حال العرب ولغتهم والسجال بين "أهل الارض" و"أهل السماء"

بصدور عددها الثاني عشر في بداية شهر يناير الحالي، تستهل مجلة "الجديد" الثقافية سنتها الثانية، منفتحة على الإبداعات الأدبية المبتكرة سردا وشعرا ومسرحا، وعلى التيارات الحديثة في الفكر العربي، مخصصة صفحاتها لأصوات التفكيـر النقـدي، وللأقـلام العـربيـة المنـادية بالتغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي، انطلاقا من وعي مستقبلي يرى في حال الشعوب العربية الراهن واقعا مرَضيّا لا مناص من تغييره، حتى يمكن للعرب أن يصبحوا جزءا فاعلا من الحاضر العالمي، ومن ثم يمكنهم أن يستعيدوا دورهم الخلاق في الحضارة الإنسانية.
الاثنين 2016/01/11
غلاف العدد الأول من "الجديد" في سنتها الثانية: إبداعية الكتابة وجرأة التفكير

يحفل العدد الثاني عشر من مجلة “الجديد” الثقافية الصادر بداية شهر يناير الحالي بثلاثة محاور رئيسية: الأول حول “حال اللغة العربية”، الثاني “سجال” أقلام تحاور عزيز العظمة، والثالث “حوار على حوار” وهو مستهل حوار مع المفكر المصري مراد وهبة. كما يتضمن نصوصا شعرية وقصصية ومسرحية، وحوارين، أحدهما أدبي وآخر فني، ورسوما وعروضا للكتب، ثم أخيرا رسالة ثقافية من باريس.

المخاض والمغامرة

في افتتاحية العدد يكتب رئيس التحرير نوري الجراح، تحت عنوان “الآخر مرآة الأنا: الخيال البشري عابر للزمن والهويات”، عن مرور سنة أولى على صدور “الجديد”، مؤكدا أنها “عرفت في كل عدد مخاضا ومغامرة، لأجل أن تكون، كما أرادت لنفسها أن تكون؛ المجلة العربية الجامعة، والمنبر الذي يجتمع على صفحاته أهل الأدب والفكر والفن، بأريحية وانفتاح”.

و“حاولت بسعي جاد أن تكون الفضاء الذي تتحرر فيه الثقافة العربية من قيودها، وتستعيد الكتابة جرأتها الفكرية وألقها الإبداعي، والكاتب كرامته كصاحب فكر حرّ وخيال طليق”.

ويدعو الجراح قرّاء المجلة إلى أن يبدوا ملاحظاتهم واقتراحاتهم وأفكارهم حولها، حتى يمكنها أن تفي بوعودها، وتلعب الدور المنتظر منها، لتقدّم لهم مع أول كل شهر ما يتوقعونه منها إلى جانب ما ستفاجئهم به من ثمرات العقول والأرواح في ثقافتنا العربية المعاصرة.

حال اللغة العربية

احتوى محور “حال اللغة العربية” كتابات لكل من: اليامين بن تومي (الجزائر) “معضلة المصطلح في الثقافة العربية”، جاد الكريم الجباعي (سوريا) “اللغة والمعرفة والقيد الصدئ للحرية”، صالح بلعيد (الجزائر) “الإصلاح التربوي والتردّي اللغوي”، مفيد نجم (سوريا) “اللغة المستعارة”، البشير ربوح (الجزائر) “الإرجاء القاتل/ الجامعة الجزائرية وسؤال اللغة العربية”، إبراهيم سعدي (الجزائر) “الصراع بين العربية والفرنسية في رواية (بان الصبح) لبن هدوقة”، وسلام سرحان (العراق) “الدروب الضيقة للكتابة”.

وقد ناقشت هذه الكتابات مسألة اللغة والمصطلح والتفكير المعاصر، وأدوار اللغة العربية ومشكلاتها في مجتمعات عربية تتكلم لهجات شتّى، وتصدر عن مرجعيات ثقافية ولغوية متعددة، وتعاني من مشكلات فكرية عميقة ومتشعّبة، وتفتقر إلى لغة نقدية خلاقة قادرة على سبر المشكلات الثقافية والاجتماعية من باب الحاجة إلى تفكيكها وتحليلها استنادا إلى أفكار ومصطلحات جديدة.

سجال مع عزيز العظمة

الشاعرة مريم الحيدري في قصيدة مشتركة مع لميس سعيدي

في محور “سجال” حاور كل من: جاد الكريم الجباعي (سوريا)، قاسم المحبشي (اليمن)، خالد حسين (سوريا)، أحمد برقاوي (فلسطين)، وجابر بكر (سوريا)، من مواقع ومشارب متعددة الأفكار التي طرحها المفكر عزيز العظمة في العدد السابق، وتمحورت حول القضايا المتفرعة من صدام الأصولية والحداثة، ومسألة الصعود الأصولي في المجتمعات العربية.

