حان الوقت ليحسم السودان خياراته الخارجية

الغموض على الصعيد الخارجي أغرى دولا مثل تركيا وقطر بمواصلة دعم الحركة الإسلامية السودانية وروافدها.
الجمعة 2020/05/15
الجرأة والوضوح لحسم الكثير من الملفات

تلجأ الكثير من الدول التي تعيش فترات انتقالية إلى القبض على العصا من منتصفها، كما يقولون، وتحاول أن تكون مواقفها وسياساتها في الملفات الخارجية على الحياد وغير محسومة في القضايا المثيرة للجدل، لتتجنب الطبقة الحاكمة الدخول في مشكلات جانبية قد تلهيها عن أداء واجباتها الرئيسية وترتيب المرحلة الانتقالية.

جرّب السودان وصفة الحياد، أو بمعنى أدق الالتباس الذي يطغى على السلطة الحالية، والتي بدأت فترتها منذ حوالي عشرة أشهر، وكانت النتيجة مخيبة للآمال؛ فقد أفضى تجاهل بعض القضايا الحيوية في مجال العلاقات الإقليمية والدولية وعدم التعامل معها بجدية كافية إلى الإيحاء بالعجز عن صناعة القرارات، بما جرى فهمه على أنه ارتباك واضح في سدة السلطة. وبسبب هذا التوجه خسرت الخرطوم مكاسب كان يمكن أن تجني من ورائها ثمارا عدة.

ظلت السلطة الانتقالية، بشقيها مجلس السيادة والحكومة، ومن خلفهما تحالف قوى الحرية والتغيير، تتجنب الفصل في شأن العلاقة مع الدول الداعمة لتنظيمات إسلامية متطرفة، والتي وقفت خلف الكثير من تحركات فلول النظام السابق للعودة إلى السلطة مرة ثانية، مع أن الخرطوم تخوض معركة حامية لإزالة التمكين والتخلص من رواسب نظام الرئيس عمر البشير في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والمجتمع.

أغرى الغموض على الصعيد الخارجي دولا مثل تركيا وقطر، بمواصلة العمل على دعم الحركة الإسلامية السودانية وروافدها الممتدة في مستويات خطيرة، كما أوصلت السيولة السياسية إلى هاتين الدولتين رسالة خاطئة مفادها أن الخرطوم حريصة على استمرار النهج الحميم السابق معهما، ما أغرى بالمزيد من الدعم المادي والمعنوي للقوى القريبة منهما، في وقت احتفظ فيه النظام الانتقالي في السودان بعلاقات جيدة مع المعسكر المعادي لكل من الدوحة وأنقرة، ويتكون من محور مصر والإمارات والسعودية. وهو ما جعل الفريق الأول يرتاح لصيغة عدم التغيير دون أن يفهم موجباتها، لكن الفريق الثاني اعتبر ذلك بمثابة تحايل ورغبة في المضي قدما في نهج نظام البشير الانتهازي الذي حرص طويلا على القبض على أوراق عديدة غير متكافئة، ما أفقده قدرا كبيرا من الثقة في سياساته.

انعكست الازدواجية الجديدة في شكل علاقات غير محسومة مع دول كان من الممكن أن تقدم دعما وفيرا للسلطة الانتقالية، لأنها اصطحبت معها بعض الشكوك السياسية في نوايا السودان الجديد. ربما يكون ذلك مفهوما في ظل المراوحة التي تعيشها الأحزاب والكتل السياسية، غير أن رسائله وصلت إلى بعض الأطراف بما يفيد أن الخرطوم لا تريد تغييرا حقيقيا.

جرت مياه كثيرة في هذا النهر، من نتيجتها أن السلطة الانتقالية لم تقترب بما يكفي من المحور الداعم للإرهاب وتجني من ورائه ثمارا كبيرة، وبقيت العلاقة غير مستقرة تتراوح بين الصعود والهبوط، لكنها مستمرة وغير مقطوعة، كذلك فعلت مع المحور المقابل الذي أبدى استعدادا قويا لدعم الخرطوم عقب إزاحة البشير، وبدت البلاد في النهاية كأنها تتقلب بينهما بلا فاعلية.

تعتبر الخرطوم هذا المنهج نوعا من المرونة المفيدة، بينما يعدّه المراقبون نوعا من الارتباك الضار الذي يحمل إشارات قاتمة، فهو يغري الدول التي نسجت علاقات جيدة مع نظام البشير باستهداف السلطة وتكسير مؤسساتها، ويمنع الدول التي تريد تطوير علاقاتها حاليا من تسريع خطواتها الإيجابية خوفا من حدوث انتكاسة في منتصف الطريق.

