حالة الرمال السودانية المتحركة

الأربعاء 2013/10/09

رغم تميّز العلاقات الخليجية السودانية بالخصوصية على مر الحقب والعصور، إلا أنها أحيانا تمر بتوترات تنتهي دائما بعودة العلاقات سريعا إلى طبيعتها، ولم تشهد العلاقات السودانية الخليجية توترا سوى في عهد حكومة البشير. فقد كانت المرة الأولى التي حدث فيها ذلك هو بداية حرب الخليج الثانية حينما اجتاحت العراق الكويت، وموقف الحكومة الذي صنفها ضمن مجموعة الدول الخمس التي شهدت توترا بينها وبين الخليج، ورغم أن التقارب السوداني القطري وما ينتج عنه من مخرجات تزعج بقية دول التعاون، إلا أنها لم تصل حد توتير العلاقة معه.

ومن بين دول الخليج شهدت المملكة العربية السعودية منذ القدم علاقات متميزة مع السودان الذي كان مركزا للكثير من حجيج إفريقيا، وكان يكسو الكعبة في عهد السلطان علي دينار، سلطان مملكة الفور القديمة، وحفره آبار علي الشهيرة، إضافة للوقوف السعودي المشرّف والمؤثّر مع السودان في مختلف أزماته، وغيرها من صور العلاقات القوية بين البلدين، والتي تميّزت بالتمازج الشعبي أكثر من الرسمي.

ورغم انتهاج الحكومة السودانية سياسات مزعجة للملكة كعلاقتها مع إيران، وصلتها السابقة بأسامة بن لادن، وإيوائها للتنظيمات المتطرفة في فترة من الفترات، خاصة وأنها تشترك مع المملكة العربية السعودية بحدود مشتركة يفصلها البحر الأحمر، ما جعل التبادل التجاري بين الدولتين داعما قويا للعلاقات المتميزة بينهما.

في الفترة الأخيرة شهدت العلاقات بين البلدين توترا صامتا سرّبته مواقع الأنترنت، فقد أعادت السعودية طائرة رئاسية تقل الرئيس السوداني، ومنعتها من الهبوط في أراضيها، ولم يمرّ وقت طويل على ذلك حتى قامت الاحتجاجات السودانية الأخيرة، حيث أصدر السفير السعودي بالخرطوم بيانا للطلاب السعوديين الذين يدرسون في جامعات الخرطوم يدعوهم فيه إلى التزام منازلهم لخطورة الوضع، ما جعل أحد المسؤولين يحذّر السعودية من التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، غير أن الخارجية سرعان ما أصدرت بيانا نفت فيه توتر العلاقات بين الطرفين، ونفت ما راج عن موضوع عدم السماح لوزير الخارجية بدخول السعودية، وناشد البيان الصحفيين وخاصة كتّاب الأعمدة، بعدم إثارة الفتن بين الجانبين أو الكتابة بما يعود على علاقاتهما بالضرر، وهي مناشدة غريبة.

فالحكومة السودانية لم تتعود على مثل هذه الأساليب، فهي قد صادرت بعض أعداد الصحف، وفرضت الرقابة القبلية على كل وسائل الاعلام، كما قامت في خطوة غير مسبوقة بمنع بعض الصحفيين من الكتابة في الصحف، وهو ما جعل الشبكة السودانية للصحفيين المناوئة لاتحاد الصحفيين، تعلن إضرابا عاما، وبإضرابها أعلنت بعض الصحف توقفها عن الصدور تضامنا مع الصحفيين واحتجاجا على التضييق على حرية الصحافة، غير أن الحكومة لم تعر الأمر اهتماما، بينما الثورة ضدها بدأت تتسع رقعتها يوما بعد يوم، والحركات التي ترفع السلاح في وجه الحكومة أعلنت عن جاهزيتها لدخول الصراع في عقر دار الحكومة بالخرطوم، بينما بدأ حماس الرئيس الجنوب سوداني، سلفاكير، يفتر، بعد التّقدّم الذي تم إحرازه في المحادثات الأخيرة التي شهدت زيارته للخرطوم، ومنح جنوبيو المدن الأخرى المنحدرون من منطقة (أبيي) الحدودية النفطية المتنازع عليها، إجازات مفتوحة تأهبا لإجراء استفتاء أحادي الجانب حول تبعيتها لإحدى الدولتين، ما جعل السودان الشمالي يستنجد بالاتحاد الأفريقي الذي يعمل جاهدا على التدخل لنزع فتيل أصعب الأزمات بين البلدين.

ومن الملاحظ أن الاحتجاجات الأخيرة تحولت بسرعة من احتجاجات على رفع الدعم عن الوقود، إلى احتجاجات سياسية بعدما دخلت الأحزاب علانية في الصراع، وأبرمت بينها اتفاقا على استمرار الثورة السلمية حتى إسقاط الحكومة.