وفي المحور الثالث “حوار على حوار” حاور عبدالرحمن بسيسو (فلسطين) المفكر مراد وهبة في مقال بعنوان “الأسئلة المرايا وإطلاقية الإجابات” ركّز فيه على الإرهاب الفكري والقمـع، خصوصا ذاك الـذي حمله معه إلى المجتمعات العربية رواج فكر التحريم، وهو ما عبّر عن نفسه في معاداة الكلمة والأدب والفكر الحر، والمضي في هـذا العـداء إلى حـدود العنـف والإرهـاب الجسـدي.

مقالات فكرية وأدبية

اشتمل باب “مقالات” على: مقال “وقائع الاستبداد الديني في مطاردة الحاكم المتجبر: أهل الفكر وروح الثقافة” لهاني حجاج (مصر)، وقف فيه على تفسير العلاقة بين القوة الاستبدادية، والعمل الفني القائم على أصالة لغوية قومية، واستعرض نماذج من المثقفين في التاريخ العربي الذين تعرضوا إلى القتل أو التعذيب أو السجن، مثل الفقيه أبي حنيفة النعمان، ابن المقفع، بشار بن برد، أبي العتاهية، وابن الرومي.

مقال “سلطة الخطاب فرس الرهان في ظاهرة الجماهير” لأشرف صالح محمد (مصر)، تناول فيه الأدوار الإيجابية والسلبية التي لعبتها الجماهير في التاريخ البشري، ولا تزال، على مسرح التغيّرات السياسية والاجتماعية، ما يجعلها تجمع بين القدرة على التدمير والقدرة على التضحية الكبرى في آن واحد. مقال “الخارج الذي هو داخلنا” لعبدالوهاب الملوح (تونس) يخلص فيه إلى رفض عملية تقنين الشعر، لكونه أفق تجريب بالأساس، بل تخريب متواصل، وكينونة وفق ما يحاوله الشاعر من إقامة في هذا الوجود.
مقال “قتل الرقيب الذاتي” لجلال برجس (الأردن)، يتناول فيه معاناة الكاتب العربي من أشكال الرقابة التي اضطرته إلى الترميز، واستلهام التاريخي ليُسقطه على الآني المترع بأزمات عديدة، وإلى شكل غير مكتمل العناصر من الأدب الساخر، اجتنابا لويلات السلطات السياسية والدينية والاجتماعية التي لا تقبل النقد.

كما ضم مقال “خرافة الضرورات الشعرية” لصلاح حسن رشيد (مصر) يؤكد فيه فضل الشعر وتهويمات الشعراء وشطحاتهم وتجديداتهم وتحليقاتهم في إثراء اللغة وتطويرها وتفجّر بحار بلاغتها وظهور فنيّاتها. مقال “احتمال النفاق في التشكيل” للنحات السوري عاصم الباشا، يتحدث فيه عن تجربته في ملتقى للنحت نُظّم في سيئول عاصمة كوريا الجنوبية، رفقة أحد عشر نحاتا من آسيا وأوروبا.

مقال “شيء عن دوما” لنوار جابر (سوريا)، تتناول فيه معاناة أهل مدينة دوما السورية، الذين يحاصرهم نظام الطاغية صاحب البراميل المتفجرة منذ ما يقارب الخمس سنين، ولا تتجاوز الرغبة عندهم حدود الغريزة كالتنفس والأكل. وأخيرا مقال “نصوص أوغاريت: هنا يبدأ التاريخ” لتيسير خلف (سوريا)، يكشف فيه أن جغرافية الملاحم والأساطير التي عثر على نصوصها في مدينة أوغاريت (الواقعة في رأس شمرا قرب مدينة اللاذقية السورية) هي جنوب أرض كنعان (فلسطين القديمة)، وقد نقلها إليها الكنعانيون أنفسهم، وليست جنوب لبنان، كما حاول أتباع المدرسة التوراتية أن يبرهنوا، بهدف طمس وجود الفلسطينيين القديم في أرضهم التاريخية فلسطين.

تناسخ الأصنام

مجلة "الجديد" تنشر "نصوص حلمية" لعبده وازن

شارك في باب “أصوات” الكاتبان أحمد إسماعيل إسماعيل (سوريا) بـ“تناسخ الأصنام” وحميد زناز (الجزائر) بـ“مثقفون ولكن أصوليون”.

يكشف الأول عن انتقال عبادة الأصنام المصنوعة من الحجر في العصور الغابرة إلى عبادة الأصنام البشرية المتمثلة بالزعماء الطغاة في العصر الحديث، واعتبار معارضة هؤلاء المنقذين لأوطانهم وقاهري الوحوش المتربصة بها بمثابة خيانة وزندقة وتخلف حضاري وكفر وانحطاط أخلاقي.

