حاكم جاكرتا المسيحي في سجن نزعات التشدد ومسارات الأسلمة

الحكم الذي صدر الثلاثاء ضد حاكم جاكرتا (العاصمة الإندونيسية) بتهمة التجديف، مثّل مؤشرا خطيرا لدى المتابعين داخليا وخارجيا، على تراجع الحريات الدينية وعلى ضرب كل أسس ومقوّمات التعايش في بلد لطالما عُرف بتنوعه وتعدّد مكوّناته، ولكن مسارا خافتا من الأسلمة والتطرف كان يجري منذ سنوات، وهو ما عزّز المخاوف على مستقبل إندونيسيا ذات الأغلبية المسلمة، والتوجس من أن تكون محاكمة باسوكي تاهاما بورناما مجرد بداية لانحدار بلا نهاية.
الخميس 2017/05/11
التجييش الذي يرسم مسار الأسلمة

جاكرتا - حكمت محكمة في جاكرتا، الثلاثاء، على حاكم عاصمة إندونيسيا المسيحي باسوكي تاهاجا بورناما الملقب بأهوك بالسجن لسنتين بعد إدانته بإهانة الإسلام، في محاكمة جدّدت المخاوف من تفاقم انعدام التسامح الديني في أكبر بلد مسلم في العالم، بعدد يناهز ربع مليار مسلم.

في أولى جلسات القضية التي انعقدت في 13 ديسمبر الماضي، نفى أهوك، المسيحي الذي ينتمي إلى أقلية عرقية صينية، الادعاء بأنه أهان القرآن، وأكد بأن تعليقاته كانت تستهدف أولئك الساسة الذين يستخدمون آيات القرآن بطريقة غير صحيحة ضد غير المسلمين، وليس الآيات ذاتها. والأكيد أن الجبهة التي تتزعم الذود عن الإسلام لعبت دورا محوريا في تأجيج الاحتجاجات، وهي التي ترفض دائما أن يتولى مسؤول غير مسلم حكم مدينة بغالبية مسلمة. الواضح هنا أن المشكلة سياسية ومن ساهم في تأجيجها انطلق في تأجيجها من دواع سياسية.

المثير أن المحكمة التي قضت بسجن أهوك عامين بتهمة التجديف الثلاثاء استندت إلى أقوال الخطيب الإسلامي حبيب رزيق باعتباره حجة في القرآن.

وقد سبق أن دخل هذا الخطيب، زعيم جبهة المدافعين عن الإسلام، السجن مرتين بتهمة التحريض على العنف، وكان حتى عهد قريب شخصية مغمورة في المجتمع الإندونيسي وكان المجتمع يعتبر أنصاره أفرادا في لجان شعبية تستخدم أساليب “البلطجة” وتميل إلى التطرف والابتزاز.

ويسلّط اعتراف المحكمة به كواحد من علماء الدين الإسلامي المبجلين، بل وقرار المحكمة ذاته، الضوء على نفوذ الجماعات الإسلامية المتنامي في إندونيسيا أكبر دول العالم الإسلامي من حيث عدد السكان المسلمين والتي يعترف دستورها بتعدّد الأديان وجرى العُرف فيها على التسامح الديني.

ويقول منتقدون إن الحكم القضائي أضفى تصديقا شبه قانوني على تفسير متشدّد لنصوص قرآنية، الأمر الذي قد يشجع على تهميش الأقليات الدينية في إندونيسيا.

غير أن الرئيس جوكو ويدودو الإصلاحي المعتدل وحليف بورناما هوّن علانية من شأن المخاوف من تزايد التعصب الإسلامي في البلاد، فحث الإندونيسيين بعد الحكم على احترام العملية القانونية، مشيرا إلى أن بورناما سيستأنف الحكم.

ما يعزّز خطورة القضية ويحوّلها إلى مصدر مخاوف للمتابعين، هو ما بدأ يسود المجتمع الإندونيسي من تفاعلات. فالمسار القضائي يمكن استئنافه أو نقضه، والمسار السياسي يمكن أيضا تصويبه بتعديل الخطاب، أما الخطورة فتكمن في البذور المجتمعية للتطرف والتشدد ورفض الآخر، وتقسيم المجتمع حسب الانتماءات الدينية، ما يؤدي إلى تكريس ثقافة الأغلبية والأقلية، بديلا عن الثقافة الديمقراطية التي ترى كل المواطنين سواسية.

