حان الوقت ليحكم الشباب

الوقت قد حان لتغيير الأفكار النمطية المضللة عن الجيل الشاب الذي أثبت أنه قادر على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، وربط المجتمع بديمقراطية تضمن العدالة الاجتماعية وتحقق طموحات الأجيال.
الجمعة 2018/05/18
الجيل الشاب قادر على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية

لا تخطر على بال معظم الشباب في العالم العربي فكرة تولّي منصب القائد في بلدانهم، وقد يكون مجرد طرح هذه الفكرة على البعض منهم أشبه بالدعابة المضحكة، ليس لأن طموحات الكثيرين تنحسر في مجالات بعيدة عن معترك السياسة، بل لأن جلّهم لا ينظرون لأنفسهم على أنهم جزء من العملية السياسية، ويعزفون عن ممارسة حقهم في التصويت بمختلف المناسبات الانتخابية.

ورغم محاولة نسبة قليلة منهم من حين لآخر كسر طوق العزلة الشبابية عن عالم السياسة، والقيام بالعديد من الأنشطة السياسية البناءة والهادفة، ويثبتون جدارتهم واقتدارهم على فعل الكثير للصالح العام، لكن من المؤسف أن هذا العدد الضئيل من الشباب لا يتمكّن في الغالب من الحصول على مقعد في برلمان بلاده، فما بالكم إذا حاول خوض غمار سباق الانتخابات الرئاسية.

وتتعدد أسباب إخفاق الشباب في الوصول إلى مقاعد السلطة، وقد يرجع البعض ذلك إلى ضعف الدعاية والإنفاق المالي على الحملات الانتخابية، ولكن العقبة الأكبر مسكوت عنها، وهي تناقض الطموح السياسي لهؤلاء الشباب مع المقاييس النمطية للسيد القائد الذي يحبذه الشعب، لذلك ينظر مثلا إلى رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو على أنه حالة استثنائية مثيرة للاهتمام، فتركز وسائل الإعلام مثلا على أناقته أكثر من التركيز على مواقفه السياسية.

هناك حقيقة سوسيولوجية، مرتبطة بالاختيار التلقائي وليس الواعي للرئيس، تغذيه الثقافة السائدة التي ترى أن الشيوخ هم الأقدر على قيادة السفينة والوصول بها إلى بر الأمان “بالأمس القريب اختارت ماليزيا مهاتير محمد رئيسا للوزراء مع أنه تجاوز التسعين”، أما الشباب فينعتون بالمتهورين والأنانيين وينظر إليهم نظرة توجس وعدم ثقة في قدراتهم على تولّي القيادة، ولكن حتى وإن كان البعض منهم يحملون هذه الأوصاف، فإنهم في النهاية لا يأتون بشيء من عندهم، فشخصياتهم تتشكل بناء على مؤثرات أسرية واجتماعية، تجعلهم يكتسبون سمات شخصية تتماشى مع البيئة التي نشأوا فيها.

أعتقد أن الاتجاهات الفكرية للمجتمعات ما زالت غير مستعدة للتنازل عن معاييرها القديمة والنمطية لصالح معايير تناسب الجيل الشاب، أو الالتقاء معهم في منتصف الطريق. لكن بعيدا عن التوجس وإساءة الظن بالشباب، هناك حقائق ماثلة على أرض الواقع، تقول إن كبار السن ليس أكفأ من الشباب على القيادة، وهي الأوضاع السياسية والاجتماعية السيئة والمضطربة التي تمر بها العديد من الدول العربية في الوقت الراهن.

فالمصير الذي يؤول إليه العقل وتردي القدرات الجسدية والذهنية مع التقدم في العمر، تجعل القائد كبير السن يرتكب الكثير من الإخفاقات؛ وهذه الحقيقة لست أنا من يقولها بل مثبتة علميا، وقد تم تعقبها منذ قدماء الإغريق وأكدها علماء النفس والأعصاب لاحقا، ولدينا الكثير من الأمثلة لإثباتها فعلا وليس قولا.

فلو نظرنا على سبيل المثال إلى فترة رئاسة كل رئيس عربي تولى الرئاسة وهو كهل وتشبث بها إلى أن أصبح طاعنا في السن، وعددنا نجاحاته، لوجدنا أن الإخفاقات أكثر من النجاحات، لكن مثل هذا الأمر لا يجب أن يجعلنا نجحد الخبرة الحياتية المهمة التي يمتلكها البعض، والتي تخوّل لهم لعب دور المستشارين وليس أصحاب القرار.

وفي مقابل "النموذج السيء" للقادة كبار السن يوجد نموذج لقادة من الشباب مختلف تماما، قادة لديهم بصيرة منفتحة وملهمة ومتسامحة تبعث، على الأمل والارتياح في عالمنا العربي المليء بالصعوبات والانقسامات والصراعات.

هؤلاء القادة الشباب استطاعوا أن يثبتوا أنهم أكثر مسؤولية وفهما وحكمة، والتزاما بالمبادئ والواجبات تجاه الوطن من القادة كبار السن، ويحدوهم طموح كبير لتحقيق إنجازات طويلة الأمد للصالح العام، وقد تمكّنوا بالفعل من إحلال الأمن والاستقرار في بلدانهم رغم الاضطرابات المحيطة بهم في دول الجوار، وجميع هذه النجاحات لا يمكن أن تحقق إلا لمن يملك عقلا مستعدا لها.

يمكن هنا تأمل تجربة العاهل المغربي الملك محمد السادس الذي تبوأ الحكم شابا وحقق إنجازات ظاهرة لبلدهـ وأيضا الإنجازات المتصاعدة للشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي الذي تقلّد منصبه شابا، أما ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان فتكاد تجمع كل التحليلات على إنجازاته التي تحققت والتي يعد بها للمستقبل تعزى إلى حيوية تفكيره الشاب.

الوقت قد حان لتغيير الأفكار النمطية المضللة عن الجيل الشاب الذي أثبت أنه قادر على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، وربط المجتمع بديمقراطية تضمن العدالة الاجتماعية وتحقق طموحات الأجيال.

21