حان الوقت للاستغناء عن النقود الورقية

تراجع الاعتماد على الأوراق النقدية لدى كثيرين في سداد ثمن مشترياتهم، وفي مقابل ذلك تزايدت الرغبة في الاعتماد على بطاقات الائتمان وبطاقات الدفع المقدم التي عكست توجها عالميا في تبني نهج متسارع من ميكنة المعاملات المالية، لكن الطريق لا يزال مكدسا بالعثرات.
الثلاثاء 2016/02/16
سلة غنية بمستلزمات الماضي

لندن – يتقلص شيئا فشيئا حجم الأموال النقدية المتداولة في دورة الاقتصاد مع ظهور بطاقات الدفع المقدم وبطاقات الائتمان، وقدرتها لاحقا على تسديد فاتورة أسعار بمجرد اللمس ومن دون الحاجة إلى الضغط على أي أزرار لإدخال كلمة السر.

ولم يكن ممكنا في السابق تخلي الناس عن محافظ جلدية يحملونها باستمرار لحفظ الأوراق النقدية كبيرة الحجم التي كانت الوسيلة الوحيدة لتسديد ثمن أي سلعة يقومون بشرائها.

لكن بات الأمر اليوم أكثر سهولة بكثير مع تزايد الاعتماد على بطاقات الائتمان، وأدى ذلك تدريجيا إلى تراجع الحاجة إلى الأوراق النقدية.

الخشية من بطاقات الائتمان

ويقول ناشط مؤيد للدفع الإلكتروني في مدونة “وادي السيليكون” إنه تمكن من النجاح في التحكم في ديونه المتراكمة عبر المزيد من التحفظ في كيفية استخدام بطاقات الائتمان.

وقال الناشط الذي لم يذكر اسمه على موقع المدونة “لا أملك سوى عدد قليل من البطاقات لتجنب إغراءات استخدامها، ولكني أحافظ أيضا على بساطة مصادري المالية. كلما امتلكت عددا قليلا من بطاقات الائتمان، كلما كان أيسر تتبع معاملاتي والتحكم فيها، وكلما كان الشعور بالقلق أقل”.

ويجد الكثيرون صعوبة في مجاراة الديون التي بإمكان البطاقات الائتمانية مراكمتها، وهو ما يدفع المستهلكين إلى اللجوء إلى الأوراق النقدية من أجل التحكم في مدفوعاتهم.

ويلجأ البعض في هذه الحالة إلى البحث عن نصائح في كيفية ترشيد الإنفاق من أجل الحفاظ على القدرة على السداد للبنوك.

ويقول الناشط في مدونته التي ضمت عددا من النصائح الأخرى “لا أقوم باقتناء مشتريات باستخدام بطاقتي الائتمانية إلا إذا كنت مدركا أنني سأكون قادرا على سداد ثمنها كاملا بحلول نهاية الشهر. من خلال تعلّم كيفية وضع الميزانية، سأكون قادرا على التمسك بهدفي وهو استخدام بطاقة الائتمان لسداد الفواتير الشهرية بالكامل. من خلال القيام بذلك، أكون قادرا على العيش في مستوى إمكانياتي، والالتزام بمسؤولياتي المالية”.

النقد مفيد في المعاملات الصغيرة، مثل شراء كوب من القهوة أو مصروف الجيب، ولكن يمكن فقدانه أو سرقته، لذا يفضل الناس الدفع الإلكتروني عند التحويلات المالية الكبرى

وما يعزز توجه الشباب الذين تزداد نسبة الاعتماد على بطاقات الائتمان في صفوفهم، بدء بعض الحكومات في وضع خطط تقود بعد سنوات إلى إلغاء الاعتماد على الأوراق النقدية.

وتعتمد هذه الخطط على البدء بإلغاء بعض الأوراق النقدية ذات القيمة المرتفعة من أجل اختبار تقبل السوق.

وقدم جون كريان، الرئيس المشارك لـ”دويتشه بانك”، لصحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية قبل بضعة أسابيع تعليقا حول المال يمكن أن يجعل البشر العاديين يشعرون بالدهشة.

وفي معرض حديثه ضمن لجنة التكنولوجيا المالية في دافوس، تنبأ بأن النقد ربما يكون غير موجود في غضون عقد من الزمن. وقال كريان “كل تلك الدولارات الوضيعة وفواتير اليورو المتعثرة في محفظتك تتجه الآن لمزبلة التاريخ. ليست هناك حاجة إليها. إنها تفتقر تماما إلى الكفاءة، ومكلفة”.

