حامضة في فمنا الكلمات…

الأحد 2014/06/08

قال لي لائما: لم أعد اراك تكتب عن صراع “الأعدقاء” في سوريا، وانتحار الطوائف في العراق، ولعبة الكراسي في لبنان، وتراث الأخ العقيد الدموي في ليبيا، ومكر الملالي في إيران، وما يجري في أعماق السودان، ومرتفعات أفغانستان وعلى الأطراف القصية لباكستان، وقضايا عديدة تمور بنا ونمور بها في منطقتنا. لا أراك تناقش التخاذل الأميركي أمام ما يجري في سوريا، وترك الأمر للدب الروسي المتغطرس في أوكرانيا وبقايا إمبراطورية القياصرة ودولة السوفيت الدارسة، وترك العراق غنيمة لإيران والتقارب مع حكم الملالي فيها. لا أراك تتحدث عن حزب الله وأجنداته الظاهر منها والباطن، وعودة لبنان مسرحاً لصراع القوى على أرضه، بعد أن ظننا لبرهة أن الله قد عفا عمّا سلف، وتحكّم الغرباء في مصيره، حتى في اختيار رئيس لجمهوريته وما دون ذلك، وهو اليوم، كما كان بالأمس، كالأيتام على مائدة اللئام، وأنت المتخصص في علم السياسة وتحليل العلاقات بين الدول والأمم، والحكام والمحكومين، أَوَقَدْ نفد وقودك، أم هو عدم اكتراث ولا مبالاة؟. رددت عليه ببرود وبسمة صفراء عابرة: متخصص في علم السياسة؟ منطقتنا، أو منطقة الأشباح الهائمة على وجهها في أعماقها حقيقة، لا تحتاج إلى متخصص في علم السياسة يا صاحبي، بقدر ما تحتاج إلى أطباء نفس وعلماء أنثروبولوجيا، ومتخصصين في ممارسة التحليل النفسي وعلم النفس الشرطي، فعلم السياسة كما تعلمناه على مقاعد الدراسة، يقوم على تحليل منطق الأحداث وترابطها، وأحداث منطقتنا لا منطق لها، بل هي كحياتنا في هذه المنطقة من العالم، سفينة تمخر لجة البحر بلا دفة، وطائر هائم في الفضاء وقد تعطلت بوصلة الرأس منه.


جدوى ما يقال


كلا يا صاحبي، لم ينفد الوقود واللامبالاة ليست من طبعي، بل هي محاولة للنفاذ إلى ما وراء الظواهر والكيانات، فلم تعد هذه الكيانات إلا دُمى على مسرح للعرائس في مدينة صاخبة، لمعرفة أس البلاء وجذر الوباء، والذي أجده في النهاية في ثقافة قوم أصبحت كالثوب البالي المليء بالرقع، وخطاب شعوب هو مجرد صدى لصوت لا وجود له إلا في ذهن صاحبه، وأنفس تبحث عن الحل في الفرار من الحل، ومستقبل قد رُبط بحجر الماضي، وألقي في يمّ الكون، وقيل له لم لا تطفو، ثم تريدني أن أقول، فماذا أقول؟”.

فرفع حاجبيه استنكاراً وهو يقول: أكلّ هذا الذي يجري، ولا تدري ما تقول؟ قلت له: المسألة ليست في عدم وجود ما يقال، فالكثير يمكن أن يُقال، ولكنها في جدوى ما يقال. نعم، ماذا يمكن أن يقال. هل أتحدث عن حقوق الإنسان المهدورة أمام عين القاصي والداني، ليس في ديارنا وحدها، ولكن في بقاع عالم يكاد يختنق، أم تريدني أن أتحدث عن هواننا على رقيق هذه الأرض، أم تريدني أن أسير في ركب السائرين، وأخوض مع الخائضين، فآخذ في لعن طوب الأرض وشتم رمال الصحراء، وذرف الدمع على الأطلال، وجلد الجسد بكرابيج كربلاء التي لا تهترئ، وبيزنطيات جدل عقيم حول الجمل وصفين وعلي وابن أبي سفيان لا ينتهي، ثم آوي إلى فراشي قرير العين مرتاح الضمير، وقد صرخت مع الصارخين، ولطمت مع اللاطمين، ولعنت مع اللاعنين؟ هل تريد مني أن أفعل ذلك؟ أنا على ذلك من القادرين، فما أسهل الكلمات حين يُفتقد المعنى، وما أكثر الجُمل حين تتراقص الحروف.


