حان الوقت ليعوض عمالقة الإنترنت خسائر الصحافة

تتحمل شركات الإنترنت العملاقة المسؤولية الكبرى عن تدهور صناعة الأخبار، مع استحواذها على نصيب الأسد من الإعلانات الرقمية، وهي مطالبة اليوم بتقديم دعم مالي لهذه الصناعة، لحل البعض من مشكلاتها، بما تملكه من إمكانات مالية وخبرة ونفوذ.
الأربعاء 2017/03/01
الصحف خارج لعبة العمالقة

نيويورك - تتجاهل شركات الإنترنت العملاقة الضرر البالغ الذي ألحقته بالمؤسسات الصحافية، وتأثيرها على تراجع الصحف التي استطاعت أن تجد لها مكانا في العالم الرقمي.

وأصبحت الصحف ووسائل الإعلام الأخرى تكافح لكسب الإيرادات من شراكتها مع عمالقة التكنولوجيا مثل فيسبوك وغوغل، مع ازدياد مخاوفها على أعمالها في عالم الأخبار الذي تهيمن عليه بصورة متزايدة منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

ولا ينفي خبراء الإعلام صحة البيان الذي نعى فيه مارك زوكربيرغ، المدير التنفيذي لشركة فيسبوك، نزعة الإثارة في الصحافة، وأعلن فيه أن “صناعة الأخبار مسألة أساسية لبناء مجتمع حضاري”.

وأكد أن منح الجمهور المساحة للتعبير عن رأيه ومشكلاته غير كاف، فمن الضروري تحفيزه على الاهتمام بالمعلومات الجديدة وتحليلها، بحسب ما جاء في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، كتبه ستيفن والدمان.

وقالت الصحيفة إن زوكربيرغ أسقط من بيانه جوانب على غاية من الأهمية، أولها ما تسببت فيه المنصات الرقمية من تدهور في صناعة الأخبار، رغم عدم تعمدها ذلك، وثانيا أن إنقاذ الصحافة يحتاج إلى خطوة فاعلة من عمالقة الإنترنت بتقديم الدعم المالي.

وأشار التقرير إلى أن عائدات الإعلان الرقمي في عام 2015، بلغت 59 مليار دولار، ذهب منها 36 مليار دولار إلى غوغل وفيسبوك وحدهما، فيما تقاسمت المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية الأخرى في جميع أنحاء العالم باقي الأرباح، وهو ما استمر في عام 2016، حيث نال العملاقان الأميركيان نصيب الأسد من الزيادة في حجم عائدات الإعلانات.

ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى مهارة فيسبوك وغوغل في تقديم محتوى إعلامي مميز، وقدرتهما على الجذب الإعلاني، وهو ما يعزز نموهما على مستوى الأعمال التجارية المحلية. وذكرت مؤسسة “بوريل وشركاه”، المختصة بالتحليل الإعلامي أن نسبة 25 في المئة من الإعلان الرقمي لفيسبوك تأتي من المعلنين المحليين.

لكن هذا لا يعني أن فيسبوك وغوغل اللاعبان الوحيدان المهيمنان على الساحة الرقمية، فمن المرجح أن تصبح شركة “فيريزون” ثالث أكبر شركة تهيمن على الإعلان الرقمي، بنسبة 10 في المئة. وذلك في حال نجحت في شراء “ياهو”، لتليها شركة “أبل” مباشرة.

كل ما تبرعت به شركة غوغل وفيسبوك وفيريزون وأبل يعتبر ضئيلا جدا، مقارنة بحجم ثروتها وتأثيرها على غرف الأخبار

ويبدو أن فيريزون تبلي بلاء حسنا في مجال الترويج لتكنولوجيا حظر الإعلانات، مما سيساهم في تقليل عائدات غرف الأخبار بشكل متزايد، إضافة إلى أن تبقى الأخبار على الهواتف المحمولة في صعود مستمر، مما يجعل مواقع التواصل الاجتماعي المنصة الرئيسية لاستهلاك الأخبار، ما يشكل ضربة أخرى لوكالات الأنباء المحلية.

