حان الوقت لتقويم أدوار الأحزاب المغربية

الأربعاء 2017/10/11

إذا اعتمدنا النظرية السياسية وعلى فصول الدستور المغربي فستسعفنا القراءة العلمية باكتشاف ضرورة وجود أحزاب سياسية في نظام ديمقراطي يسعى إلى تعميق مبدأ التعددية والتداول على السلطة. لكن عندما نعاين أدوار هذه الأحزاب وعمل قادتها الميداني نجد التفاعل مع حاجيات المواطن سلبيا وليس لهم تأثير ملموس في تكوين وتأطير المجتمع وتوجيهه.

وبقراءة الواقع لا يمكن الاعتماد على مجموعة صغيرة من السياسيين عرفوا داخل المجتمع كأشخاص يبحثون فقط عن مصالح شخصية وحزبية ضيقة.

وكرئيس للحكومة المغربية ورئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، ما هي الخطة التي أعدها الدكتور سعدالدين العثماني بعدما خرج يوم الأحد 8 أكتوبر الجاري دون مقدمات ليهدد بتقديم استقالته من رئاسة الحكومة “حفاظا على وحدة حزبه”.

فأين وحدة الوطن ومصلحته العظمى من حسابات العثماني التي قال عنها في تغريدة له على حسابه في تويتر “‏نحن حريصون على وحدة الحزب وستخيب ظنون المنجمين وأنا مستعد لتقديم استقالتي من رئاسة المجلس ورئاسة الحكومة إذا كانت في مصلحة وحدة صفه”.

هل يمكن القول إن العثماني يريد التخلي عن الوطن مقابل الحزب السياسي وأدوار مستقبلية له داخله؟

هذا التوجه لا يمكن أن يكون بديلا لترقيع أخطاء عديدة وقع فيها حزب العدالة والتنمية كتنظيم سياسي يقود الآن الحكومة وعددا من جهات المملكة وجماعاتها الحضرية والقروية.

فهل هو هروب من ثقة اكتسبها حزبه من طرف مواطنين يجمعهم وطن واحد بعدما وعدهم بإيجاد حلول للعديد من المعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ووعد بالبحث عن بدائل لتوفير فرص شغل ومحاربة الفساد وتحقيق المساواة أمام القانون؟

بعد نتائج انتخابات 2016 التشريعية، عرف حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال رجات تنظيمية متتالية وأزمة ثقة أثرت على وحدتهما ومصداقيتهما داخل المجتمع.

فما وقع في المؤتمر الوطني الـ17 لحزب الاستقلال أواخر سبتمبر الماضي ينذر بالأسوأ. ونتوقع أن يكون مؤتمرا حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة بنفس المستوى من التناحر مما يهدد وحدتهما الداخلية.

بالفعل تم إقفال قوس حميد شباط الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، في 8 أكتوبر 2017، كأي فاعل دمج العمل النقابي مع السياسي فكانت الخلطة هجينة لم تصمد أمام عوامل التعرية السياسية الطبيعية والمفتعلة.

خمس سنوات كانت كافية لشباط كي ينزل تصوراته وأفكاره وسياسته على أرض الواقع لكن شيئا من ذلك لم يقع. بل الأدهى أنه سمح لأنصاره في المؤتمر الأخير للحزب بشن معارك استعملت فيها الصحون والكراسي.

لا يجادل أحد في أن الوصول إلى السلطة هو أحد أكبر الأهداف لدى الأحزاب. في المقابل الدولة لا تتسامح مع من يعوق عملها الاستراتيجي بتكتيكات غير محسوبة العواقب.

وكان حميد شباط قد أثار ملفات الجوار والتاريخ والجغرافيا في وقت كان فيه المغرب يخطو أولى خطواته داخل الاتحاد الأفريقي، وكاد ينسف ذلك المسعى في تصريحات مثيرة للجدل تستهدف موريتانيا. ولن تتسامح الدولة مع أي قيادي أو تنظيمه السياسي يعمل على تقويض وجودها وتأزيم علاقاتها.