الحكومة من جانبها وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه، فالصراعات الداخلية بين جيل الشباب من منتسبيها الذين رفعوا شعار ضرورة التفريق بين منتسبي التنظيم المتأسلم الحقيقيين، وبين جيوش النفعيين الذين احتلوا مناصب مختلفة في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، قطعت شوطا بعيدا، كما أن بعضهم ضاق زرعا بتخبّط الحكومة وطرق تعاملها مع الأزمات المتوالية التي عاشتها منذ اقتلاعها كرسي السلطة من نظام ديمقراطي وليد. كما أن انفراد مجموعة من الحزب بعقد اتفاقية نيفاشا التي أعقبتها حكومة مشتركة أدّت إلى انفصال الجنوب، وتفاقم الأزمة الاقتصادية في الشمال بسبب ذلك الانفصال غير المدروس، كانت مثار سخط بعض منتسبيه.

وما أن أعلن البشير عدم ترشحه للفترة القادمة تزامنا مع المؤتمر الإسلامي العالمي الذي تم عقده بالخرطوم في العام الماضي، حتى بدأ الشارع يتحدث عن صور وأشكال الصراع بين نسور الحزب الوطني لخلافته، ووصل الأمر حدّ قيام رئيس المخابرات السودانية الذي تم عزله عن منصبه، بانقلاب عسكري بالاتفاق مع بعض قادة الجيش من المتأسلمين، غير أن الانقلاب تمّ إحباطه، وأخلت الحكومة سراح قادته بعدما بدأوا بتسريب وثائق سرية وهم يقبعون وراء القضبان، أضف إلى ذلك ما اختلط على الحكومة من معرفة مؤيديها بعدما انفصل عنها عرابها حسن الترابي الذي كوّن حزب المؤتمر الشعبي، ما جعل البعض يحتفظ بمنصبه في الحكومة وبولائه للترابي، خاصة وأن الخطاب الأيديولوجي للحزبين هو نفسه، فالاختلاف بينهما شخصي مناصبي بحت. وقد انضم الترابي رسميا للأحزاب المتحالفة لإسقاط النظام ما جعل فرص سقوط الحكومة أكبر، خاصة وأن الترابي يعرف كل نقاط قوة وضعف الحكومة، وهو كما يشاع عنه يملك علاقات مؤثّرة، مع حركة عسكرية قوية تحارب في دارفور ذهب بعضهم لتأكيدها ذراعا عسكريا لحزبه.

وبجانب الترابي وحزبه، أعلن مالك عقار، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال، والذي كان واليا بالانتخاب على ولاية جنوب النيل الأزرق ذات الصراعات المتأججة، قبل أن يختلف مع الحكومة ويدخل معها في حرب مفتوحة، أعلن عن تحالفه مع أية حكومة تأتي بعد حكومة البشير، وانحيازه التام للشعب في ثورته ضد النظام.

كما أعلن ياسر عرمان، الذي يقود فصيلا آخر من قطاع الشمال-الذي حاولت الحكومة محاصرته بالاتفاق مع حكومة جنوب السودان، أقوى الداعمين له ولكنها لم تفلح في ذلك- عن جاهزيته للدخول بعسكره للخرطوم ومعه عبدالعزيز الحلو الذي يقود الحرب ضد الحكومة في جنوب كردفان، وسبق لهما التوغل بجيشهما نحو الشرق واحتلال منطقة كرشولا، ومدينة أم روابة التي لا تبعد كثيرا عن الخرطوم، وسحب الحزب الاتحادي العريق بقيادة محمد عثمان الميرغني، أقوى الأحزاب مناصرة للحكومة، وزراءه منها احتجاجا على تعاملها مع الأزمة.

كما أعلن الصادق المهدي رئيس حزب الأمة العريق عن بداية نهاية حكومة البشير، وبدأ خطابه الموالي للحكومة في التغيّر بدرجات كبيرة.

وسيّر السودانيون بالخارج خاصة في أوروبا وأميركا العديد من وقفات الاحتجاج والتظاهرات أمام السفارات السودانية، كما بدأ الداخل الآمن للحزب الحاكم يتحرك، فقد قامت مجموعة مؤثّرة من منتسبيه تضم بعضا من شاغلي المناصب كالدكتور غازي صلاح الدين، بتقديم مذكرة احتجاج على تعامل الحكومة مع المتظاهرين، ما أدخل الحكومة في حرج بالغ، فهي كانت حتى اللحظة الأخيرة تتهم مندسين معارضين بقتل المتظاهرين لتشويه صورة الحكومة، ومذكرة منتسبيها المرفوعة تعني اعترافا ضمنيا بارتكاب المجازر الأخيرة، وهو ما دعا بعض الأصوات داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم، للتعالي مطالبة بمحاكمتهم في إطار القانون الحزبي.

وفي زيارته إلى بريطانيا ولقائه بالجالية السودانية تعرّض مساعد الرئيس السوداني، نافع علي نافع، أقوى رجال الحزب الحاكم وأكثرهم نفوذا، لمشادة كلامية انتهت بالاعتداء عليه بالضرب، كما تمّ طرده من عزاء شهيد الاحتجاجات، سنهوري، بينما بدأت الجماهير الغاضبة ترفع صوتها عاليا «الشعب يريد إسقاط النظام»، فهل سيسقط النظام وتبقى هتافات الشعب أم العكس؟


صحفي سوداني

9