حان وقت إغلاق البرامج الدينية

في الوقت الذي يموج فيه العالم على وقع الإسلاموفوبيا والفتن الطائفية، تبحر البرامج الدينية التي تعرضها فضائيات عربية في واد آخر مجدّفة بتصريحات وفتاوى تزيد من حالة الظلامية والتشدد. وبينما يحتاج المسلمون اليوم إلى أعمال «دينية» معاصرة تخاطب المسلم قبل الآخر بلغة حديثة يفهمها متحررة من أغلال الماضي، يتمسك رجال الدين بخطاب يحث على التواكل وعدم التفكير.
الجمعة 2017/05/12
وقود للفتنة

ما هي الحاجة من البرامج الدينية؟ لا أحد يعرف بالضبط. ربما في السابق كانت لها فائدة باعتبار أن الدين له مكان في زحام الفضائيات الذي انفجر فجأة مع بداية القرن الحالي. مفهوم أنه لم يكن ممكنا ترك الدين والمضي في هذه الثورة المعرفية الهائلة، خصوصا في بلدان صار يحكمها الحرام والحلال أكثر من العرف والقانون، لكن اليوم أثبتت هذه البرامج الدينية فشلها، وبدأت تدخل في موت إكلينيكي منذ زمن.

في مصر مثلا، كان شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي شخصيا يظهر لمدة عشر دقائق في برنامج يومي قصير يسمى “حديث الروح” يذاع على القناة الرسمية الأولى قبل نشرة التاسعة مساء. وقتها لم يكن العالم قد عرف بعد موجة الإرهاب الثالثة التي نقلت الإسلاميين والمتشددين والتكفيريين إلى مرحلة جديدة وغير مسبوقة في المواجهات مع دول المنطقة.

الانفجار في عدد الإرهابيين ومستوى العمليات والأفكار التي تسوق لها، صاحبه انفجار آخر في عدد البرامج التي يقدمها مشايخ ينتمون إلى الأزهر أو الدعوة السلفية أو الإخوان المسلمين. ماذا فعلت هذه البرامج كي توقف أو تعرقل هذا المد التكفيري الكاسح؟ عمليا لا شيء.

بدلا من ذلك اهتم أغلب البرامج بالرد على أسئلة تافهة ومكررة ومملة عن الخيانات الزوجية ودخول الحمام بالرجل اليمنى أو اليسرى، وماذا لو أكلت سهوا في رمضان؟

لم يكن لدى مشايخ الأزهر مشروع تنويري لتغيير المجتمع، بل لم يستغرق الأمر طويلا قبل أن يهزموا سريعا على يد السلفيين والإخوان الذين أنشأوا بدورهم قنواتهم الخاصة.

الشيخ لا يرى في عوام الناس سوى تلاميذ عليهم أن ينصتوا لما يقول. ولا يرى في الأقليات الأخرى سوى رعايا يستطيع حمايتهم بكلمة منه ويستطيع أن يحول حياتهم إلى جحيم

هزيمة الأزهر كانت واضحة في الشوارع. اللحية الطويلة والجلباب القصير والنقاب صارت علامات حصرية على التدين والقرب من الله. انتشار الدروس في المساجد أكمل المعادلة. الآباء والأمهات يتعرضون لغسيل دماغ على من قبل المشايخ النجوم على شاشات الفضائيات، فيسرعون لإرسال أبنائهم إلى حلقات يديرها تلاميذ هؤلاء النجوم في المساجد. مصر تحولت إلى مفرخة كبيرة للمتشددين.

قلة حيلة مشايخ الأزهر واعتمادهم على الحفظ والتلقين وعدم قدرتهم على تقديم حجج قاطعة وغياب كاريزما الظهور على الشاشة؛ كل ذلك جعلهم عاجزين عن إبداء أي مقاومة.

ثمة سبب آخر في عدم تميز رجال الأزهر الذين من المفترض عند عموم الناس أنهم “معتدلون”. هذا السبب هو أنهم في حقيقة الأمر لم تكن لدى أغلبهم أي علاقة بالاعتدال. البلد كان يعيش تداخلا عقائديا على كل المستويات بين ما يقوله السلفيون ليل نهار، وما يردده مشايخ الأزهر.

ظلّ واضحا أن الأزهريين غير قادرين على التمايز أو تأسيس مدرسة فكرية مختلفة عن مدرسة السلف، ببساطة لأنهم يؤمنون تقريبا بكل المصادر القديمة التي ينهل منها نجوم الفضائيات من المتسلفين.

كان طبيعيا إذن أن يفشل هذا التحالف الفكري التلقائي بين الأزهريين والسلفيين على الفضائيات في وقف تمدد الإرهاب، لكن صعود نجم هؤلاء الدعاة التلفزيونيين شهد أيضا صعودا موازيا للفتن الطائفية!

في السابق لم يكن أحد يضيع وقته في التفكير في ما إذا كان الأقباط كفارا أم لا. المسألة لا تقدم ولا تؤخر. المسلمون والمسيحيون في مصر يتربون في بيوت بعضهم البعض، ويكبرون على حكايات أمهاتهم مع جاراتهن المسلمات والقبطيات على قهوة المساء.