مر مؤتمر حزب الاستقلال بما له وما عليه وجر معه نقاشا حول مآلاته ومن سيتحكم في مجريات أموره. وننتظر مؤتمرات أحزاب الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي. ولن يتغير شيء في جوهر تلك الأحزاب ولا في طريقة اشتغالها إذا كانت هذه المؤتمرات فرصة لإفراز ثقافة الابتذال والاستقواء بالعضلات بدل تماوج الأفكار ومناقشة المشاريع البناءة.

الإقناع بأهمية الأحزاب السياسية في حياة المجتمع ودورها في إحداث التوازن المطلوب والاستقرار المنشود، غاية تتطلب أكثر من حسن النية. إنها تتطلب العمل أكثر على إحداث التغيير من داخل هذه التنظيمات السياسية التي نخرها الفساد والمحسوبية والبلطجة وتهرم الأفكار والمبادئ والأيديولوجيات.

ما يتطلبه المشهد السياسي المغربي هو إعادة تدوير التنظيمات السياسية وتأهيل قياداتها وقواعدها بشكل فوري ودون إبطاء، فتغيير القيادات مثل شباط وبن كيران والياس العماري وإدريس لشكر وغيرهم لن يجعل من الأحزاب قوية ومستقلة ومستقرة دون ضرب مراكز النفوذ الحقيقية داخل تلك الأحزاب التي تبحث فقط عن مصالحها دون مراعاة مصالح المجتمع والدولة.

رجل السياسة يمكن أن يمارس عمله بتفنن أكبر إذا كان يعرف أين يضع المشرط وتوقيت القطع والرتق دون المساس بالأعضاء الحيوية للدولة والنظام، وإلا فهي الفوضى بكل مقوماتها. يعي المواطن البسيط أن الأحزاب تلعب لعبة المصالح بعيدا عن مصالحه ولهذا كانت تراجع مشاركته في لعبتها الانتخابية ويتابع بتشكك أكبر انتخاباتها الداخلية ولا يهمه من يقود سفينة الحزب لأنه في الأخير سيكون أحد هؤلاء الذين يزيفون الوقائع أمام الشعب، دون تعميم الحكم على الجميع.

عزوف المواطنين عن المشاركة في الانتخابات سببه بالدرجة الأولى تلك الأحزاب التي تسابق الريح للفوز بصوت يؤهلها لدخول البرلمان والنهل من امتيازات المنصب والانكباب على تحصيل التعويضات والرواتب دون أي عائد يذكر سواء على المستوى التشريعي أو على مستوى الاهتمام باحتياجات من يمثلون الدفاع عن مصالحهم أمام مؤسسات الدولة.

اهتمت الدولة المغربية بإرساء قواعد المنافسة بين الأحزاب وكانت في مرحلة من تاريخها في حاجة إلى خلق أحزاب أخرى لتوازن الساحة السياسية وتثبيت عنصر التعددية الذي أكدته كل الدساتير التي شرّعت الطموحات وهيكلت حدود السلطات.

ما نراه اليوم هو خيبة أمل في جل تلك الأحزاب فلا اليمين حافظ على دوائر تحركاته ولا اليسار طور هويته ولا الوسط خلق التوازن المطلوب.

فهناك الكثير ممن تربوا على التآمر على الكل وضد من لا يحمل فلسفة الإقصاء وسياسة البتر. بهذه العقلية لن تفلح هذه الأحزاب في فرز نخبة قادرة على الإحساس بنبض الشارع ولها الكفاءة في تمثيل دور تنظيماته السياسية كوسيط محترم وذي مصداقية بين المواطن ومؤسسات الدولة.

الحسابات الضيقة لقادة الأحزاب هي من يدمر علاقتهم مع الطيف الأكبر من المجتمع، ومن الصعب إعادة الثقة في الأحزاب المغربية دون إعادة هيكلتها بشكل عميق من الداخل وبأياد نظيفة وقوية وعقول نيرة.

كاتب من المغرب

4