حافظوا على أعدائكم الفاشلين

التظاهر تحت الشمس ترفا لا تدعيه الشعوب المحرومة.
الثلاثاء 2021/07/27
التظاهر متواصل

قلوبنا مع الذين يخرجون للاحتجاج والتظاهر ضد حكوماتهم، تحت الشمس الحارقة هذه الأيام، ولا تعمل الشرطة على تفريقهم بخراطيم المياه الباردة المنعشة بل تتركهم تحت حرارة وهجير من شأنه أن يصيب حماستهم بالوهن، ويُذيب ما في رؤوسهم من طموح وأمل.

الفاسدون الذين جاء الناس يحتجون على ممارساتهم هم الآن، بلا شك، على الشواطئ يتمددون، وعلى الأرائك يشربون ويتفرجون فلا يسمعون هتافات ولا شعارات ولا من يحزنون.

هذه حقيقة وليست لغوا.. إنها واقع يتكرر، ويضرب في عمق التاريخ والجغرافيا، وليس مجرد كلام محبط للهمم، ولكن لا بأس من الكثير من المطالبة والاحتجاج، مقابل انتظار القليل من اللين والامتثال.. هذه هي المعادلة التي لا بد منها في الكثير من الديمقراطيات الناشئة التي قد تحرم المتظاهرين خراطيم المياه الباردة في الصيف وتجود بها عليهم في الشتاء.

أما تلك التي أدنى منها منزلة من “الديمقراطيات الغائبة” فقد تجود بالمياه في تفريق المظاهرات، وتقطعها عن الحنفيات في البيوت.. هذا إذا أسلمنا جدلا، أنها احترمت مبدأ “عدم الاستخدام المفرط للقوة”، أما الحقيقة الأبشع فهي تستخدم الكهرباء بدل الماء.. الكهرباء التي تقطعها في البيوت لتوفرها في غرف التحقيق والعياذ بالله.

هنا يصبح التظاهر تحت الشمس ترفا لا تدعيه الشعوب المحرومة، كما أن الاستجابة إلى نصف المطالب والإنصات إلى شطر الشعارات، بحبوحة ديمقراطية يبوس بفضلها الواحد يده “وش وقفا” كما يقول أهالي الشام.

ينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا أن لا وجود لسلطة دون معارضة ظاهرة كانت أم مستترة، لكن المكشوف يبقى دائما أهون وأكثر أمنا وطمأنينة من المخفي، فخراطيم المياه والعبوات المسيلة للدموع والقنابل الصوتية والمطاطية التي نشاهدها على شاشات التلفزيون أرحم بألف مرة من زوار الفجر، بعيدا عن الكاميرات، بالإضافة إلى وسائل أخرى لا تسيل الدموع بل تجعلها متحجرة في المقل.

الحكومات بدورها تستأنس لمعارضات تعرف عناوينها وتحفظ صناديق بريدها فتلعب معها لعبة شعرة معاوية، وكفى المؤمنين شر القتال ثم أن المثل التونسي يكاد يعرفه جميع العرب وبصيغ مختلفة وهو “شد مشومك خير ما يجي أشوم منه” فيا أيها الناس لا تخسروا أعداءكم الواضحين.

وفي هذا الصدد، تقول الحكاية إن ضابط الجيش سأل قنّاصا تابعا له في الجبهة “ما رأيك في قناص العدو؟” فقال إنه فاشل، يرمينا ولا يصيبنا. سأله الضابط: لماذا لا تقتله إذن؟ فرد القناص “أخشى أن يموت فيستبدلوه بقناص آخر يكون جيدا فيقتلني يا سيدي”.

الحفاظ على الفاشل في منصبه خدمة جليلة نهديها للأعداء دائما ثم إن “اللي تعرفو خير من اللي ما تعرفوش” إذا أردنا النظر من زاوية أخرى.

 
24