ويرى الثاني أن الحداثة لم تعرف نسخة أشدّ حزنا ولا أكثر مسخا مما عرفته في بلاد العرب والمسلمين، متسائلا: هل يمكن أن يتمدن الجسد ويبقى العقل في معزل عن التمدن والحضارة، كيف يمكن أن يعيش الإنسان في عصرين متباعدين في آن؟ ما هي النتائج المترتبة عن هذا التمزق الحاصل في الذات العربية التي تعيش ماديا في القرن الحادي والعشرين وذهنيا في القرون الخوالي؟

مسرح وسرد وشعر

توزعت النصوص الإبداعية (مسرح وسرد وشعر) في هذا العدد على: مسرحية من فصل واحد بعنوان “أكاذيب صغيرة” لدرويش الأسيوطي (مصر)، سبع وثلاثين أقصوصة تحت عنوان واحد هو “أكاليل على الأبواب: نصوص حلمية” لعبده وازن (لبنان)، “شجرة الكرز” لخلود شرف (سوريا)، “خمس أقاصيص” لخالد خميس السحاتي (ليبيا)، “إرهابية في تل كلخ” لشفان خليل (سوريا)، “انقراض” لسعيد موفقي (الجزائر)، “لفافة من حرير” لفكري عمر (مصر)، “بيدق في لعبة الشطرنج” لنهار حسب الله (العراق)، قصيدة مشتركة بعنوان “ظل لشخصين” للشاعرة الإيرانية مريم حيدري والشاعرة الجزائرية لميس سعيدي، وست عشرة قصيدة قصيرة تحت عنوان جامع “غرقى جبليون” للشاعر التونسي محمد ناصر المولهي.

في باب “حوار” نشرت المجلة حوارين، الأول مع المخرج المسرحي التونسي فاضل الجعايبي أجراه عماد المي، والثاني مع القاص والروائي والكاتب الفلسطيني محمود شقير أجراه في القدس أوس داوود يعقوب. يتحدث الجعايبي عن بداياته في فرنسا، التي يعدّها مرحلة تجريب ومخاض أولي سابق للبداية الحقيقية الأكثر وعيا ونضجا فنيا وجماليا مع تأسيس فرقة المسرح الجديد في تونس منتصف السبعينات، ثم لاحقا مع شركته الخاصة “فاميليا”، رفقة زوجته الفنانة المسرحية جليلة بكار، التي أنجز من خلالها أهم تجاربه، مثل “فاميليا”، “سهرة خاصة”، “عشاق المقهى المهجور”، “جنون”، وثلاثيته المتكونة من “خمسون”، “يحيى يعيش”، و“تسونامي” التي طرح فيها قضية التطرف الديني، ونبّه إلى ما يمكن أن يحدث من صراع وعنف وتدمير للإنسان الحديث والمثقف المستنير.

ويعتبر الجعايبي أن العمل الجماعي مبدأ في مساره المسرحي، وهو أساس التوليد والتوليف والتأليف التشاركي الجدلي، الذي ينطلق من الوعي الفردي الذي يفرز ويحقق بدوره وعيا جماعيا يعطي دفعا حقيقيا للإبداع المسرحي في مختلف تمفصلاته ولغاته التقنية والفنية والجمالية. لذلك فالمسرح عنده جماعي تشاركي جدلي أو لا يكون.

حوار حول تجربة الكاتب محمود شقير

ويجيب محمود شقير على مجموعة أسئلة تتعلق بنقطة التحول التي أسست فعلا لبداية مسيرته الأدبية، وما يختزنه من ذكريات عن كتابه الأول “خبز الآخرين”، الذي قدّمه قاصا في فلسطين المحتلة والشتات، وأبرز إنجازاته الأدبية، وأيضا أثر إبعاده خارج الوطن خلال ثماني سنوات في تجربته الأدبية، وسبب تهيبه من الدخول إلى عالم الرواية، وطقوسه الخاصة في ممارسة الكتابة، ورؤيته لمستقبل القصة القصيرة جدا في العالم العربي، وغير ذلك من القضايا.

عروض كتب

في باب “كتب” يقدم الشاعر العراقي باسم فرات قراءة في كتاب “أوضاع اللغات السودانية والتخطيط اللغوي” للباحث بهاء الدين الهادي خير السيد، يطلعنا من خلاله على أن السودان يحوي مزيجا أنتج أكثر من مئة لغة باتت مهددة بسبب انتشار العربية، والتمازج والانصهار، والهجرة الداخلية، وضعف هذه اللغات أمام متطلبات الحياة المعقدة، وعدم الاهتمام الجاد من قبل الجميع، ومنهم أفراد المجموعات العرقية نفسها حسب قول الباحث.