أجساد مرئية لا أشباح هائمة


لِمَ لا تتحدث عن حقوق الإنسان في ديارنا، تلك التي يُطالب بها في كل مكان، ولكنها تُتجاهل حين الحديث عن هذه المنطقة من العالم، وأنت الذي نصّب نفسه نصيراً للإنسان؟ قال ذلك وهو يتبسم ساخراً ومستفزاً. رددت دون استفزاز: منطقتنا لا تريد أن تكون جزءاً من هذا العالم، عالم الأجساد المرئية لا الأشباح الهائمة، فكيف تريد من العالم أن يعتبرها جزءاً منه؟ تريدني أن أتحدث عن حقوق الإنسان، وألوم الغرب والشرق حين يتجاهل قضية حقوق الإنسان، وندعوه لعدم التجاهل، ولكننا نلومه أيضاً حين لا يتجاهل هذه الحقوق، وندعوه إلى التجاهل وفهم مسألة خصوصيتنا، التي لا تثور إلا حين نريدها، ومتى أردناها. نحن انتقائيون في تفكيرنا وتعاملنا مع الآخرين، فنطلب منهم أن يطبقوا الشيء وضده في نفس الوقت، وكل شيء يتحدد برغباتنا الذاتية، وخصوصيتنا المقدسة، وكأن غيرنا لا ذوات لهم، ولا خصوصية مقدسة لديهم. فبأي حق نصرخ، حين نكون من الملسوعين، مستنجدين بمبادئ حقوق الإنسان وغيرها، ونحن ذاتنا من يرفضها في أكثر الأحيان، باسم هذا المبدأ أو ذاك الشعار؟ بأي لسان نرفع الصوت مطالبين بهذا الحق أو ذاك حين نكون من المبتلين، ونحن نرفضه بذات اللسان، وفي سلوكنا مع غيرنا وحتى مع أبناء جلدتنا، ملتجئين إلى مفاهيم الخيانة والعمالة والكفر والولاء والبراء والجهاد ضد المشركين، وكل ما تفتقت عنه أذهان جهابذتنا من تهم وصفات، أبدعوا في نحتها من حروف لسان الضاد “الذي يجمعنا “، ولكن ما هكذا تورد الإبل يا سعد. أشياء هذا العالم وعلاقاته ليست من أملاكنا الخاصة، وتوابع ذواتنا نأخذ منها ما نشاء، ساعة نشاء، ونتركها ساعة نشاء. المسألة هي أن تخضع لمنطق الأشياء كله، فإما أن تعترف بالإنسان ككل، أو تتركه ككل، أو لا حق لك في الشكوى ورمي الآخرين بتهم النفاق وعدم الاكتراث رغم القول بالمبادئ.


