حان الوقت لاعتذار تركيا للعرب

الخميس 2013/11/28

يقضي ساسة ألمانيا ومعهم شعبهم جزءا من وقتهم ويصرفون بعضا من دخلهم على تقديم الاعتذار تلو الآخر ليهود العالم الذين عانوا من أحداث الحرب العالمية الثانية، ويمنحون ضحايا النازية الأموال الطائلة التي تداوي جروحهم من المحارق التي نصبت لهم في سنوات معدودة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة.

قضى العرب قرونا طويلة زادت على الأربعة تحت نير الحكم التركي عانوا فيها من هول المجازر، وانتهكت كافة المحرمات تحت دعاوى الخلافة المزيفة ونهبت فيها الثروات، ومنع العرب من الحصول على التعليم المتقدم ومورست عليهم كل أصناف البربرية الإنسانية باسم الإسلام السياسي.

من يعوض العرب عن شهدائهم الذين ماتوا على خوازيق الأتراك؟ ومن يعيد قرونا طويلة عاش فيها العرب في ظلام الترك حيث توقفت نهضتهم وتطورهم منذ أن صدقوا خلافة العثمانيين ودانوا لسلطتهم التي تعاملت بكل عجرفة وكبرياء مع العرب، ولم ترحم شعبا منحهم قيمهم الحضارية الجديدة والتي حكموا بها امبراطورية شاسعة برفع لواء الإسلام الذي استغلوه أشد الاستغلال.

موضوع اعتذار تركيا للعرب أصبح ملحاً بعد أن بدأت الأوساط التركية المثقفة طرح موضوع اعتذار تركيا للأرمن على ما فعلته بهم ونتج عنه تشرد آلاف منهم عبر الأمصار.

لا يوجد فرق بين ما فعله الأتراك في الأرمن عما فعلوه في العرب من مجازر وقتل وإغماءة حضارية يدفعون ثمنها الآن بكل صبر. تعمد الدول على طلب الاعتذارات من غيرها بحيث أصبح يطلق عليها مسمى»Sorry States» وخاصة في مجال خروق حقوق الإنسان ومنها الإبادة الجماعية والقتل وإهانة وتحقير الشعوب. كل ذلك لبناء طريق صحيح نحو المصالحة والتطلع لعلاقات جديدة لا تنغصها آثار الماضي بعد اعتذار وتبرؤ ممثلي الدول من الماضي المشين. ما يحدث في الحالة التركية العربية، أن تركيا لا تعمد للاعتذار بل هي التي تطالب باعتذار العرب على ثورتهم من أجل الاستقلال، وفي هذا انتقاص لحقوق العرب واستهانة بهم كأمة.

وفي علم السياسة وخاصة مجال المصالحة بين الدول، يصر الخبراء على أن الدول التي أجرمت في حق غيرها يجب عليها أن تبدأ المصالحة بالاعتراف بقيامها بالجريمة وشرح ما حدث بكل صدق لشعبها، ثم بعد ذلك تبادر بتقديم الاعتذار للضحايا من شعوب عانت القهر والتسلط والظلم.

قد يكون لتركيا الحق في هذه الاستهانة، وخاصة أن لا دولة عربية تطالبهم بالاعتذار عن الماضي، بل إن بعض العرب يتسابق ويقدم نفسه مرة أخرى كرقيق في سوق اسطنبول الجديدة، وجل هؤلاء من الإخوان الذين تمولهم تركيا وتقف وراءهم لتسهيل عودتها مرة أخرى إلى استعمار العرب بدعاوى إسلامية.

من يقرأ المناهج الدراسية التركية يجدها مليئة بما يمجد المستعمر التركي الذي عاث في بلاد العرب فسادًا واستغلالاً، ويعتبره المحرر للشعوب والناقل للحضارة، في حين أن القبائل التركية التي غزت دولا عربية كانت تنبهر بما تنقله منها فساقت آلاف العمال المصريين المهرة من محترفاتهم في مدن القاهرة ودمياط وغيرها إلى اسطنبول كي ينقلوا حرفهم إلى هناك، وكذلك فعلوا بحلب ودمشق وبغداد.

لكن هذه المناهج لا تتضمن أي شيء يذكر عن القهر الذي عانى منه العرب بسبب غطرسة الأتراك واحتلالهم. ولا تتضمن تململ العرب وتمردهم ونشاطات جمعية العربية الفتاة وجمعية العهد والجمعية القحطانية وقبل هؤلاء ثورات تحررية قامت بها مناطق عديدة امتدت من اليمن مرورا بنجد إلى الإحساء فالخليج.

بالطبع نحن لا نحاكم التاريخ بل نستلهم منه العبر، ونبني علاقاتنا على مصالحنا وليس حسن نوايا الآخرين. وما يثير الاستغراب أن تركض تركيا يمنة ويسرة تصالح وتعتذر للأكراد والأرمن واليهود، بل ويدور الحوار حول الاعتذار لليونانيين، أما العرب فلا محل لهم من الإعراب، وكأنهم لم يتعرضوا للظلم والقهر والمعاناة.

ما يثير الحديث عن هذا الموضوع أن رأس السلطان العثماني الذي قهر أمماً عديدة يطل مرة أخرى، مرتديا ربطة عنق، وعبر تنظيم دولي للإخوان المسلمين يؤيده ويعبد له طريق العودة له بين العرب، وتناسى الإخوان كيف تعامل هذا السلطان مع أجدادهم وكيف كافح الأجداد للتخلص من الظلم التركي.

والمثير للسخرية أن الإخوة في قطر يتفاخرون اليوم ويطالبون بعودة التركي زعيما سياسيا للمنطقة، وهم من قاتلوه في معركة الوجبة التي وإن كانت صغيرة ومحلية، إلا أنها- حسب ما يروج القطريون- تعبير من أهل قطر عن رفضهم الاستعمار التركي.

هل تغلبت روح التنظيم والتبعية له على التاريخ ودماء الأجداد. هل نسي أبناء الجزيرة العربية بطولات «راكان بن حثلين» و»قاسم بن محمد» وغيرهما ضد الغازي التركي؟ أم أن التنظيم الدولي استطاع بكل اقتدار أن يمسح من الذاكرة العربية كل تلك العذابات؟

الجواب هو في يد شباب هذه الأمة، هل سيعمل جاهدا لعودة الاستعمار التركي أو سيواصل مسيرة البناء والاستقلال وتطوير وتنمية بلاده والاستقلال الحر وعدم الخنوع والخضوع لبسطار التركي أو غيره مرة أخرى؟


كاتب وصحفي سعودي

8