حاول المتطرفون حجب الثقة عنه فقام بنفسه بحجب الثقة عن المرشد

السبت 2013/11/09
مهاجراني.. لا مستقبل للجمهورية الإيرانية بلا حرية

«الحمدلله الذي جعل الحَمْدَ مفتاحا للذِّكر، وأنا الآن أتذكّر نزار قباني وقصيدته الشهيرة : (يا ولدي ..لم أقرأ أبدا فنجانا يشبه فنجانك.. لم أعرف أبدا أحزانا تشبه أحزانك)…. وأنا مهاجراني لم أقرأ أبدا فنجانا يشبه فنجانكِ يا سوريا الحبيبة…لم أعرف أبدا أحزانا تشبه أحزانكِ».

كانت تلك الكلمات لسيد عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة الإيراني الأسبق، أمام الاجتماع الأول لرابطة الكتاب السوريين في القاهرة، في خريف العام 2012 الماضي، ولم يكن موقفه من ثورة الشعب السوري ضد الاستبداد منفصلا عن رؤيته إلى العالم، وفهمه للديمقراطية وطريقها الصعب.

فهو أحد الثوار الإيرانيين الذين رفضوا حكم الشاه، وانطلقوا في المظاهرات التي خرجت من الجوامع والجامعات في أواسط السبعينات، ليؤسسوا دولة العدالة التي حلموا بها طويلا، ثم ما لبثت تلك الدولة أن انقضت عليهم وهم صنّاعها والمبشرون بها.

جنة مهاجراني الرمادية

رأى مهاجراني إيران الشاه، ورأى اليسار الإيراني والحركة الدينية التي ارتبطت طويلا كما يقول بالـ «بازار»، وهو أحد أسباب نجاحها حين تحوّلت إلى ثورة فيما بعد، وشهد في جنّته اليانعة، والتي باتت تبهت ثم تبهت مع السنوات، حتى صارت رمادية بعيني من حرم من الكتابة والعمل والحياة في جنّته «بلده» إيران، ومن منعت الرقابات طباعة كتبه الأدبية والدينية والجمالية، «أعرف القصة التي رواها مولانا جلال الدين الرومي، عن جملٍ شوهد وهو يركض في الصحراء، فأوقفه راعٍ وسأله: لماذا تهرب أيها الجمل؟ قال: سمعت أن الحكومة تقتل الجمال التي لها ثلاث آذان في رأسها، قال الراعي: ولكنك بإذنين فقط، قال الجمل: نعم هم يقطعون رأس الجمل ثم يعدّون أذنيه.. ولذلك أهرب… ولذلك أنا لا أعود إلى طهران اليوم». ولذلك فقد اكتفى مهاجراني من تلك الجنة بروايته «الجنة الرمادية» التي طبعت في إيران أكثر من ستين طبعة، وانتشرت بين الناس ولكنها ما تزال ممنوعة من التداول رسمياً.

مهاجراني والثورة

ولد عطاء الله في قرية «مهاجران» في العام 1954 ثم انتقلت عائلته للحياة في المدينة الصغيرة «آراك». والده اختار لابنه أن يكون بجناحين جناح العلم الإلهي في الحوزة، وهو الثانوي، وجناح العلم المدني الأرضي في المدارس والجامعات، حتى قادته خطواته إلى أصفهان ليدرس التاريخ في جامعتها، ثم إلى شيراز، ليتابع الماجستير، متخصصاً في التاريخ والثقافة الإيرانية في العام 1983، وليدرك أكثر أن إيران هي مجموع كبير لشعوب وأعراق وثقافات لا يمكن له أن يتقزّم إلى كتلة واحدة، ولا يصحّ اختصاره في الثقافة الفارسية أو الشيعية وحدها.

