حان الوقت لينتزع الأدب السوداني المكانة التي يستحق

الكاتب عثمان أحمد حسن: السودان بلد متعدد الثقافات والوضع الآن محفز للإبداع والكتابة والنشر والتواصل مع الآخرين.
الأربعاء 2019/05/15
عثمان أحمد حسن.. يومياته الإفريقية سرد حافل بالانطباعات الحية والرؤى الجديدة

هناك الكثير من الآداب المجهولة بالنسبة إلى القرّاء العرب اليوم، والمفارقة أنها قد لا تكون من جغرافيات بعيدة، أو بلغة نادرة، فمثلا نجد الأدب السوداني، الذي يكتب بالعربية مع خصوصية عوالمه، شبه مجهول في الثقافة العربية، رغم نجاح بعض التجارب في فك الحصار وبلوغ القراء العرب، وهو ما ترسخ في السنوات الأخيرة بمجهودات فردية. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب السوداني عثمان أحمد حسن في إطلالة على عوالم الأدب السوداني المعاصر.

  فاز الكاتب السوداني عثمان أحمد حسن بجائزة الرحلة المعاصرة التي ينظمها المركز العربي للأدب الجغرافي ـ ارتياد الآفاق عن كتابه “أسفار استوائية، رحلات في قارة أفريقيا”، وقد تخرّج الكاتب في جامعة القاهرة كلية الحقوق فرع الخرطوم، ليعمل عقب تخرّجه في الخدمة العسكرية لمدة عشرين عاما، انتدب خلالها للعمل بوزارة الخارجية في سفارات السودان بالخارج، وهو الأمر الذي مكّنه من التجول في الدول الأفريقية، لتشكل انطباعاته عصب كتابه الفائز.

وكونه ناشطا أدبيا وثقافيا منذ ثمانينات القرن الماضي، وله مجموعة قصصية بعنوان “حواشي الغواية” ومجموعة أخرى من الحكايات الساخرة بعنوان “ليالي سخريار”، والعديد من الكتب التي لم تطبع، فقد جاءت كتاباته عن مدن شرق ووسط القارة الأفريقية حافلة بالرؤى حول طبيعة هذه المدن وأحوال أهلها وتقاليدهم وعاداتهم وطقوسهم.

الترحال والأدب

حول أبرز المكوّنات الثقافية التي استوقفته خلال أسفاره في مجمل الدول الأفريقية، يقول عثمان أحمد حسن “في منظوري أن الدين هو نشاط وتفكيري ثقافي، فالأفارقة يتميزون بالتوحيد على عكس الشعوب الأخرى، تجد الكثيرين منهم لا يعرفون رسالة سماوية ولا نبيّا ولا رسولا، لكنهم موقنون بوحدانية خالق، رازق، عادل يحاسب الناس في ختام الحياة، هذا الملمح في الثقافة الأفريقية استوقفني كثيرا”.

ويوضح حسن “عدتُ من أوغندا للاستقرار بالخرطوم في العام 2007 وكنتُ مهتما بكتابة القصة القصيرة وعضوا في نادي القصة، دعاني صديق لي كان مشرفا على الملف الثقافي بجريدة الوطن واستكتبني مع الكاتبين عبدالباقي الطاهر ويبات علي فايد، قال اكتبوا عن ثلاث مدن زرتموها، حتى ذلك الوقت لم أكن كتبت عن أي مدينة، لتنشر لي جريدة الوطن أول مقال عن كمبالا عاصمة أوغندا، وكتب الطاهر عن طرابلس الغرب، وكتب فايد عن مدينة سواكن السودانية، ووجد ما كتبناه صدى جيدا، وأشاد به الكثير من الأصدقاء، فشجعني ذلك على نقل الموضوع من الجريدة إلى صحيفة إلكترونية ‘سودان نايل‘، فوجد انتشارا أكثر، وتوسعت في الكتابة، فأصبحت أكتب أسبوعيا مقالا عن مدينة”.

السودان الآن يشهد انفجارا سرديا في القصة والقصة القصيرة جدا والرواية، في العام تصدر 50 أو 60 مجموعة قصصية

ويضيف “عندما وصل عدد المقالات إلى 20 مقالا التقيت بنادي القصة الخرطوم الكاتب والشاعر باسم فرات الذي سبق وأن فاز بجائزة ابن بطوطة، وسألني لماذا لا تشارك في جائزة ابن بطوطة؟ وعرفني على التفاصيل الخاصة بالمركز العربي للأدب الجغرافي، وأخذت الأمر على محمل الجد وعكفت على كتابة رحلاتي لكينيا وتنزانيا والصومال وأوغندا وزنجبار وإثيوبيا ورواندا وبروندي وجنوب السودان وانتهاء بالغابون حيث يخرج خط الاستواء من ناحية المحيط الهندي، وكل ذلك وباسم فرات يلاحقني حتى أنتهي، وبالفعل انتهيت من الكتاب ودفعته به إلى مسابقة ابن بطوطة، ثم سافرت إلى أفريقيا الوسطى حيث لا كهرباء ولا إنترنت ولا تليفون، وهنا أعلنت الجوائز وفزت”

ويكشف عثمان أحمد حسن أنه لم يتوجه للكتابة من أجل النشر إلا في العام 2007، ويقول إن تواجدي في نادي القصة شجعني على جمع قصصي وإصدارها في العام 2010، لقد كنتُ كسولا جدا، كنت أعرفُ أنني قادر على الكتابة لكني لا أمارسها، حيث كنتُ أعتقد أن الكتابة هواية فلا أعطيها الكثير من الوقت، لكنني بعد 2007 اكتشفت أن الكتابة تفتح لي آفاق التعرّف على معارف جديدة مثلا مجموعتي القصصية الأولى عندما تعرّض لها النقاد السودانيون كشفوا لي جوانب لا أعرفها عن شخصيتي، قالوا ‘أنت في داخلك صوت صوفي عميق جدا‘، على الرغم من أنني لا أمارس الصوفية، ولكن قلمي هو الذي أنتج هذه الصوفية، أيضا هذا الكتاب ‘أسفار استوائية‘ عرفني على نخبة الرحالة في الوطن العربي حاليا والمترجمين والكتّاب والإعلاميين، فأنا الآن في أبوظبي نتيجة هذا الكتاب”.