فجأة ظهر من ينقّب في آيات القرآن الكريم كي يستخرج منها ما يذكّرنا بأن الأقباط “كفّار”. يجب أن يصبح الأقباط كفّارا بأي ثمن. لم يستغرق الأمر أكثر من عشر سنوات من لي عنق الآيات والأحاديث وتقليبها يميناً ويساراً كي يقتنع المشاهدون أن الأقباط كفار. بعد ذلك مباشرة رأينا جدران الكنائس تتطاير في الهواء، وأشلاء الأقباط تتبعها في كل اتجاه.

دعك من حصة تقبيل اللحى بين مشايخ الأزهر والقساوسة التي تتبع كل عملية إرهابية تستهدف الأقباط. ما في القلب في القلب.

الانفجار في عدد الإرهابيين ومستوى العمليات والأفكار التي تسوق لها، صاحبه انفجار آخر في عدد البرامج التي يقدمها مشايخ ينتمون إلى الأزهر أو الدعوة السلفية أو الإخوان المسلمين

لا يكمن الاختلاف العميق بين مشايخ الأزهر وقساوسة الكنيسة القبطية في أن القساوسة أذكى من أن يكفروا المسلمين. بالطبع لا يعدم أي منهم أن يحرث الإنجيل حرثا كي يعثر على نصوص وآيات تجعل من المسيحيين شعب الله المختار، وتضعهم فوق كل الآخرين.

على سبيل المثال، يقول القديس بولس في رسالته الثانية إلى أهل قورنتس (الفصل الرابع) “فإذا كانت بشارتنا لا تزال محجوبة عن السائرين في طريق الهلاك، عن الكفار الذين أعمى بصائرهم إله هذه الدنيا”.

ويقول القديس غيريغوريوس النزنزي (اللاهوتي) إن “من ادعى أن المسيح مر في العذراء كما في قناة، من غير أن يتكون فيها إلهيا وإنسانيا معا… فقد خرج على العقيدة وكان كافرا”.

هل سمع أحد في مصر أو خارجها هذا الكلام يقال على فضائيات معتبرة؟ هذا كلام لا يقال خارج جدران الكنائس.

لكن عندنا في الأزهر مشايخ فرغوا من تكفير إسلام بحيري الموحد بالله، وانتقلوا إلى تكفير الأقباط. آخر الأمثلة هو الشيخ سالم عبدالجليل.

هذا الرجل هو وكيل وزارة الأوقاف المصرية سابقا، وأحد أشهر دعاة الفضائيات المنتمين إلى الأزهر، وبجانب هذا كله يعمل واعظا معتمدا في الجيش!

في برنامجه على إحدى القنوات الخاصة كان هذا الشيخ يفسر الآية في سورة آل عمران “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ”. بعد أن انتهى من قراءتها أخذ يقفز على مقعده ويشهق ويصيح بأن “المشايخ الذين يقولون للمسيحيين واليهود أنتم مؤمنون ضللوهم، لأنهم كفار، آمنوا بعيسى وموسى وكفروا بمحمد”. ثم وجه كلامه لأصحاب الديانات السماوية الأخرى قائلا “يا يهود ويا نصارى أنتم بشر وسنعاملكم بالحسنى، لكن العقيدة التي أنتم عليها عقيدة فاسدة”.

الفرق بين هذا الشيخ الأحمق والقساوسة ليس في أن القس أكثر سماحة وعقلانية وأدبا، لكن ثمة فرق آخر أكثر عمقا.

جرت العادة أن رجال الدين في الإسلام لا يعرفون شيئا خارج إطار العلوم الشرعية والفقهية. إذا حدثت أحدهم في موضوع يبعد قليلا عن كتب التراث الصفراء التي كتبت قبل مئات السنين ويحفظونها هم عن ظهر قلب، لن تجده ملمّا بأي من بدائيات هذا الموضوع أو غيره. مع ذلك ترى الشيخ المسلم عصبيا طوال الوقت ويعامل الناس دائما بشيء من الكبر والغلظة.

لا يرى الشيخ في عوام الناس سوى تلاميذ عليهم أن ينصتوا لما يقول. ولا يرى في الأقليات الأخرى سوى رعايا يستطيع هو حمايتهم بكلمة منه إلى اتباعه، ويستطيع أن يحول حياتهم إلى جحيم.

في الكنيسة الأمور مختلفة تماما. إذا أردت أن تصبح قسا فعليك أن تمر بمراحل متعددة وطويلة من التعلم والدرس. هذا لا يشمل العلوم اللاهوتية فحسب، بل يتشعب أيضا إلى الفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية والأدب. الإبحار في العلوم الإنسانية يهذب النفس ويكسب صاحبها تواضعا وعمقا وذوقا في الكلام والسلوك معا.

لم تنشر البرامج الدينية على الفضائيات سوى التفاهات وقلة الذوق. موقع “أنا السلفي” الذي يمثل الدعوة السلفية وحده يستطيع أن يطيح بكل برامج شيوخ الأزهر يمينا ويسارا دون أدنى مقاومة. عمليا، ليس ثمة تأثير يذكر لهذه البرامج.

مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، لم تعد هناك فائدة من الإبقاء على هذه البرامج المملة. لا قضية ولا منهج ولا رؤية ولا مشروع ينفع الناس. هذه قنوات أنشئت على أسس تافهة، وستبقى كذلك.

7