فتحت ضغط تظاهرات هائلة ودعوات إلى سجنه، اتهم حاكم جاكرتا رسميا بالتجديف في نهاية العام 2016، وهي جنحة يعاقب عليها القانون بالسجن حتى خمسة أعوام. وبعدما كانت استطلاعات الرأي ترجّح فوزه، هزم الحاكم في الانتخابات أمام وزير التربية السابق أنيس باسويدان.

الحكم أضفى تصديقا شبه قانوني على تفسير متشدد لنصوص قرآنية ما قد يشجع على تهميش الأقليات في إندونيسيا

حيث أثار القرار فرح خصومه وغالبيتهم من الإسلاميين المتشدّدين خارج المحكمة وقابلوه بهتاف “الله أكبر”. كما عبّر المئات من المسلمين المحافظين عن ارتياحهم للحكم. ومنهم بختيار الذي قال “أحمد الله أنه سيسجن. لقد أهاننا”. بل إن كثيرين أبدوا أسفهم لأنه لم يحكم عليه بالعقوبة القصوى. وقالت ربة المنزل نوفارينيتا زين (46 عاما) “نشعر بالاستياء. كان يجب أن يحكم عليه بالسجن خمس سنوات”.

وقال القاضي دويارسو بودي سانتيارتو إن القضاة الخمسة في المحكمة رأوا أن حاكم العاصمة “وبالدليل القاطع مذنب بالتجديف” و”حكموا عليه بالسجن لسنتين”.

وبرّر قاض آخر هو عبدالرشاد قسوة الحكم بأن المتهم “لا يشعر بأي ذنب” و”أثار غضب المسلمين وجرحهم”. وكان هذا القرار مفاجئا لأن المحاكم لا تذهب إلا في حالات نادرة أبعد مما تطلبه النيابة.

وكان كبير المدعين علي موكارتانو طلب الشهر الماضي السجن شهرا مع وقف النفاذ لأهوك وإخضاعه للمراقبة لسنتين.

الانتقال بالقضية من “ازدراء” الأديان (وهي تهمة نفاها أهوك) إلى تهمة “التجديف” هي بالضبط ما يثير هواجس المتابعين والحقوقيين وغير المسلمين، والخشية أن تصبح التهمة سيفا مسلّطا يهدّد به كل من يخالف الأغلبية المسلمة، خاصة في ظل تصاعد الأصوات المتطرفة، وفي ظل “انقياد” القضاة والمحاكم لضغوط الشارع المتشنّج المجيّش بدوره من قبل تيارات وأحزاب وجمعيات إسلامية.

إثارة القضية في حدّ ذاتها، والهجرة بها من الازدراء إلى التجديف، ثم الحكم الصادر على أهوك، إضافة إلى الحيثيات والتفاصيل المتعلقة بالشهود وجلّهم من رموز التشدّد في البلاد، كلها مقوّمات تتضافر لتعلن أن التشدّد بصدد التقدّم في الساحات الإندونيسية، على الأقل في المرحلة الراهنة.

المحامي والحقوقي الإندونيسي البارز بودونج موليا لوبيس قال في هذا الصدد “رزيق ليس مؤهلا كخبير. ذهلت وأنا أستمع لذلك”. وأضاف أن الحكم نفسه صادم.

وكان رزيق شاهدا من شهود الادعاء غير أن المدعين لم يطلبوا سوى إصدار حكم مع إيقاف التنفيذ عن تهمة أقل تتمثل في استعمال عبارات فيها ازدراء. وفي النهاية قرر القضاة إصدار حكم بالسجن بتهمة أخطر هي التجديف. وقال المحامي لوبيس “القضاة لم يأخذوا فعلا بما قدّمه فريق الدفاع″، مشيرا إلى أن كثيرين من كبار رجال الدين أخذوا صف بورناما.

وقال تيم لينزي الخبير بجامعة ملبورن في النظام القانوني بإندونيسيا إنها ليست سابقة أن يصدر قضاة إندونيسيا حكما أشد مما طالب به المدعون.

وأضاف أن محافظين من رجال الدين كان لهم تأثير على هيئة المحكمة. وتابع “هذا هو الانتصار الكامل للمتشدّدين”.

وقال الباحث الإمدونيسي أندرياس هارسونو إن القضية ستعزّز التفسير الحرفي لما ورد في سورة المائدة عن ولاية المسلمين على المسلمين في كل مناحي الحياة.

وأضاف “سيمتد ذلك إلى مكان العمل. سيطالبون برؤساء تنفيذيين من المسلمين وموظفين كبار من المسلمين. والإسلاميون يتحدثون بالفعل عن ذلك”. وشدد على أن القضية تمثل «مرحلة مهمة في العملية البطيئة لتراجع الحريات الدينية في إندونيسيا”.

13