وأضاف “لقد بدأت بكتابة القصة مما جعلني أؤمن بأن القارئ شريك في ما يصنع الكاتب، الكاتب يكتب بذاكرته وثقافته والقارئ يقرأ بذاكرة وثقافة وثقافة مغايرة، لذا أترك للقارئ الذهاب إلى ما وراء العنوان، كما أن معظم هذه الرحلات باستثناء رحلات مدن نيروبي وكمبالا وأديس آبابا وكنشاسا، هذه الرحلات أقمت فيها لفترات طويلة، وبقية المدن كانت رحلات حكومية في غضون 72 ساعة، أنا ألقي نظرة عامة على المدينة خلال أربع أو خمس ساعات وأختزن ذلك في ذاكرتي ثم أثبته كتابة.

الانفتاح المحفز

يرى عثمان أحمد حسن أن كتابة القصة والرواية في السودان بدأت تقريبا منذ منتصف الأربعينات من القرن الماضي، في شكل كتابات متقطعة إلى أن انبرى رائد القصة القصيرة في السودان الراحل عثمان علي نور الذي أصدر مجلة القصة في العام 1961، وتفرّغ لها وعانى كثيرا في سبيل استمرارها لدرجة أنه باع بيته ليموّل إصدارها، لكنها أخيرا توقفت لنقص التمويل، حيث لم يكن توزيع المجلة يدرّ عائدا يكفي لاستمرارها.

 لكن من بعده ظهر الكثير من كتّاب القصة، والسودان الآن يشهد انفجارا سرديا في القصة والقصة القصيرة جدا والرواية، في العام تصدر 50 أو 60 مجموعة قصصية، وهناك الكثير من المنتديات والفعاليات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تناقش الأعمال القصصية والروائية.

بانتصار الثورة في 11 أبريل ينفتح الفضاء وتشرق الشمس ويعود الضوء للثقافة السودانية المتعددة

وفي الرواية كانت الريادة للكاتبة ملكة الدار محمد عبدالله بروايتها ‘الفراغ العريض‘ أعقبها أبوبكر خالد وآخرون، لكن الرواية السودانية وجدت صداها خارج السودان عربيا ودوليا على يد الكاتب الكبير الطيب صالح، حيث نقل الرواية بموضوعه وأسلوبه وثقافته ومعارفه نقلة نوعية فترجمت أعماله لكثير من اللغات.

ويأسف حسن أنه لا توجد متابعة نقدية قوية للنتاج القصصي والروائي السوداني خارج السودان نتيجة قصورنا الإعلامي وضعف تواصلنا مع المشاهد الإبداعية العربية، قائلا “لا ألقي اللوم على الإخوة العرب لأننا قصرنا ولم نطلعهم على نتاجاتنا، كيف يتناولوننا نقديا وهم لم يطلعوا على ما نكتب، واجبنا أن يصل إنتاجنا للناقد والدارس الأكاديمي والمبدع، ولذلك أنشأنا الاتحاد العربي لأندية القصة والسرد حتى يوفر لنا حاضنة نلتقي فيها مع الكتّاب والروائيين والنقاد في الوطن العربي، نحن دعينا إلى ملتقى أندية القصة والسرد في الخرطوم، ونتيجة لذلك تأسس الاتحاد برئاسة الكويتي بدر أبورقبة العتيبي، وأنا أمينه العام، ويضم مجموعة كبيرة من الكتّاب العرب”.

وحول تحوّلات المشهد الثقافي في السودان عقب الثورة وسقوط نظام البشير يوضح حسن “نحن دائما ما نقول إن السودان دولة متعددة الثقافات، في فترة من الفترات هيمن تيار ثقافي معين فرض رؤيته على الجميع فخفتت الأصوات والأضواء، لكن الآن بانتصار الثورة في 11 أبريل ينفتح الفضاء وتشرق الشمس ويعود الضوء للثقافة السودانية المتعددة.

نعم نحن السودانيون نكتب جميعنا باللغة العربية لكن أدبنا الشفوي وحكاياتنا ورواياتنا الشفوية بلغات متعددة، نتمنى نقلها إلى اللغة العربية وتوثيقها بلغاتها الأصلية، لأن الأدب الشعبي المنقول باللغات غير العربية فيه ثراء معرفي وفيه حكمة، فهو نتاج الممارسة اليومية للآلاف من السنين لنفس الناس في نفس البيئة والطبيعة والجغرافيا نتج عنها تراكم معرفي كبير جدا، وهذا يحشد الذاكرة ويحفزها”.

ويؤكد الكاتب أن الوضع الآن في السودان محفز للإبداع والكتابة والنشر والتواصل مع الآخرين، لقد كان التواصل مع الآخرين يجلب لنا الريبة من العسس والسلطة والدولة التي لم تكن تريد لنا الانفتاح على الآخر، الآن بعد إزاحة هذه السلطة يمكننا الانفتاح بما نملك من إبداعات، لقد فزت في ظل الأوضاع السلطوية بجائزة عربية “جائزة ابن بطوطة” فما بالك الآن مع الانفتاح الذي يتحقق ومناخ الحرية الذي يتيح الكثير من النشر وسبل التواصل.

14