ويقرأ الناقد المصري ممدوح فرّاج النابي المجموعة القصصية “أنا وأنتِ” لمواطنه القاص أحمد الخميسي، مؤكدا أن الخميسي يميل إلى الترميز، والنزوع إلى الإنسانية بمعناها الرحب، والانحياز لمهمّشيها والغضب على حقوقهم المسلوبة والضائعة أينما وجدوا، في إطار سخرية مريرة من الواقع بكل إحباطاتـه السياسيّة والاجتماعيّة.

يقدّم كمال البستاني في “المختصر” عرضا مكثفا لمجموعة من الكتب لمؤلفين فرنسيين منها: “في يد الرب اليمنى” لأستاذ التحليل النفسي المولود في تونس جيرار حداد، “العمى، تاريخ آخر لعالمنا” للمؤرخ الشهير مارك فيرّو، “داعش، التهديد الأكبر” للمؤرخ والمحلل السياسي ألكسندر أدلر، “تدمر، الكنز الذي لا يعوّض”، للمؤرخ والأستاذ الشرفي بالكولاج دو فرانس بول فاين، و“العرب، مصيرهم ومصيرنا” لجان بيير فيليو أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في معهد العلوم السياسية بباريس.

أسلمة الراديكالية

أبوبكر العيادي يخصص رسالة باريس في هذا العدد لموضوع مهم هو “أسلمة الراديكالية” الذي يعكس النقاش المستعر بين المحللين الفرنسيين العارفين بشؤون الإسلام والمسلمين (مثل: أوليفيي روا، جيل كيبل، وبيار جان لويزار) حول الإسلام والمسلمين والمهاجرين انطلاقا من الوقائع الباريسية الأخيرة، موضحا أن التفسيرات الأكثر رواجا لما جرى في فرنسا تصطدم بالسؤال الآتي: إذا كانت أسباب الراديكالية بنيوية فلماذا لا تمس إلاّ شريحة ضئيلة ممن نسميهم مسلمي فرنسا؟ أي الذين ينعتون اليوم بالشباب المتطرف. والخلاصة كما يقول أوليفيي روا أن داعش تنهل من خزان شباب فرنسيين راديكاليين أعلنوا انشقاقهم، وراحوا يبحثون عن سردية كبرى يضعون عليها بصماتهم الملتاثة بالدم، وسحق داعش لن يغير من ذلك شيئا.

حوار حول تجربة المسرحي فاضل الجعايبي

الصدام بين الغرب والمهاجرين

في الصفحة الأخيرة يكتب مؤسس المجلة وناشرها الكاتب هيثم الزبيدي عن “غيتو إسلامي/ المهاجرون من الفجوة الثقافية إلى الهوة النفسية”، مبينا أن الصدام بين الغرب والمهاجرين العرب والمسلمين قد حدث أخيرا. وكان هذا متوقعا بما حفلت به السنوات السابقة من احتكاكات هنا وهناك. مرة عن النقاب ومرة عن بناء جامع ومرة عن تسلل الأفكار المتشددة إلى المدارس. لكن هذه المرة صار اللعب على المكشوف.

يحلل الزبيدي، ببراعة وخبرة عميقة، واقع هجرة العرب والمسلمين إلى الغرب قائلا إنه واقع منوع، فما كان يجمع الموجات الأولى من المهاجرين، أي قبل موجات النازحين، أنهم جاءوا بتطلعات منفتحة تريد الاستقرار وضمان التعليم للأبناء والاندماج النسبي في المجتمعات الغربية. لكن شيئا ما تغير، صار ما يجمع المهاجرين هو الحلقات الدينية التي أنشأتها جماعات الإسلام السياسي أكثر مما تجمعهم نوادي المغتربين.

وأدّى غزو العراق وتدميره، وانفلات عقال الحروب الطائفية في الشرق الأوسط، وتأسيس الجهاد السلفي والإسلام الخميني لقواعد على الأرض، في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبتواطؤ من الغرب أو مشاركة مباشرة، إلى جعل مسار الجاليات يأخذ وجهة تصادمية في ما بينها ومع المجتمعات الغربية الحاضنة.

ليست الغالبية العظمى من هذه الجاليات طبعا، التي تريد أن تنأى بنفسها عن المشاكل، حتى وإن حافظت على الفجوة الثقافية مع المجتمعات المضيفة باحتمائها بالخصوصية الثقافية، وإنما القلة القليلة ممن ذهبت بعيدا في تطرفها، وقامت بالتحرش بأمن هذه المجتمعات. وهنا ما عاد الحديث يدور عن فجوة ثقافية، بل عن هوة نفسية تزداد اتساعا قادت حقا إلى مرحلة الخطر.

15