ولا يبدو تصديق كريان أمرا مستحيلا، ففي العقود الأخيرة توسع التمويل الإلكتروني، بينما تراجع كثيرا استخدام النقد.

وفقا لبنك التسويات الدولية، كان النقد المتداول يعادل 7.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في أكبر 19 اقتصادا في عام 2014. وفي عام 2010 كان 8.4 في المئة.

ويعود ذلك جزئيا إلى عادة المستهلكين، إلى جانب عدم الثقة الشعبية بالبنوك في بلدان مثل اليابان التي عانت حالات انهيار متتابعة في القطاع المالي. كما أن الملايين من الأسر الفقيرة، حتى في الولايات المتحدة، لا تزال تعزف عن التعامل مع البنوك.

بيتر ساندز: الناس صاروا يستخدمون النقد لدفع أجرة عامل البناء أو سيارة الأجرة، وحافزهم في ذلك هو التهرب من دفع الضرائب

اقتصاد المجرمين

يميل المجرمون والإرهابيون والمتهربون من الضرائب أيضا إلى استخدام النقد في عملياتهم المالية، ولا سيما فئات الأوراق المالية الكبيرة.

وستحد خطط حكومية، دخلت بالفعل حيز التنفيذ، من معدلات الجريمة وتضع أنشطة العصابات تحت المراقبة، على عكس تداول الأوراق النقدية التي تجد الحكومات صعوبة بالغة في تتبعها.

وقال رئيس أحد البنوك إنه ينبغي للحكومات النظر في مسألة إلغاء الأوراق النقدية ذات القيمة العالية لمكافحة الجرائم المالية والتهرب من الضرائب، بما في ذلك المدفوعات النقدية للتجار.

وورد في ورقة بحثية لبيتر ساندز، الرئيس التنفيذي السابق لبنك ستاندرد تشارترد الذي يقدم المشورة للحكومة البريطانية، أن المجرمين يتصرفون في أكثر من 2 ترليون دولار (1.4 ترليون جنيه إسترليني) في جميع أنحاء العالم كل عام، و تبلغ المدفوعات الفاسدة ترليون دولار، ويكلف التهرب الضريبي ما يصل إلى 70 في المئة من مجمل العوائد الضريبية.

ويجعل تداول الأوراق النقدية جهود الحكومات في مكافحة الجريمة كأن لم تكن. وأدت جهود وقف تدفق “الأموال السوداء” عن طريق تعقب مرتكبي الجرائم أو الكشف عن مدفوعاتهم إلى مصادرة أقل من 1 في المئة من مجمل الأموال غير الشرعية.

وقال ساندز إن التخلي عن الأوراق النقدية من فئة 500 يورو، و1000 فرنك سويسري، و50 جنيها إسترلينيا سوف يؤدي إلى إلغاء طريقة الدفع التي يفضلها المجرمون، رغم أن ذلك لا يستند إلى المنطق بالنسبة إلى من يستخدمون هذه الأوراق بطريقة قانونية.

وأضاف أن النقد مفيد في المعاملات الصغيرة، مثل شراء كوب من القهوة، أو مصروف الجيب، ولكن يمكن فقدانه أو سرقته، لذا يفضل الناس الدفع الإلكتروني عند التحويلات المالية الكبرى.

وبالفعل كشفت وزارة المالية الألمانية الأسبوع الماضي عن مقترحات لحظر المدفوعات النقدية التي تفوق 5 آلاف يورو لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وواجهت هذه المقترحات معارضة من تحالف واسع من الأحزاب السياسية وكذلك الصحيفة الأوسع انتشارا في البلاد.

محافظو البنوك المركزية يسعون لجعل السياسة النقدية أقل فعالية

ونشرت صحيفة “بيلد” رسالة مفتوحة الاثنين الماضي تحت عنوان “ارفعوا أيديكم عن أموالنا”، حيث أفسحت المجال أمام القراء للتأييد والمقاطعة ونشر التــدوينات الموجــهة إلى وزير الـمالية فولفغـانغ شويبله.

