حان الوقت لمشاركة الشباب التونسي في صنع القرار

رئيس المنظمة الدولية للقيادات الشبابية عبدالرحمن الخراط: الأوضاع لا تسمح بتغييب الشباب أكثر.
الأحد 2021/01/24
استمعوا للشباب

في خضم موجة الاحتجاجات التي تعصف بتونس تنديدا بتردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والتهميش، يقترح رئيس المنظمة الدولية للقيادات الشبابية عبدالرحمن الخراط وثيقة صاغها الشباب وتقدم جملة من الحلول والمقترحات للخروج من الأزمة الخانقة، ويدعو السياسيين إلى منح الفرصة للشباب وإشراكهم في صنع القرار.

تونس – فشلت الحكومات التونسية المتعاقبة بعد اندلاع ثورة يناير في ضبط بوصلة البلاد في الاتجاه الذي يرتقي لتحقيق تطلعات التونسيين، لكن في وسع الشباب اليوم إعادة ترميم ما فشلت فيه النخب الحاكمة، في حال منحهم مساحة أوسع للمشاركة في الشأن العام، ما يخول لهم اقتراح إصلاحات نابعة من رؤيتهم ومشاغلهم الحقيقية للعبور بالبلاد من حالة اللايقين إلى بر الأمان.

وتراهن المنظمة الدولية للقيادات الشبابية في تونس على الجيل الجديد، وترى أن مفاتيح حل الأزمة المتصاعدة بيد الشباب. وأطلقت مؤخرا وثيقة “تونس للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية” وهي بمثابة خطة لإنقاذ البلاد صاغها الشباب من أعضاء المنظمة في مختلف المناطق التونسية، وتقدم جملة من الحلول والمقترحات للخروج من الأزمة الخانقة.

وتتزامن الوثيقة مع ظهور مبادرات سياسية مثل مبادرة الحوار الوطني التي ما زالت لم تر النور، بسبب التجاذب بين الأحزاب وصراع النفوذ المستمر، وفيما يضيق الخناق على النخبة الحاكمة بسبب ضعف الأداء والانشغال بالصراعات والحسابات الضيقة، ترى المنظمة أن الشباب الذين كانوا وراء التغيير في عام 2011 بوسعهم اليوم أيضا أن يعيدوا تشكيل المشهد من جديد برؤية مستقلة غير منحازة للأحزاب، وبذلك سيكونون بمثابة “قشة نجاة” للعودة إلى مناخ الاستقرار.

تفاؤل بالوثيقة

الشباب الذين كانوا وراء التغيير في عام 2011 بوسعهم اليوم أيضا أن يعيدوا تشكيل المشهد من جديد
الشباب الذين كانوا وراء التغيير في عام 2011 بوسعهم اليوم أيضا أن يعيدوا تشكيل المشهد من جديد

وتوقع رئيس المنظمة الدولية للقيادات الشبابية أن تلاقي الوثيقة تفاعلا إيجابيا من الشارع، خاصة أنها تستمد شرعيتها من الشباب من داخل وخارج البلاد.

وقال الخراط في حوار مع “العرب”، إن “الوقت قد حان حتى يمنح شباب تونس فرصة حقيقية ليكونوا في مواقع القرار المتقدمة والمشاركة في إدارة البلاد”. مؤكدا “الأوضاع لا تسمح بتغييبهم أكثر”.

والمنظمة الدولية للقيادات الشبابية هي منظمة غير حكومية، تأسست في أكتوبر سنة 2016 عبر خيرة من شباب تونس في الداخل وفي المهجر، وتعمل في كامل أرجاء البلاد، وهدفها الرئيسي هو خلق قادة من الشباب عبر التكوين والتدريب على مهارات القيادة إضافة إلى الأنشطة الميدانية.

وتعمل المنظمة على نشر وتكريس مفهوم القيادة لدى الشباب التونسي، والوقوف عن قرب على مشاغله وتطلعاته بالإضافة إلى مد جسور التواصل بينه وبين السلطة.

وثيقة شباب تونس تقدم جملة من الإصلاحات شاركت في صياغتها كفاءات شابة وتشمل محاور كبرى، إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية

 تقدم وثيقة شباب تونس جملة من الإصلاحات التي شارك في صياغتها كفاءات شابة وتشمل محاور كبرى، إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية.

وأوضح الخراط أنه تم تأجيل الإعلان عن الوثيقة الذي كان مقررا في الـ14 من يناير، بسبب ظروف الحجر الصحي الشامل الذي اتخذته السلطات.