نلوم أنفسنا أولا


نتهم الغرب مثلاً، كل الغرب دون تحديد، مرة بالمؤامرة المستمرة، والتحيز المطلق تجاه كل قضايانا، حين تفضح صحافته وإعلامه إبادة جماعات بأكملها في ديارنا، ولم نفكر لحظة في قضية حقوق الإنسان ساعتها، ونحن مشغولون بأحلامنا الكبرى، التي ليس أقلها سيادة العالم، وإرغامه على دفع الجزية وهم صاغرون، أليست هذه الجماعات مثلاً من “الإنسان” الذي تجوز عليه حقوق الإنسان، أم أن المسألة نسبية فيها نظر؟ هل معنى ذلك أن نصمت عن مآسينا والغبن الذي يُعاملنا به عالم لا نعني له شيئاً في النهاية، طالما أنه لا يعني لنا شيئاً في أعماقنا وأوهامنا وأساطيرنا وعُقدنا المزمنة، إلا بقدر ما يراه من مصالح؟ بالطبع لا، ولكن في ذات الوقت يجب عدم الصمت عن حقوق الإنسان في كل مكان إن كنا أناساً حقاً، ولنا الحق في التمتع بحقوق الإنسان، أو الأمل في بعض منها، هذا إن كان الصدق مع النفس ما زال مقدراً في ديارنا. نتهم الغرب بأنه يقيس بمقياسين، ويكيل بمكيالين تجاه قضايا ذات مضمون واحد، وأحياناً قضية واحدة مع اختلاف الزمان والمكان، وهذا شيء صحيح ولا يمكن إنكاره، ولكن القضية هنا ليست قضية الغرب بقدر ما هي قضيتنا نحن أولاً. فكي تنتقد سلوك أحدهم، يجب ألا تكون ممارساً لذات السلوك، فهل نحن كذلك؟ ألسنا نفعل ذات الشيء مع الكثير من القضايا، بل وأكاد أقول كل القضايا، فنرى القذى في عيونهم، ولا نرى الخشبة في عيوننا، ونتعوذ بالله من عريهم، فيما نغض الطرف عن عرينا. وعندما يُلام الغرب حين يُمارس الشيء ونقيضه في ذات الوقت، فيجب أن نلوم أنفسنا أولاً، أو لا نلوم أحداً على الإطلاق، سواء هم أو نحن. فدول الغرب وغير الغرب، تبحث عن مصلحتها، وتعرف غالب الأحيان ماهيتها، وكيفية الوصول إليها. قد يكون فعل الشيء ونقيضه نوعا من النفاق، منظورا إلى ذلك من زاوية أخلاقية، ولكن هذا هو واقع العلاقات الدولية المعاصرة ومنطقها، إن كان منطق السياسة هو بوصلة التحليل. فإذا أدنّا وشجبنا هذا السلوك أخلاقياً، ومارسناه عملياً، فنكون نحن ساعتها من المنافقين، وليس الآخرين الذين يفصلون بكل وضوح بين الحكم الأخلاقي، والممارسة السياسية على أرض الواقع. والمشكلة أننا حين نفعل ذلك، أي نتحدث أخلاقياً ونمارس خلاف ما نقول، نضيع بين الموقفين: فلا نحن جسدنا الأخلاق، ولا نحن ربحنا عالم السياسة، وأصبحنا مثل ” معايد القريتين ” في أمثلتنا الشعبية، الذي أضاع فرحة العيد في كلا القريتين، لأنه أراد كل شيء، ومن يرد كل شيء لا يلوم إلا نفسه حين يفقد كل شيء.

هل معنى ذلك أن مبادئ حقوق الإنسان ليست إلا شعاراً أيديولوجياً للاستهلاك، ومبرراً لأفعال سادة عالم اليوم؟ الجواب هو نعم ولا في ذات الوقت. فهو مجرد شعار مرفوع حين تكون المصلحة البحتة هي المبتغاة، بغض النظر عن الحقيقة الملموسة، فروسيا اليوم من المدانين لدى الولايات المتحدة مثلاً، ولكنها ستكون من المبجلين غداً، حين يتم ما يتم وراء الكواليس، رغم أن شيئاً لم يتغير ولن يتغير في الغالب الأعم. وكذلك كانت إيران من المشجوبين والمغضوب عليهم، وهي اليوم من الراضين والمرضيّ عنهم، رغم أن الحال هو ذات الحال، وكذلك دول أخرى كثيرة، رغم أن الوضع هو ذات الوضع. فمنطق المصلحة في العلاقة محل الاعتبار هو سيد الموقف في مثل هذه الحالات، والمصلحة البحتة هي مقياس الأشياء، وليقبع الإنسان في غياهب النسيان.

والجواب هو بالنفي، أي في عدم كون مبادئ حقوق الإنسان مجرد شعار استهلاكي أيديولوجي، إذا كان المستفيد منه، والمطالب به أهلاً لذلك، بحيث يفرض إرادته ورؤيته. فالحقوق دائماً تؤخذ ولا تعطى، ولذلك كان اسمها حقوقاً، وليست مزايا أو هبات.

فالله في النهاية لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. أن تكون مستحقاً للحقوق، يعني أن تكون أهلاً لها، وبغير ذلك ليس لك إلا أن تصمت عما كان وعما يكون. نعم هناك مآس إنسانية تجري، وكلنا أمل في أن تنتهي، ونعم هناك تقاعس دولي نسبي هنا وهناك، أملته سيادة مقياس المصلحة في العلاقة بين الدول، وتكتيكات السياسة الآنية المرتبطة بها، لما يجري من تصفية لشعوب وجماعات كل جريمتها أنها وجدت نفسها بيضة بين ثيران متناطحة.


