حان الوقت لتكتب المرأة نفسها بعدما كتبها الرجل طويلا

تزايد عدد الكاتبات العربيات ما خلق طفرة في الإنتاج الأدبي النسائي الذي يجنح أغلبه إلى السرد، وخاصة الرواية. والجديد في الأمر هو تقلص مساحة الذات في الكتابات النسوية واتساع مساحة الآخر والرؤية، حيث بتنا نقرأ عن أهم القضايا التاريخية والاجتماعية والنفسية والسياسية وغيرها بعيون كاتبات كسرن حاجز الصمت. فيما يلي حوار مع الكاتبة والناقدة المصرية هويدا صالح حول الأدب والمرأة العربيين اليوم.
الأربعاء 2017/11/08
الانتصار للجسد الأنثوي انتصار للأرواح المعذبة (لوحة للفنان عصام معروف)

القاهرة- تؤكد الناقدة والروائية المصرية هويدا صالح أن السلطة نجحت في إقصاء المثقف عن دوره الذي كان من المفترض أن يقوم به في المجتمع الذي يعيش فيه، وهو أن يكون مثقفا عضويا يؤثر في المجتمع ويتأثر بقضاياه، ويعمل على التصدي لها.

وتقول صالح “إن السلطة عملت بصفة مستمرة على استقطاب المثقف تارة وتهميشه تارة أخرى، بحيث لم تعطه أيّ دور حقيقي في بناء وطنه، أو أيّ دور فاعل في قضاياه”.

وتشير إلى أن هناك من المبدعين، خلال العقد الأخير من القرن العشرين، من نجح في التعبير عن المهمّشين في الواقع المصري، وهو ما تصدّت له من خلال أطروحتها للدكتوراه بعنوان “الهامش الاجتماعي في الرواية”، مشيرة إلى أن الروائيين في هذه الفترة اهتموا كثيرا بتصوير هؤلاء المهمشين الذين همشهم المتن والمركز وأقصاهم عن المجتمع، سواء كان هذا الإقصاء ثقافيا أو سياسياً أو مجتمعيا.

الذاكرة والأدب

حول دور الذاكرة في الإبداع تؤكد هويدا صالح على أن الذاكرة تحمل مخزونا وروافد مهمة يرفد بها المبدع إبداعه، سواء ذاكرة واقع المبدع وماضيه أو ذاكرة عينيه ومشاهداته التي يختزنها أو ذاكرة قرائية يمتلكها بما قرأ قديما وحديثا وأزاحه إلى اللاوعي، أو حتى الذاكرة الجمعية التي تمثل معارف وثقافة وأساطير وتاريخ أمة من الأمم، أو ما أسماه كارل يونغ باللاشعور الجمعي لشعب من الشعوب، وأن كل هذه الذاكرات مجتمعة ترفد عالم المبدع وتمدّ نصوصه بما يثريها”.

وعن قضية حضور الجسد في الكثير من الأعمال الأدبية العربية اليوم ومنها روايتها “جسد ضيّق” تقول الكاتبة “الجسد بوابة للروح، فلا بد أن يكون له حضور، وخاصة أن ثمة ما يمارس على الجسد الأنثوي من صنوف من التغييب والإنكار والقهر أحيانا، فالانتصار له انتصار للأرواح المعذبة التي تقهر عبر قهر الجسد، مؤكدة في الوقت نفسه أن الهامش الديني وكل الهوامش الاجتماعية لها تجلياتها في مشروعاتها النقدية أو الإبداعية”.

وترى صالح أن المبدعين عليهم ألا ينصّبوا أنفسهم متحدثين باسم الدين، رافضة بعض الأصوات السلفية التي تدعو الحكومات للتدخل ضد المبدعين لمنع التفكير، إذ تصف مثل هذه الدعوات بأنها صادرة عن أصوات سلفية تعاني من انفصام في الشخصية.

موقف نسوي

احتفاء بخصوصية الذات

حول تعمدها تهميش الرجل في أعمالها الإبداعية، تقول هويدا صالح إنها تعمدت ذلك “حتى يظل الرجل طوال الوقت مرويّا عنه لا راويا، فالمرأة عانت كثيرا حين ظلت مفعولا بها، واليوم صارت ذاتا فاعلة، لذلك فقد تعمدت ألا يسمع صوته إلا عبر أصوات النساء في الرواية كموقف نسوي يرفض القهر الذي مورس على النساء طويلا، وقد جسدت روايتي ‘جسد ضيّق’ صورة من صور المعاناة التي تتعرض لها المرأة في مصر واستغلال المجتمع لفقرها لتحويلها إلى مجرد جسد للمتعة، وعمدت في هذه الرواية على توصيل المضامين الاجتماعية والدينية من خلال نمط لغوي واحد في منطوق جميع الشخصيات الممثلة في الرواية”.