وسيتم الترويج للوثيقة في زيارات رسمية الأسبوع القادم، وقد تمت دعوة السلطات العليا بالدولة والمنظمات الوطنية، لكن حسب الخراط، “حتى الآن ليس هناك تفاعل جدي ورسمي، رغم خطورة الأوضاع التي تمر بها تونس والتي تحتاج إلى حلول وإشاعة مناخ التوافق”.

وتحيط الشكوك بقدرة الوثيقة على شد انتباه التونسيين والالتفاف حولها خاصة في ظل اتساع الهوة بين الشارع والنخبة، غير أن الخراط  يرى أنه بإمكانها أن تجد الزخم والآذان الصاغية وأن تحقق مقترحاتها الفاعلية المطلوبة.

وقال “يمكن أن تكون المقترحات لها فاعلية على الميدان نظرا لوجود حلول واقعية وعاجلة وناجعة وما على السلطات إلا تجسيدها، وننتظر هنا إرادة قوية وإعطاء الشباب المكانة التي يستحقونها وإرجاع الثقة إليهم”.
وأقر بوجود شباب داخل المنظمة ممن يحملون انتماءات حزبية، لكنه شدد على حيادية دورهم.

مقترحات للإصلاح

الشباب لم يعد ينطلي عليه أي شيء
الشباب لم يعد ينطلي عليه أي شيء

وتشمل المقترحات ملفات العاطلين عن العمل الذين يحملون شهادات عليا ومن يشملهم قانون 38 وغيرها من الملفات العالقة، حيث يجب حلّ عاجل لأزمة البطالة، وهي في تقديره السبب الرئيسي لعودة الاحتجاجات إلى الواجهة في كل مرة.

وبخصوص الإصلاحات السياسية، تقترح الوثيقة تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب بما يضفي النجاعة والسرعة في إصدار القوانين، ووضع إجراءات تمكن من فرض الانضباط على عمل النواب، مثلا عزل كل نائب يتغيب دون عذر شرعي لثلاث مرات دون موجب خلال سنة نيابية واحدة.

كما تقترح إرساء الهيئات الدستورية وتعديل القانون الانتخابي بما يقطع مع نظام البقايا وتشتيت الأصوات ويسمح بوجود استقرار حكومي مبني على البرامج لا على الأشخاص. ويسمح بإفراز أغلبية مستقرة وقادرة على تسيير البلاد وتنفيذ برامجها.

وبرأي الخراط فإن مفتاح الحل اليوم هو بإشراك الشباب في مواقع صنع القرار، حيث ساهم تغييبهم وحضورهم المتواضع والاكتفاء باستغلالهم كورقة في الدعاية الانتخابية في تعميق الأزمة.

ورغم توغل الأحزاب في مشهد سياسي مـأزوم، يؤكد الخراط أن “الشباب قادر على أن يكون في مراكز القرار”.

وتابع “عملنا منذ سنوات على هذا، لذلك نجد اليوم الشباب متواجدين بعدد كبير داخل المجالس البلدية المنتخبة كمستشارين وفي البرلمان، رغم أن عددهم ضئيل إلا أنهم استطاعوا فرض أنفسهم”.

عبدالرحمن الخراط: دور الشباب أهم من الغايات الحزبية والمواسم الانتخابية، ننتظر إرادة قوية وإعطاء الشباب المكانة التي يستحقونها
عبدالرحمن الخراط: دور الشباب أهم من الغايات الحزبية والمواسم الانتخابية، ننتظر إرادة قوية وإعطاء الشباب المكانة التي يستحقونها 

مع ذلك فإن الجهود غير كافية، حيث ما زال الشباب مطالبين بالمزيد من العمل، فالتواجد في مراكز القرار ليس الهدف ولكن ما بعد التواجد هو الأساس.

ويعتقد الخراط أن من الدوافع التي تحفز المنظمة على النجاح، تخطي عدد المنضمّين إليها العشرين ألفا. وعزا الإقبال الشبابي بصفة خاصة إلى تعطشه للمشاركة في الشأن العام، وتعكس هذه الخطوة حسب تقديره أن دور الشباب ليس جزئيا وموسميا لغايات انتخابية وحزبية، بل دوره أشمل وأعم.

تعليقا على الاحتجاجات التي خرجت بمختلف المدن للمطالبة بالعمل والكرامة والإفراج عن المعتقلين، اعتبر الخراط كغالبية التونسيين أن الأوضاع المتردية لشباب تونس خلال العشر سنوات منذ اندلاع الثورة، هي السبب الأول لخروجهم إلى الشارع والتظاهر والاحتجاج، خاصة أن الحكومات المتتالية لم تع جيدا أن مشكلة الشباب الرئيسية هي التشغيل.