يمكن شد الخيط على استقامته على المستوى الدولي، فقد أدى التذبذب إلى فتور حماس بعض القوى التي راهنت على السلطة الجديدة وقدرتها على الخروج من أسر النظام السابق بكل توابعه السياسية والأمنية. وتوقفت تقريبا الإشارات التي تلقتها قيادات السلطة الانتقالية عند الحدود الرمزية، ولم تتم بلورتها في تحركات عملية يستفيد منها السودان في تخفيف أزماته الهيكلية. ومن أبرز النتائج معاناة البلاد على كافة المستويات تقريبا، وعدم حدوث تقدم يشي بالأمل في تجاوز العراقيل المتراكمة، محليا وإقليميا ودوليا.

إعادة ترتيب لموقف السودان من أزمة سد النهضة
إعادة ترتيب لموقف السودان من أزمة سد النهضة

يبدو أن السلطة الانتقالية وصلت إلى قناعة بشأن خطورة عدم تبني مواقف حاسمة، وقررت تعديل الدفة من بوابة إثيوبيا قبل أيام، حيث رفضت الخرطوم عرضا من أديس أبابا حول توقيع اتفاق جزئي بينهما بشأن ملء سد النهضة، وأعلن رئيس الحكومة عبدالله حمدوك تمسكه بالمفاوضات الثلاثية، أي بحضور مصر، واستكمال ما أنجزته الجولات السابقة، بما يعني تخليا عما يوصف بـ”التبعية” السودانية المؤازرة لإثيوبيا على حساب مصر في الأزمة.

فُهمت هذه الرسالة على أنها إعادة ترتيب لموقف السودان من الأزمة، خاصة أن الحكومة تلقت تقريظا شديدا من قوى سياسية استاءت من الانسياق وراء إثيوبيا، ليس حبا في مصر بالطبع، لكن لأنها وجدت أن استمرار هذه السياسة سوف يضر بمصالح السودان المائية. ويؤسس هذا التوجه لشكل جديد من العلاقات الإقليمية والدولية، ويدفع نحو التخلي عن مواقف سابقة ألحقت ضررا بالغا بالحكومة، ووضعتها أمام قنابل متعددة، لا أحد يعرف مكان وزمان انفجارها.

غير مستبعد أن تستمر السلطة الانتقالية لفترة أطول مما حددته الوثيقة الدستورية، ومدتها 38 شهرا بالتناوب بين الشق العسكري والمدني في مجلس السيادة، فمع التحديات الراهنة وصعوبة تسوية الكثير من الملفات، بل عدم تحقيق إنجازات ملموسة، قد يجد الجميع أنفسهم في مواجهة هذا الخيار، بمعنى أن أجهزة الحكم تستمر لفترة لا تصلح معها السياسات المؤقتة والتلفيقية.

يقود ميل السلطة الحالية لحسم خياراتها إلى زيادة اطمئنان المواطنين إليها أو ارتفاع منسوب الشكوك فيها، حسب طبيعة التوجهات وما تسفر عنه من تقدم أو تأخر، فإذا حدث الأول زادت الثقة، والعكس صحيح، وبالتالي مطلوب من السلطة وضع سيناريوهات تستمر معها لفترة طويلة، والتحلل من الكوابح التي أعاقت ذلك، بذريعة أن المراحل الانتقالية تستوجب تصورات مؤقتة وتبتعد عن تبني مواقف قاطعة.

تختلف الحالة السودانية عن حالات حدثت في دول أخرى، حيث يتحول المؤقت غالبا إلى دائم في الخرطوم. ويمكن القياس على تجارب سابقة تلت ثورات وقعت في السودان. وحتى في الفترة الانتقالية الناصعة أيام الفريق عبدالرحمن سوار الذهب في منتصف الثمانينات من القرن الماضي وقادت إلى انتخابات، انتكست الإدارة الجديدة، وعادت البلاد إلى مألوفها من تثبيت المرحلي، والقفز على مقتضايته السياسية.

يصعب القطع بشكل نهائي في الحالة الراهنة، لكن الأوضاع العامة والمعلومات المتوافرة لن تتقدم ما لم تكن السلطة الانتقالية على قناعة بأنها تؤسس لنظام جديد يحوي مزايا تسهم في بناء السودان الحديث، خاصة أن مقومات النهضة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية معروفة، وتحتاج فقط إلى إرادة لتأسيسها، لأن الانتظار وترحيل المشكلات إلى حكومة منتخبة ربما يغلقان الكثير من المنافذ المفتوحة الواعدة أمام البلاد.

حان الوقت لحسم التصورات التي تفيد السودان دون التفات إلى طبيعة المرحلة أو ما تقتضيه من حسابات بدواعي الريبة أو التوازن، فالخسائر التي تكبدتها الخرطوم بسبب التمهل والحذر والتريث والتلكؤ جلبت كوارث، بينما الجرأة والحسم والصرامة في تحديد التوجهات يمكن أن تضع قدمي السودان على طريق المستقبل.

6