حاملات الفؤوس رحلة عذاب

الاثنين 2015/11/16

مساحات كبيرة خضراء ربما لا تدرك العين نهايتها تصعد أطرافها لتلتصق بالسماء، أو تهبط السماء في منتهى إدراك الرؤية لتعانقها فلا يظهر للعين غير هذا المشهد الرائع من اللونين الأخضر والأزرق. يرتمي فيه الحقل في حضن السماء.

ريف يمتد على حدود جغرافيا قرى ومحافظات تنعم بهواء لم تلوثه عوادم المدينة التي تلقي بأوزارها وملوثاتها كل صباح إلى رئاتنا، متحدية توازن الطبيعة مغلقة شراييننا بقسوة وعنف.

وبعد زحف المد العمراني إلى المساحات الخضراء، تحولت الحياة والخصب إلى كتل خرسانية فلم تعد الأرض تلد خيراً بل باتت جرداء لا زرع فيها ولا ماء، وهجر الفلاحات والعاملات حياة الريف إلى المدينة بحثا عن فرصة عمل.

فاطمة فلاحة من بين فلاحات كثيرات يعشن الحياة الريفية كما نعرفها، إلا أنها نزحت مع العشرات من جيرانها إلى المدينة تبحث عن فرصة عمل في المنازل بعد أن ضاق بها الرزق، لعلها تجد لنفسها ولخمسة أطفال حياة كريمة.

قالت وهي تحبس دموعها، العمل بالأراضي الزراعية عفا عليه الزمن ولا نحصد منه إلا الجوع والفقر والحرمان، فتركنا بيوتنا بحثاً عن فرصة للحياة.

وأضافت بلهجتها الريفية: من أين نأتي بكسرة خبز لإسكات جوعنا وجوع الصغار، رخصنا وكل شيء غلى ثمنه. فهجرنا حياتنا نتذوق ألوان العذاب في المدينة، فمن سيء لأسوأ لكن على الأقل لا نعيش حياة الجوع.

فاطمة ومن معها يبكين الحياة في الريف، لا عن عز وحياة رغدة ومساكن تقوى في وجه الطبيعة الغاضبة حين تعلن العصيان، ولكنهن يبكين دوراً كن يلعبنه راضيات. عندما كان نساء الريف هن حجر الزاوية في منظومة الخصب والاخضرار، على عاتقهن تقوم الثورة الخضراء وتنبت الأراضي، والوقود الحقيقي ليس فقط برعايتهن للأسر والأبناء ولكن بالقيام ببعض أعمال الفلاحة مساعدة للزوج أو الأب أو العمل المنفرد في الحقول لزيادة دخل أسر قد تكون المرأة هي عائلها الوحيد.

كانت المرأة في الريف لا تدخر جهداً في العمل بالحقول ومؤازرة الرجال واهبة للأرض الحياة وللبيت الدفء والرخاء والخير، واليوم تبحث بمشقة عن لقمة العيش.

وقديماً كان الريف المصري سلة غلال روما، واليوم نفرط في لقب دولة زراعية و لم نتحول لدولة صناعية بل أصبحناً مستهلكين بامتياز نستورد خيرات زراعية مهجنة متباهين بجملة هي في حقيقتها طعنة مسمومة “بضائع مستوردة”.

واليوم لم يعد الفلاح يعيش في هناء وسعادة بل أصبح يشقى لاهثا وراء حياة الكفاف، محروماً من صحبة الخلان الذين تفرقوا في طرقات العمل.

21