حالة فريدة من الحكي المتواصل بلا انتهاء ولا خطوط حمراء

جوفاني بوكاتشو يتوجه في كتابه "الديكاميرون" إلى النساء تحديدا، يريد تسليتهن والترويح عنهن، لأنهن محرومات من وسائل اللهو والتسلية المتاحة للرجال.
الثلاثاء 2018/07/03
جنة وجحيم

يتوجه جوفاني بوكاتشو في كتابه “الديكاميرون” إلى النساء تحديدا، يريد تسليتهن والترويح عنهن، لأنهن محرومات من وسائل اللهو والتسلية المتاحة للرجال، وربما فعل ذلك على سبيل الاعتذار من السباب والإساءات التي وجهها إلى الجنس اللطيف خلال فترة سابقة، وقد بات بوكاتشو إثرها يعتبر من أشهر الكتاب الإيطاليين المحبين والمناصرين للمرأة.

وجوفاني بوكاتشو شاعر وروائي إيطالي، معاصر لبترارك. ولد قبل وفاة دانتي، ألف “الديكاميرون”، ومعناها باليونانية: ديكا وهيميرا (يوم)، أي “الأيام العشرة”، وتعد من المؤلفات العالمية الشهيرة، وتحكي قصة حب ماريا ابنة الملك روبرت، وقد كتبها بتكليف منها، كما نظم ملحمة طويلة على غرار الإلياذة عنوانها “تسييد”.

 

هناك من الكتب الأدبية الرفيعة التي لا تنقص قيمتها أو تتزعزع مهما بلغ بها الزمن من القدم والتعاقب، كتب تعتبر من الموروث الإنساني الهام والمليء بالنضالات والحب والمآسي والحروب وغير ذلك مما كان ومما أدّى إلى وصول الإنسان اليوم إلى ما هو عليه. من بين هذه الكتب الخالدة نذكر كتاب “الديكاميرون” للإيطالي جوفاني بوكاتشو.

ومن رواياته المشهورة “فيامتا” (اسم مستعار لحبيبته ماريا)، التي تصور حبها له وهجره لها، كما نظم مسرحية “فيلو سترافو” التي تروي قصة ترويلس وكريسيدا، و”قصيدة كورباشيو” وهي هجاء للمرأة. وقد دفعه إعجابه بالشاعر دانتي إلى كتابة ترجمة له. إضافة إلى ذلك يعتبر بوكاتشو من أبرع الكتاب في سرد القصة وتحليلها.

اشتهر جوفاني بوكاتشو بأنه شديد الحب للنساء والولع بهن، بل إن رفقته كلها كانت من النساء، لكن المفارقة أنه في نفس الوقت وصف بأنه من أعداء المرأة لا لشيء إلا لأنه استطاع أن يكتب عددا من الحكايات الكاشفة للمكر الأنثوي المحبب، أثبت من خلالها أنه لا سقف لمكر المرأة، وأن كيدهن عظيم، تماما كما يظهر في حكايات “السندباد” التي يعتقد أن بوكاتشو قرأها وتأثر بها. بل إن بوكاتشو يكتب في مقدمة اليوم الرابع ليعلن عن حبه للنساء من خلال فقرة طويلة اعترف فيها بأنه من أشد المحبين للمرأة وجاء فيها “يقول بعض اللائمين إنني أسأت يا سيداتي العزيزات عندما احتلت بكل حيلة حتى أثير إعجابكن، وأسأت لأنكن تعجبنني كثيرا، وأنا أعترف بهذا اعترافا صريحا، اعترفت بأنكن تعجبنني، وبأنني أفعل كل ما بوسعي حتى أعجبكن”.

ويضم “الديكاميرون” مئة قصة، حكاية، أقصوصة، أو أي تسمية نشاء، تُروى خلال عشرة أيام على ألسنة عشرة من الشباب (أعمارهم بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين)، هم سبع نساء وثلاثة رجال، يلتقون في كنيسة سانتا ماريا الجديدة، ويتفقون على الهرب من هلع وباء الطاعون الذي اجتاح فلورنسا في العام 1348، ويذهبون للعيش بقصر فخم في الريف على مقربة من المدينة.

الموت والحياة

ما إن نفتح صفحات "الديكاميرون" حتى ندرك، إضافة إلى حكايات الحب، أننا في حضور لحظة تاريخية مأساوية لأوروبا بأسرها
ما إن نفتح صفحات "الديكاميرون" حتى ندرك، إضافة إلى حكايات الحب، أننا في حضور لحظة تاريخية مأساوية لأوروبا بأسرها

يبدأ الكتاب بوصف تفصيلي ودقيق للوباء، حيث “الحياة تنفلتُ هاربة، ولا تنتظر ساعة واحدة”، كما يقول بتراركا في مطلع سوناتا بعنوان “في الموت”، كتبها في عام 1348، في أوج جائحة الطاعون الذي قضت فيه محبوبته لورا. وقد بدأ بوكاتشو كتابة “الديكاميرون” في تلك السنة بالذات 1348، تدفعه قبل أي شيء آخر، ذكرى ماريا دي أكينو المستغرقة آنذاك في غراميات أخرى.

ما إن نفتح صفحات “الديكاميرون” حتى ندرك أننا في حضور لحظة تاريخية مأساوية، فليس فلورنسا وحدها ولا حتى إيطاليا، وإنما أوروبا بأسرها تحوّلت إلى مسرح يجتاحه وباء رهيب، قضى على ربع سكان القارة، وهناك تقديرات تقول إن الوباء أودى بحياة خمسة وعشرين مليون شخص في أوروبا.

 ولم تنج من الوباء أيّ أمة أوروبية، بل كان له تأثير كبير على الأحداث العسكرية والسياسية. ففي المرحلة الأولى من حرب المئة سنة، لم يحترم الوباء أحدا، بما في ذلك حليفته الحرب، مما اضطرّ الملك الإنكليزي إدوارد إلى إيقاف الحرب مع الفرنسيين، نظرا إلى ما ألحقه الوباء برجاله من خسائر.

تحفة نادرة

ويمكن القول إن “الديكاميرون” هي تحفة بوكاتشو النادرة، بل إحدى روائع الإبداع العالمي على مرّ العصور، وهي حالة فريدة من الحكي المتواصل بلا انتهاء، وعالم ساحر يتولّد من مزيج الواقع والخيال معا، بلا خطوط حمراء ولا تخوم.

يضم الديكاميرون مائة قصة أو حكاية تتوزع في الجغرافيا والتاريخ والأساطير وتكشف في عمقها الجوهر الإنساني لجدلية الروح والجسد.

جدير بالتنويه أن كتاب “الديكاميرون” للكاتب الإيطالي جوفاني بوكاتشو، صدر في القاهرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وقد ترجمه عن الإيطالية الدكتور عبدالله عبدالعاطي النجار وعصام السيد، وقدمه الباحث حسين محمود، ويقع في جزأين، من 960 صفحة من القطع المتوسط.

14