حال الثقافة التونسية

بالرغم من الركود الاقتصادي الواضح على ملامح الدولة ومؤسساتها العاملة وتضرر قطاعات واسعة من شرائح المجتمع التونسي لكن حال الثقافة التونسية يصنع الأمل في مشهد الحياة.
الأربعاء 2018/05/16
لامركزية ثقافية

تونس دولة ثقافية، تسعى للتطلع للحياة المدنية من خلال نافذة الثقافة، وهي تحاول أن تمثل حاليا وجه الثقافة العربية المشرق، حيث تشهد نهضة ثقافية متصاعدة، فيما تشهد بلدان مجاورة لها ركودا ثقافيا خانقا. فلا أعتقد أن المعترض على هذه المقولة يمتلك مقومات الدحض وإثبات العكس، حيث شواهد إثبات النهضة حاضرة بقوة في عرض وطول الجغرافية التونسية.

في ظل الأوضاع العربية المتدهورة فإنها -أي تونس- قد حملت على أكتافها أعباء تلك النهضة الثقافية التنويرية في مجالات الثقافة ككل ومن دون استثناء لحقل على آخر، فثمة مؤسسات ثقافية واعدة تعمل بجد من أجل بلورة فعل النهوض.

هذا الكلام مؤشر منذ سنتين أو أكثر ربما، الوقت الذي تخلت فيه بلدان عربية عن مكانتها بل وتراجع حال الثقافة فيها بعدما كانت هي الحاضنة الثقافية الأوسع، فثمة دول كثيرة تعتبر الثقافة محض أوهام في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة لتلك البلدان التي كانت هي القبلة الثقافية، وتستقبل حجيج المثقفين لها كل عام.

فالعراق مثلا يعتبر الثقافة ووزارتها من الوزارات الكمالية وليست من السيادية، إذ ترفض الكتل الكبيرة والأحزاب المتنفذة التعامل معها أو أخذها ضمن حصتها من سلة وزارات الحصة.

سابقا كانت الصدارة في الشأن الثقافي لمصر والعراق ولبنان في مشرق الوطن والمغرب أو الجزائر في سنين مضت في مغرب الوطن، عندما كانت تلك البلدان تولي الثقافة مثلما تولي للسياسة والاقتصاد من الاهتمام. لكن لا ثبات على حال في ظل تقلبات السياسة والأوضاع العامة والركود الاقتصادي الذي يضرب أطنابه في معظم البلدان، باستثناء دول الخليج التي أولت للثقافة مكانتها التي تليق بها في البلدان المتحضرة.

بالرغم أن هذه النهضة التونسية الثقافية كانت في جلها أكاديمية مؤسساتية تحتضنها الجامعات والكليات المختصة والجهات المرتبطة بوزارة الثقافة، وبالرغم من اختفاء مظاهر الثقافة الشعبية وانطفاء جذوة المقاهي الأدبية والتجمعات غير المؤسساتية التي تؤسس للثقافة الجوهرية المنفلتة عن نطاق السلطة، ومع ذلك فهذا الحراك المؤسساتي يبقى له الأثر في فعل النهوض الثقافي.

ففي الوقت الذي ينعقد المعرض الدولي للكتاب في تونس العاصمة في شهر أبريل، ينعقد في الوقت ذاته المزيد من الملتقيات والمهرجانات الفنية والمؤتمرات الأدبية الرصينة في عدد من المدن التونسية في الشمال والجنوب التونسي أو المدن البحرية الأخرى في الوقت ذاته.

 ثمة مؤتمرات للسرد تقيمها جمعيات ورابطات جهوية ترتبط بوزارة الثقافة، لكنها تعمل باستقلالية وبتنظيم عال وتستقطب لجهتها أكاديميين وكتاب مختصين من أصقاع الوطن العربي من مشرقه ومغربه، وهذا ما شهده مؤتمر السرد الخامس في مدينة مدنين جنوب تونس بكل هذا التنظيم والتنسيق والعلمية وحشد الكوادر العاملة لإنجاحه بدعوات استقطاب لمبدعين وأكاديميين من العراق والجزائر والمغرب والخليج العربي ومن الجامعات التونسية الأخرى، حتى حقق المؤتمر نجاحا لافتا على مستوى علميته الرصينة ومستوى تنظيمه.

 كذلك تشهد محافظة قابس التونسية في الوقت ذاته مهرجانا دوليا للأفلام بحضور لمشاهير العرب من أهل الفن وصنّاع السينما العالمية. كذلك هناك مهرجان مسرحي للميلودراما أيضا في واحدة من مدن الجنوب، وملتقى أدبي آخر في مدينة سوسة الشمالية البحرية، ومهرجانات دولية أو عربية للتراث ولحقوق الإنسان وللشعر العربي حصته أيضا. لم يأت هذا الحراك الثقافي الجاد من فراغ، بل ثمة مؤسسات ثقافية تحظى باستقلالية الرأي والتفكير والعمل بعيدا عن حقول السياسة الملتهبة.

كل هذا النشاط شهدته بشهر أبريل من هذه السنة، وهكذا على بقية أشهر السنة الأخرى، حتى لا يقال إن الثقافة موسمية لتستمر تلك الفعاليات بروح من التفاني لإنجاحها.

بالرغم من الركود الاقتصادي الواضح على ملامح الدولة ومؤسساتها العاملة وتضرر قطاعات واسعة من شرائح المجتمع التونسي لكن حال الثقافة التونسية يصنع الأمل في مشهد الحياة.

14