وأدانت الجماعات السياسية، بدءا من حزب الخضر إلى الحزب الديمقراطي الحر إلى حزب البديل من أجل ألمانيا ذي التوجه اليميني، التدابير المقترحة، والتي تشمل أيضا حظر الورقة النقدية من فئة 500 يورو، معتبرة أن ذلك يمثل انتهاكا للبيانات الخصوصية.

ودوّن النائب كونستانتين فون نوتز التابع لحزب الخضر على تويتر “المعاملات النقدية تسمح لنا بعدم الكشف عن الهوية خلال القيام بمعاملاتنا اليومية. في ديمقراطية دستورية، هذه من الحريات التي يجب أن أدافع عنها”.

ونأى مدير البنك المركزي الألماني جينس ويدمان، بنفسه عن مقترحات الحكومة، وقال لصحيفة “بيلد” الألمانية “إنه لأمر قاتل أن يتكون لدى المواطنين انطباع بأنه يجري إبعادهم عن المعاملات النقدية”.

لكن ساندز بدا في ورقته البحثية في مدرسة هارفارد كينيدي التي تحمل عنوان “اجعلوها صعبة على الأشرار”، أنه لا يبدي أي اهتمام بالمعارضة المحتملة لهذا التوجه خاصة من قبل المصرفييين التقليديين.

وقال “إن الأوراق المالية ذات القيمة العالية، تشير إلى مفارقة تاريخية في الاقتصاد الحديث نظرا لتوافر بدائل الدفع الإلكتروني، كما تلعب أيضا دورا بسيطا في الاقتصاد الشرعي، أما دورها في الاقتصاد السري أو التحتي (السوق السوداء) فهو حاسم. وما يثير السخرية أن توفرها الدولة للمجرمين”.

كونستانتين فون: المعاملات النقدية تسمح لنا بعدم الكشف عن الهوية خلال القيام بمعاملاتنا اليومية. في ديمقراطية دستورية، هذه من الحريات التي يجب أن أدافع عنها

وقال إن “سؤال الناس في المملكة المتحدة عن مجالات استخدامهم للورقة النقدية من فئة 50 جنيها إسترلينيا، وهي أعلى ورقة من فئة الجنيه الإسترليني، كان الجواب الأكثر شيوعا هو أنهم يستعملونها لدفع أجرة عامل البناء أو السباك، وإن الحافز هو التهرب من دفع الضرائب، بما أن الدفع نقدا يجعل من السهل بالنسبة إلى الفرد تجنب دفع الضريبة على القيمة المضافة والتي تقدر نسبتها بـ20 في المئة. وإذا تم الدفع نقدا لعامل البناء فإنه في المقابل يتجنب دفع الضرائب على العمل”.

سلوك البنوك الطاردة للأموال

لكن العامل الآخر الذي سيحدد مستقبل الأوراق النقدية المتذبذب هو سلوك البنوك المركزية نفسها. هناك نتيجة غير مقصودة للسياسة النقدية المتساهلة تماما، وهي أنها قلصت الحوافز للمستهلكين لوضع أموالهم في البنوك.

ومع انخفاض أسعار الفائدة في الكثير من الاقتصادات المتقدمة، ونزولها عن مستوى الصفر في بلدان مثل سويسرا واليابان، من المرجح للمدخرين أن يجدوا أنهم لا يتلقون عوائد ضئيلة فقط، وإنما حتى يعاقبوا بفرض رسوم عليهم. ربما يؤدي هذا إلى زيادة استخدام النقد أيضا، على الرغم من أنه لا أحد يعرف بالضبط إلى أي درجة.

ويسعى محافظو البنوك المركزية في دول عدة مثل سويسرا، جاهدين لمنع المستهلكين من التحول إلى النقد، لأن ذلك لا يجعل المعاملات المالية أقل كفاءة فحسب، ولكن أيضا يجعل السياسة النقدية أقل فعالية.

ويرجع السبب في ذلك إلى أن الناس إذا تمسكوا بالنقد المادي – الذي على عكس الحساب المصرفي، لا يتأثر مباشرة بأسعار الفائدة السلبية – سيكون لدى محافظي البنوك المركزية سيطرة أقل.

حتى الآن، ما من أحد حاول جادا حظر النقد لجعل أسعار الفائدة السلبية أكثر فعالية. لكن الفكرة طرحت من قبل أشخاص مثل آندي هالدين، كبير الاقتصاديين في بنك إنكلترا، وكينيث روجوف، أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد.

13