"حامل الحكاية" رواية وفيلم وخرافة ومسلسل على خشبة مسرح

الاثنين 2015/04/13
اقتصاد في الوسائل الإخراجية يساهم في تحرير الخيال

“حامل الحكاية” التي تعرض حاليا في مسرح استوديو الشنزيلزي بباريس هي تجربة تتسم بالجدة والطرافة، ومؤلفها ومخرجها شاب مغامر هو ألكسيس ميشاليك، أعدّها في البداية كسيناريو لشريط سينمائي قصير، ثم حوّلها إلى عمل درامي سار فيه على خطى اللبناني وجدي معوّض، خصوصا في عمله الرائع “حرائق”، ونال عنه جائزتي موليير للتأليف والإخراج.

بعد بداياته التي اعتمد فيها على نصوص مقتبسة -بتصرف- من أعلام المسرح الكلاسيكي كشكسبير “روميو وجولييت”، و”الشرسة المروَّضة تقريبا” عن “ترويض الشرسة” وبومارشيه “اليوم الصاخب” عن مسرحية “زواج فيغارو”، أعدّ ألكسيس ميشاليك هذه المرة عمله بنفسه، تأليفا وإخراجا.

اختار المخرج الشاب في مسرحيته الجديدة “حامل الحكاية” أن يغترف من التاريخ ووجوهه الأدبية والفنية، ويمزج بين الواقع والخيال ليبدع عملا أقرب إلى المسلسل، دون الالتزام بخطّية زمنية، حيث تتعدد مشاهد “الفلاش باك” عودا على بدء.

عمل تَعبُر أحداثه القرون وتتنقل من قارة إلى أخرى، في إخراج يجمع بين الدقة والحيوية، ينهض به خمسة ممثلين (ثلاثة رجال وامرأتان) يوهمون المتفرج -لكثرة الأشخاص الذين يتقمصون الأدوار- أنهم عشرات، يتناوبون على ركح خال إلاّ من لوحة سوداء في الخلفية، وبضعة كراسيّ عالية، ومشجبين عُلّقت عليهما ألبسة يتداولون على ارتدائها للانتقال من شخصية إلى أخرى، ومن مرحلة إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد، ومن مشهد إلى آخر، في عمليات مرتبة سلفا تتبدّى من خلالها سعة التخيل والميزة الأساسية للشفوي في تمرير الحكايات والأساطير والقصص التي تكيّف هوياتنا الجمعية والفردية. حكايات تتناسل من رحم بعضها بعضا على غرار حكايات ألف ليلة وليلة، وتهوّم بالمتفرج في عوالم عجيبة وغريبة، وكأن الغاية هي دفع المتفرج إلى التفكير في الحكي وفي الحكاية وفي التاريخ بوجه عام.

المخرجيمزجفي المسرحية بين الواقع والخيال ليبدع عملا أقرب إلى المسلسل، دون الالتزام بخطية زمنية

فكلنا نحمل بداخلنا حكايتنا، حكاية أجدادنا، وحكاية البشرية قاطبة. وهو ما فهمه الشاب مارتن مارتن بعد وفاة والده؛ فقد عثر صدفة على دفتر مخطوط تركه والده، غيّر كيانه وأربك حياته، فإذا الأحداث تتوالد في نسق أشبه بنسق روايات الفروسية والمغامرات.

تبدأ المسرحية ذات ليلة شتوية ممطرة، في أعماق منطقة الأردين، والفتى مارتن يهمّ بمواراة جثة أبيه، بعد أن عثر على الدفتر، ما دفعه إلى البحث عمّا تخفيه كلماته في رحلة مدوّخة عبر التاريخ والقارات، حيث شخصيات متخيلة، وأخرى حقيقية مثل الكاتبين ألكسندر دوماس وابنه والبابا كليمنت السادس وماري أنطوانيت والرسام أوجين دولاكروا، وثالثة يوهمنا المؤلف بأنها واقعية مثل أسرة ساكس دو بورفيل، وكلها تحرّك الأحداث وتنميها.

أحداث تأخذنا بعد خمسة عشر عاما إلى صحراء الجزائر، حيث اختفت أم وابنتها بطريقة ملغزة، لأنهما انساقتا إلى حكاية رجل مجهول كان يبحث عن مجموعة من الكتب ممهورة بكأس غريبة، ويبحث أيضا عن كنز ضخم، كدّسته على مرّ العصور جماعة سرية أسطورية.

هي إذن مسرحية تقوم على الحكي، وتعود بنا إلى زمن الخرافات والحكايات الشعبية، التي كان الرواة يسردونها في الساحات العامة أو تحت أسوار المدينة، وكانت الجدات يروينها في حلقات الأسمار خلال ليالي الشتاء الباردة، فتأخذ المستمعين إلى عوالم عجيبة وغريبة، تمرر خلالها العادات والتقاليد، وتنقل القيم الثقافية والدينية، ويشحذ الخيال. كما تضع المسرحية وظيفة الحكايات، والطريقة التي تُحكى بها، موضع مساءلة. لماذا يحتاج الكائن البشري، فردا أو جماعة، إلى الحكايات والخرافات؟

ويكمن نجاح ميشاليك هنا في تركيزه على جوهر المسرح، أي سرد حكاية من لا شيء، فلا ديكور هنا ولا إكسسوارات، بل ركح عار وممثلون وممثلات يتناوبون على تقمص أدوار عدة شخصيات متباينة في الغالب، ليحملوا المتفرج عبر الزمن وعبر العالم. ولا ريب أن الاقتصاد في الوسائل ساهم كثيرا في تحرير الخيال، وهو ما لمسناه سابقا في إخراجه لصيغته هو عن “روميو وجولييت”.

مسرحية "حامل الحكاية" تدعونا إلى الاستماع لحكاية، لحكايات، وإعادة قراءة التاريخ، تاريخنا، والارتحال في الفضاء والزمن

لقد حيّا النقاد هذا العمل لتعدد أوجهه، فهو في الوقت نفسه رواية وفيلم وخرافة ومسلسل تتوالى الأحداث فيه والأزمنة والأمكنة. تقول سيلفيان برنار غريش “هو عرض طافح بجنون فياض يحملنا على التفكير في طاقة الخيال وطاقة الكتب”. ويقول جان لوك بيرتيه “ينتاب المتفرجَ إحساسٌ بأنه يشاهد عملا سينمائيا جماهيريا، رغم أن الركح خال من أيّ ديكور”.

ويفسر إريك هرسون مكاريل، الذي ينهض بحمل الحكاية وسردها نجاح المسرحية بقوله “إن أكبر ميزة في هذا العرض، الذي أعتبره شكلا من أشكال المسرح الشعبي في أبهى معانيه، هي مراهنته على ذكاء المتفرج، وحدسه الذي يمكنه من إدراك اللحظة الزمنية فور تغيّرها، ويمكنه من تتبع أطوار الحكاية رغم عمليات الارتداد إلى الوراء”.

مسرحية “حامل الحكاية” تدعونا إلى الاستماع لحكاية، لحكايات، وإعادة قراءة التاريخ، تاريخنا، والارتحال في الفضاء والزمن عبر خمسة ممثلين، وخمسة كراسيّ، ومشجبين محملين بالألبسة، وخيال ليس له حدود.

لاقت المسرحية النجاح منذ عرضها الأول في مهرجان أفينيون الصيف الماضي، ثم في مسرح 13 بباريس في خريف السنة المنقضية، وفي مسرح استوديو الشنزيلزي حيث يتواصل عرضها حتى موفى شهر يونيو القادم.

16