات إشكالية كشخصية بطل قصة (بخفة الورقة أو أقل قليلا) الذي يعلن منذ بداية القصة أنه أصبح "ورق مختبر شفيف، يمكنك أن ترى أجزائي الداخلية بعد التعري ناتئة من وراء الجلد. فقد قضيت قسما كبيرا من حياتي في السجون".


مهنة القص


في قصة "تخت رمل" تتناوب أصوات عديدة في سردها وكلها تسرد حكايات وتفوهات تتخذ من تاريخ الدولة العثمانية مركزا قصصيا لها، وخلال تلك الحقبة المرتبكة يبدو الخيال والحقيقة، الأكاذيب والجنون، الانفلات والتمركز كل ذلك في قصة واحدة يرويها ( قصخون)، فالكذب عنده طريقة للعيش، مطيرجي أو قصخون سيان كلاهما مهنة قص في قص وهو بنفس الوقت (يضرب تخت رمل) ويسرد عليهم "اليوم الحكاية عن أولاد المزابل كانوا أولاد مزبلة واحدة أعاذكم الله الموت في الطرقات وقطع اللحم فتات السواد بعد سواد سور بعد سور وطرون في اثر طرون".

إن مغزى الأحداث التي يرويها رواة لا يمتلكون الصدق أو قوة الشخصية، تكشف عن عالم مفكك تتحكم فيه أهواء المشعوذين والسحرة وقطاع الطرق من أمثال (سليمو نقاش) الملقب (جريو) وهو من (الشقاوات الشقندحية المعروفين من قطاع الطرق على الحكومة وسلامة الناس وسكونهم.

الذي يمتلك أسلحة نارية وسيوف وخناجر والدجنات والسكاكين، وهذا العالم المستدعى من سجلات التاريخ يشبه إلى حد كبير عالم بطل قصة (بخفة الورقة أو أقل قليلا) المعاصر الذي يسرد فيه ضياع الأمل في وسط عالم تحكمه ذوات تتفوق في "كتابة تقارير ورقية ضدي من أناس لا أعرفهم ورق ورق ولا شيء غير ورق".

وحافات الدانتيلا، التي تمثل الرقة البالغة والتوشية التي تضفي الجمال على ملابس النساء، تمثل هنا جموعا من الناس الذين فقدوا إنسانيتهم، فأنكروا على أنفسهم صفاتهم الإنسانية، واتصفوا بأسوأ الصفات من أجل النفاذ بجلودهم من محرقة تأكل الأخضر واليابس، وسط عسف عاصف يضع أبطال قصص هذه المجموعة القصصية في عزلة صارمة تجعلهم يتحدثون مع أنفسهم في هذيان متصل.

15