وفي حديثها عن سبب لجوئها لشكل المتوالية السردية في أكثر من عمل لها مثل “الحجرة رقم 13” و”بيوت تسكنها الأرواح” تؤكد ضيفتنا أن المتوالية هي نوع أدبي يسكن تلك المساحة البينية بين القصة القصيرة والرواية، فيها ما يشبه القصة القصيرة، لغة وتشظٍيا، كما فيها ما يشبه الرواية من وشائج تجمع النصوص السردية، فقد يكون السارد واحدا أو المكان واحدا أو الحدث واحدا.

أما عن تأثير ممارستها للنقد على عملها الإبداعي فتقول صالح “إن ممارسة النقد الأدبي جعلتها تجيد مهارة الحذف، وهي من أهم المهارات بالنسبة إلى الكاتب، حتى يمتلك الجُرأة، ويشرك معه القارئ لإعادة ‘إنتاج المعنى’، كما أن النقد الحديث أعطى القارئ مساحة في إنتاج العمل الأدبي، فنظرية القارئ والاستجابة ونظرية التلقي تفترض للقارئ دورا يجب ألا ينساه المبدع، فإعادة صقل العمل تساعد على التكثيف والتخلص من الحشو واللغة الزائدة. ولا يعطل النقد الإبداع، فكلاهما رافدان مهمان يصبان في بعضهما البعض، ويثريان بعضهما البعض”.

وردا على سؤال حول انحيازها للمرأة وأيضا لإبداعها، وإن كانت ترى فارقا بين كتابة المرأة وكتابة الرجل؟ تجيب صالح قائلة “فعل الكتابة واحد وقضاياه واحدة لكن الاختلاف يرجع في رؤية كل منهما للآخر، للذات الكاتبة، ففعل الكتابة لدى المرأة، سواء كانت معنية بقضايا وجودية نضالية أو منغمسة في كتابة ذاتها، أعتبره بمثابة تأكيد لصحة رؤية إدوارد سعيد لوضع المثقف، فهو ملتزم ومخاطر في نفس الوقت، وهذا ما فعلته الكاتبة العربية، فقد التزمت بقضايا جنسها كامرأة وبوضعيتها الاجتماعية والتاريخية، وخاطرت بتوصيل ما يدور داخلها من أصوات تطالبها بالخروج والثورة ضد أشكال القهر الإنساني والاجتماعي، وضد ما يمارس على جسدها من طقوس وعادات وتقاليد. المرأة كتبت نفسها بعدما كتبها الرجل طويلا”.

وعن خصوصية الكتابة الأنثوية تؤكد هويدا صالح على وجود هذه الخصوصية “التي تظهر في الاحتفاء بخصوصية الذات، هذه الكتابة التي تكرس للتفاصيل ولكل ما هو إنساني، لا تنشغل بالإجابة عن الأسئلة الكبرى فقد انتهت القضايا الكبرى، ولم يبق أمامنا إلا أن نكتب أنفسنا، ولا يستطيع أحد أن يخرس صوت المرأة التي انفتحت على العالم وكتبت ذاتها”.

وعن إسهام المرأة الناقدة قالت “لا يوجد ما يسمّى نقد المرأة للأدب، فالمرأة الناقدة تتحول إلى عقل ناقد، ولا تتحكم فيها الأفكار النسوية، بل هي تتعامل مع النص الأدبي انطلاقاً من مقولة موت المؤلف، فلا تفكر ساعتها في أنه نص لرجل أو نص لامرأة. ولا يجب أن نغفل أن المرأة العربية تعرضت لقهر اجتماعي مورس عليها طوال عمرها مما شكل تقييدا لنمو الوعي لديها، فتحول إبداعها في حالات كثيرة إلى صراخ أيديولوجي ومطالبات بحقوق مهدرة ومستلبة، لكن وبالرغم من كل هذه المعوقات إلا أن المرأة العربية قد حققت طفرة كبيرة في مجالي الإبداع والنقد، طفرة نوعية واضحة على مستوى كتابتها.

وعمّا يطلق عليه الأدب النسوى، ترى هويدا أنه “للأسف صورته مرتبكة إلى حد كبير، فكثير من الكاتبات ينكرن وصف أدبهن بالنسويّ، بل قد يرين في النسويّة تهمة، ويرددن أنهن يكتبن أدباً إنسانيّاً، وليس نسويّاً، وهناك مَن تعتبر الأدب ساحة معركة مع الرجل، فتحاول أن تدينه، وتحوّل كتابتها لمنشور ضدّه، فالمعركة الحقيقيّة مع ثقافة المجتمع الذكوريّة المنحازة دائما ضدّ المرأة”.

15