وأفاد تقرير نيويورك تايمز، بأن التكنولوجيا الحديثة المتمثلة في ثورة الهاتف المحمول، ومنع الإعلانات، وخيارات التسويق الأفضل للأعمال الصغيرة، ليست وحدها المسؤولة عن تراجع المؤسسات الصحافية المحلية، إذ أن هذه المؤسسات لم تمتلك المبادرة الإعلامية الكافية، وساهمت في خلق المشكلة برد فعلها المتردد غالبا على الثورة الرقمية.

وأكد أن التطوير والابتكار في المحتوى الرقمي مسألة أساسية لبقاء الصحافة في المنافسة، لكن أكثر ما تحتاجه المؤسسات الصحافية هو الدعم المالي، ويفترض أن تساهم شركات الإنترنت الكبرى في هذا الدعم بشكل أكبر مما قدمته حتى الآن، إذ كل ما تبرعت به هذه الشركات حتى الآن يعتبر ضئيلا جدا، مقارنة بحجم ثروتها، والتأثير السلبي الذي لحق بغرف الأخبار نتيجة أعمالها.

وذكرت منظمة “تأثير ممولي الإعلام”، المختصة بتعقب الدعم المالي للإعلام، أن المؤسسات تبرعت بنحو 13.4 مليار دولار للصحافة الاستقصائية في العامين 2015 و2016، ورغم ذلك استمرت عائدات الصحف في التراجع، إذ كانت أقل بنحو 1.6 مليار دولار في كل عام، مما كانت عليه في ثمانينات القرن الماضي.

واللافت للانتباه تواضع ما قدمته الشركات الأربع (فيسبوك، وغوغل، وفيريزون، وأبل) أمام المؤسسات الـ59 التي ساهمت خلال هذين العامين بالدعم المالي، وقد تبرعت مؤسسة “تولسا” وحدها لمساعدة الصحافة الاستقصائية بأكثر مما تبرعت به هذه الشركات الأربع مجتمعة. ولم تكن هذه الشركات الأربع تعاني من أي انخفاض في أرباحها؛ فقد سجلت في عام 2016 أرباحا تقدر بـ88 مليار دولار، وجاءت شركة غوغل في أعلى القائمة بـ19.4 مليار دولار، ثم فيريزون بـ 13 مليار دولار، وفيسبوك بـ 10.2، و45 لشركة أبل، بينما كانت عائدات كل من صحيفة نيويورك تايمز، وغانيت وماكاتشي، مجتمعة، 41 مليار دولار.

يذكر أن المدراء التنفيذيين في هذه الشركات قدموا مبادرات فردية لدعم الصحافة، حيث قامت شركة غوغل بإنشاء “مختبرات أخبار غوغل” لتوفير أدوات، وبيانات وبرامج مخصصة لمساعدة الصحافيين، إضافة إلى “مبادرة الأخبار الرقمية” التي ساهمت بأكثر من 40 مليار دولار للإعلام الجديد في أوروبا.

كما أعلنت شركة فيسبوك مؤخراً عن “مشروع صحافة فيسبوك” الذي تعهد بالعمل مع وسائل الإعلام على ابتكار “أشكال جديدة للقصص الإخبارية”.

وقالت الشركة “نحن نسعى مع شركائنا إلى العمل معا لاستكشاف طرق جديدة لدعم الأخبار المحلية”. إلا أن المطلوب من هذه الشركات أكثر من ذلك، فإذا منحت 1 في المئة فقط من أرباحها، لمدة خمس سنوات لهذه المسألة، فإن الصحافة المحلية الأميركية سوف تشهد تحولا في القرن المقبل.

وتقع على عاتق هذه الشركات المسؤولية الكبرى، في حالة الإرباك الرقمي، التي خدمتهم بالدرجة الأولى، فيما تسببت في أزمة للصحافة الأميركية. وقد حان الوقت لأن يقوم المتسببون في إحداث الاضطراب بحل هذه المشكلات، مع ما يملكونه من إمكانات مالية وخبرة ونفوذ.

18