وكان المتظاهرون قد رددوا هتافات للمطالبة بفرص عمل. وتعاني تونس اقتصاديا حتى قبل أزمة كوفيد – 19 في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتردي الخدمات الحكومية.

وحمل الخراط مسؤولية الأرقام المفزعة لعدد العاطلين عن العمل وتدهور التنمية وانتشار الفساد، إلى غياب إستراتيجية واضحة للدولة تجاه هذه المشكلات التي قامت عليها الثورة.

وكحلّ عاجل اليوم لإرجاع الثقة بين الشباب والدولة، يؤكد الخراط ضرورة الإصغاء إلى الشباب وتسهيل كل الأمور لصالحه عبر إنشاء مشاريع وتعيينهم وإحاطتهم اجتماعيا. وذكر أن 70 في المئة من الشباب التونسي لا يثقون في النخب الحاكمة، حسب ما أصدرته وزارة الشباب والرياضة وهو رقم يفرض على الأحزاب ضرورة مراجعة سياساتها.

ويعتقد الخراط أن الوضع متردّ جدا على كل الأصعدة، وأن الأيام المقبلة ستكون كارثية. داعيا الشباب إلى المحافظة على ممتلكات البلاد وحذر في نفس الوقت كل مسؤول يتخاذل عن دوره من أن الثورة التي حصلت في 2011 يمكن أن تعاد من جديد.. ويبقى زمام الأمور الآن بيد الشباب، قائلا “استمعوا لهم وحققوا مطالبهم ليكون هنالك سلم اجتماعي”.

ونبه  بالقول “إنْ تجاهل المسؤولون الشباب كعادتهم، فسيكون الخزي لكل مسؤول تقلد منصبا ولم يقم بدوره المناط بعهدته”.
وبين أن “الشباب لم يعد ينطلي عليه أي شيء، ولن يرضخ للأحزاب ولا للمنظمات ولا لمسؤولين فاشلين”.

ويرى المتابعون أنه من أبرز دوافع التحركات الاحتجاجية في تونس، استياء الشباب من إقصائهم من الحياة السياسية، فيما تتسابق الأحزاب لكسب ودهم وتأييدهم فقط في المواسم الانتخابية.

ورقة انتخابية

مفاتيح حل الأزمة المتصاعدة بيد الشباب
مفاتيح حل الأزمة المتصاعدة بيد الشباب

ويرفض الشباب اليوم أن يكونوا مجرد ورقة انتخابية، وهو ما تكشفه عودة الاحتجاجات في كل مرة، فيما يؤكد المتابعون أن الأطراف السياسية مصرة على استقطابهم استباقا للانتخابات القادمة، وهو ما يزيد من الغموض بشأن المستقبل السياسي للبلاد.

ويقر الخراط بأن الأحزاب التونسية قد استغلت الشباب وهذا “ليس شيطنة للأحزاب والعمل السياسي الحزبي”.
مستدركا “لكن هذا هو الواقع، فالأحزاب استغلت الشباب وضيعت عليهم فرصة البروز.. إنهم يستغلون الشباب كحطب لمشكلاتهم وتموقعهم، ثم يغلقون هواتفهم متناسين بذلك دورهم”.

70 في المئة

من شباب تونس ليست لهم ثقة في الدولة، حسب أرقام أصدرتها وزارة الشباب والرياضة

واعتبر أنه من الضروري أن “تعمل الأحزاب على مراجعة خياراتها بترشيح شباب داخل هياكلها لمناصب عليا والاستفادة من طاقاتهم وعدم إهدار أهم مكسب للبلاد التونسية وعمودها الفقري”.

واعتبر أن “الشباب لم يغيبوا يوما على الشأن العام، بل يتم تغييبهم والاستنقاص من دورهم، ولولا الشباب لبقي البلد في أيدي العابثين فهم البوصلة دائما”.

ويقول الخراط إنه رغم كل الصعوبات والقيود إلا أن الشباب استطاعوا فرض أنفسهم. ولاحظ في الآونة الأخيرة أن “أي خطاب لمسؤول بالدولة يتم استعمال مفردة الشباب أكثر من مرة”، مستدركا ” لكن لا نريد كلاما نريد أفعالا تتجسد على أرض الميدان”.

 وتطرق رئيس المنظمة الدولية للقيادات الشبابية في ختام حواره مع “العرب” بالتعليق على مقترح الرئيس قيس سعيد بإشراك الشباب في الحوار الوطني والذي لقي ردود أفعال بين مؤيد وبين رافض.

وفي انتظار انعقاد الحوار الوطني، أفاد “نقول لهم نحن مستعدون وسنقدم وثيقة شباب تونس على طاولة الحوار وستكون مفاجأة سارة لكل التونسيين”.

19