من يقتله الإعلام فقد مات وإن لم يمت


كنا، ولا زلنا، نطلب من الآخرين مثلاً، وحين التعامل مع شؤوننا، أن يكونوا عرباً أكثر من العرب أنفسهم، ومسلمين أكثر من المسلمين أنفسهم، وإنسانيين معنا حين نشاء، ونسيان الإنسانية حين لا نشاء، في الوقت الذي لسنا فيه من الإنسانيين معهم ومع بعضنا البعض. نغضب غضب الصبي حين لا يُدرك هؤلاء الآخرون ما يجيش في الصدر منا، ولا يُحسون بآلامنا، ولا يشعرون بما يعتمل في صدورنا. نستغرب منهم كيف لا يتحمسون لحماسنا، في قضايا ومسائل نعتبرها واضحة الحق والعدل وضوح الشمس في رابعة نهار شرق أوسطي، وجلاء القمر في ليلة تمام صحراوية. نغضب، فنقاطعهم ونخاصمهم، ملقين عليهم تهم التحيز والتعصب والعداء الدفين. بمثل هذا النمط من السلوك عادينا الجميع، وعادانا الجميع بكل بساطة، وليست المسألة بحاجة إلى عظيم حكمة أو كبير عقل كي تُدرك. فإذا كنا نحن أصحاب هذه القضايا لا نرقى إلى مستوى المسؤولية والأهلية، فكيف نطلب من الآخرين الذين تقودهم بوصلة مصالحهم أن يكونوا أكثر مسؤولية منا، بالرغم من أنهم بالفعل أكثر مسؤولية منا في بعض الأحيان، إن لم يكن بدافع المبادئ، فبدافع المصالح، وإن لم يكن بدافع هذا أو ذاك، فبدافع بقايا حس إنساني مطمور تحت أكوام من نفايات حضارة زائفة في بعض جوانبها، ومدنية خادعة في أجزاء من أعماقها.

نلوم الغرب ونمطره باللعنات نتيجة هذا الموقف أو ذاك من ” بعض ” قضايانا المختارة، و” قضية من لا قضية له ” هي الأثيرة لدينا دائماً، في حين لو سكت إعلام هذا الغرب عن قضية من قضايانا، وهو ذات الإعلام الذي نلعنه حين يُرينا عرينا ويفضحنا أمام أنفسنا، لما رأيت أثراً لهذه القضية في إعلامنا، بل وربما مُحيت من الوجود، فالوجود مرتبط بالإعلام، ومن يقتله الإعلام فقد مات وإن لم يمت.

والحديث هنا هو عن الإعلام وليس عما يُسمى إعلاماً، وهو في الخاتمة ليس إلا صراخ عاجز يائس شعاره: ” صح مني العزم، لكن الدهر أبى “، فقد كنا وما زلنا، ظاهرة شعرية، يأسرها الصوت، وتخدرها الكلمات، ويشلها الفعل، قبل أن نكون أية ظاهرة أخرى، ورحم الله أبا محمد القصيمي. أو بعد هذا تريدني أن أقول شيئاً! ليس لدي ما أقول يا صاحبي، فقد مللت القول، وكرهت أحرف الهجاء، التي لا تُنتج إلا الهجاء والنواح والعويل. سئمت عناد الأطفال ودلال الحبيب وأحلام العصافير، فقد آن لنا أن نرى العالم كما هو: بقسوة صخوره، وحرارة شمسه، وأتربة زوابعه، وثلوج أعاصيره، إذ لعلنا ساعتها نبدأ البحث الجدي عن مظلة تقينا حر الشمس، أو حذاء يقينا لذعات الهجير، أو رداء جديد يستر عرياً ما عاد يمكن ستره، بدل شتم الرمال، وصب اللعنات على الشمس، والتأفف من لسعات حر الصيف، ولذعات قر الشتاء.. وقاكم القدير من الحر والقر ومصدر كل شر..

6