حالة الإنقسام السياسي في السودان

الأربعاء 2013/08/14

يمر السودان بحالة من عدم التوازن، يمكن اعتبارها من أخطر حالات الانقسام السياسي التي مرت على البلاد منذ استقلالها عام 1956. وتتجلى هذه الحالة في بروز نوع من الانقسام على مستوى مؤسسة الحكم من جهة، وانقسام المعارضة من جهة أخرى. فقد تعدت هذه الحالة نطاق الانقسام الجغرافي بانفصال الجنوب عام 2011، إلى آخر سياسي على مستويي الحكومة والمعارضة ليتم إضافته لما هو قائم من واقع منشطر على المستوى الأيديولوجي في السودان الشمالي.

شهد النظام السياسي السوداني صراعات في أغلب نظمه السياسية وخصوصاً في المراحل التي يوشك فيها النظام من الانتقال إلى مرحلة التحول الديمقراطي. ويكاد لا يخلو تاريخ الدولة السودانية الحديثة من الخلافات وأشكال التعددية المفروضة بفعل أيديولوجيا البعد القومي، ولكنها كانت مرحلية كالتناوب بين الانقسام والتوافق بسبب انعدام الديمقراطية الحقيقية.

المرحلة الحالية التي يعيشها السودان هي مرحلة مخاض التغيير ولذلك نجد أنّ التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لبيان أسس التناقض القائم فيما بين الحكومة والمواطنين. وعلى هذا الأساس فإن القوى السياسية المعارضة والتي تعمل من أجل استرداد الديمقراطية بالطرق السلمية لم يمنعها ذلك من ظهور تباينات في داخلها من جهة وبينها وبين المعارضة المسلحة من جهة أخرى. كانت الخلافات والانشقاقات في زمن وحدة السودان الجغرافية تأخذ طابعا فكريا وتنظيميا، ولم تصل مرحلة التداعيات السياسية إلى هذا الشكل الحالي إلا بعد الانفصال. ولم تقتصر الانشقاقات على جهة دون أخرى، فقد ظهر الانقسام داخل نظام الإنقاذ مبكرا وتمثل في الانشقاقات التي عرفها حزب المؤتمر الوطني الحاكم كخروج جماعة الإصلاح على التنظيم بدعوى المناصحة، والانشقاق داخل الجيش في محاولة لقلب نظام الحكم العام الماضي.

أما على صعيد المعارضة فإن الانقسام الداخلي بصيغته الراهنة، يواجهه الخلل التكويني المرتبط بالجغرافيا السياسية، حيث نجدها منقسمة بين المعارضة السلمية ممثلة في الأحزاب السياسية الشمالية، وبين المعارضة المسلحة التي اجتمعت أخيرا في تكوين الجبهة الثورية الجامعة للحركات المسلحة من دارفور، بالإضافة إلى الحركة الشعبية (قطاع الشمال) والتي اتخذت من جنوب السودان الجديد مسرحا لنشاطها.ومنذ أن طرحت الجبهة الثورية نفسها بديلا لأحزاب المعارضة السلمية، وتبنت العمل المسلح، تحولت من معارضة نشطة إلى خاملة بانتظار أن تنفذ الجبهة الثورية برنامجها السياسي والمجتمعي وتتحمل تبعات التغيير عنها. ورغم تشابه الأهداف والعمل المشترك لإسقاط النظام إلا أن المظاهر المتنوعة لصراع المعارضتين مع النظام تعمل على تعميق المواجهة وليس التنسيق بينهما. وجاء ذلك بعد ازدياد المخاطر السياسية المباشرة، وبالتحديد التعدي على المدنيين في مناطق النزاع. وإن كان هناك ما يمكن أن يضعف المعارضة فهو في تعدد مشاريعها، والانتقال من مشروع لآخر. وهذا مما يشكك في مصداقيتها وإيمانها بالحقوق الوطنية.

تبدى جليا بعد انفصال الجنوب أن الخوف لم يكن من الانقسام الجغرافي فحسب، وإنّما مما ظهر من أشكال تهدد وحدة الأهداف وإستراتيجية العمل من أجل استرداد الديمقراطية. فقد ظهر انقسام يتجاوز انقسام السلطة على نفسها وانقسام المعارضة إلى آخر بات يضرب قدرة الشعب في الوصول إلى أهدافه الوطنية.

اتسمت حالة الانقسام السياسي في السودان باختلال توازن النظام الاجتماعي، حيث برزت إلى السطح أزمة الهوية، التي جاءت كنتيجة حتمية لفشل حكومة الإنقاذ في تحقيق نوع من الاندماج السياسي والوطني لأسباب تتعلق بطبيعة التنظيم الإسلامي. فلم يتوان هذا التنظيم طيلة عقدين من الزمان في إبراز هويته على حساب المكونات الأخرى. وأخذ يعبأ بخطر حمّل هذا التركيز في طياته ضرورة الارتكان إلى قاعدة أخرى هي نقاء العرق مما عمل على احتدام الصراع بشأن إعلاء تكوينات قبلية على أخرى. ثم وصل الأمر إلى التمييز بين هذه المجموعات على أساس قاعدة أخلاقية للمنتمين إلى العنصر الشريف ونبذ غيره من العناصر.

ما يجري الآن من حالة انقسام هي تتويج لعهد كامل من الخلافات المتراكمة التي واجهت الحالة السياسية السودانية في شكل النظام الحاكم كما في شكل المعارضة. وبالتالي فإنّ الانقسام لم يؤثر سلبا على المشروع الوطني فحسب، وإنما هدم ركيزة هامة كان يؤمل الوصول بها إلى تسوية سياسية، كما أثّر على فكرة المواطنة نتيجة لقمع الحقوق وغياب العدالة الاجتماعية. ولا زال الشعب السوداني يمعن النظر في مبادرة تلوح في الأفق لأي حلول عملية تنهي حالة الانقسام، وتبني بدلاً عنه أساسا يحترم التعدد على المستويين الاجتماعي والسياسي.

9