يقول مهاجراني» في دستور الثورة، يوجد شرط يحدّد أن يكون رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران مذهبياً.. وهذا يعني أنه عليه أن يكون شيعيا، وأنا أرفض هذا البند، لأن إيران فيها من التنوّع ما يجعلها غنيّة بالقدرات.. لماذا لا يكون رئيس الجمهورية سنّياً؟!» زجّ مهاجراني بنفسه في أتون الثورة من أيامها الأولى، وصار من الدائرة القريبة من الخميني ذاته، الذي يقول عنه: «لا شكّ أن الخميني هو قائد الثورة في إيران، فقد كانت لديه شبكة كبيرة من التلاميذ منتشرين في كل أصقاع البلاد، حتى وهو في المنفى، ولأولئك التلاميذ أتباع في الجوامع، ولم يكن الخميني يوما ما معاديا للعرب، حتى أنه كتب شرحه لكتاب «فصوص الحكم» لابن عربي باللغة العربية وهو في سن الثامنة والعشرين، والمثير للدهشة أن شرح الخميني لـ»الفصوص» لم يترجم إلى اللغة الفارسية حتى الوقت الراهن».

فدخل مهاجراني الثورة وهو مؤمن بأنها الطريق إلى العالم الذي يرنو إليه، لا فرق بين العجمي والعربي، ولا مشاريع للتشييع في المنطقة، ولا وجود لأهداف إستراتيجية لبسط النفوذ الإيراني في العالم العربي، كل ذلك أوهام ومبالغات لم يزل مهاجراني يقاومها، ويحاول التأكيد على صحّة الثورة، وانحراف الثائرين.

وكان دخوله «مجلس الشورى» وهو في السادسة والعشرين من عمره في العام 1980، أمرا مذهلا بالنسبة إلى ثورة يهيمن عليها الملالي من كبار السن، فتألق في أفكاره التي تقبلها الخميني، وبالأخص في قضية الرهائن الأميركيين الذين رأى مهاجراني أن إطلاقهم هو الرأي الصحيح، وأن الثورة التي تطرد الإسرائيليين من سفارتهم في طهران وترفع عليها العلم الفلسطيني لا يصحّ أن تتصرّف كقاطع طريق.

وأصبح المثقف عاشق اللغة العربية وثقافتها قديمة وحديثة، الغارق في دراسة التاريخ الإسلامي والإيراني، مستشارا قانونيا وبرلمانيا للرئيس رفسنجاني في العام 1985، وكان يمثّل وجه إيران المثقف في سنوات الحرب مع العراق التي يراها مهاجراني حربا ظلمت العلاقات العربية الإيرانية، وتركـــــت لدى الإيرانيين جراحا عميقة «حين وقفت الدول العربية مع العـراق ضد ثورة وليدة وهي لم تكن سوى اقتتال بين الإخوان» على حدّ قوله، وخرجت إيران من الحرب، لتواجه مشاكلها الداخلية، حيــــث انقســام التيــارات المحافظة والأكثـــر محافظــــة، وصــراعُ الحيـــــاة الديمقراطيــــــة التي يقول عنها مهاجراني «لا شكّ أن الديمقراطية تحتاج إلى ديمقراطيين كي تعيش» ليقرّر تأسيس حزب خاص به يختلف عن الاتجاهين الكبيرين في البلاد، ناهيك عن ملايين من الصامتين ليس أدلّ عليهم من عرب الضفة الشرقية للخليج العربي والأعراق والمذاهب المنتشرة في إيران ولا صوت لها في مسرح السياسة، فرأى أن يقوم حزبه على الكوادر التقنية، وأطلق عليه اسم «كوادر البناء»، وعاش الحزب في الحياة الإيرانية داعياً إلى الانفتاح الثقافي والسياسي، ودعم وصول الدكتور خاتمي إلى سدّة رئاسة الجمهورية.

مهاجراني وزيرا للثقافة تحت حد السيف

قال خاتمي لمهاجراني: «اخترتك لتكون وزيرا للثقافة» فرد مهاجراني: «يا فخامة الرئيس، الثقافة تحتاج إلى سينما ومسارح وكتب وحريات..»! فأجاب خاتمي حاسما: «..كنت وزيرا للثقافة قبلك، وأنا أدرى منك بالإشكالات مع المحافظين، ولذلك اخترتك..لابدّ من التغيير».

جنة مهاجراني الرمادية
رواية «الجنة الرمادية» تتحدث عن الأوضاع الداخلية في إيران، وعن «العمائم» التي تحكمها، مما يمثّل جزءا من سيرة مهاجراني.

يقول الكاتب والباحث الإيراني المقيم في لندن حسن بشير «عطاالله مهاجراني السياسي والمفكر الذي لم يواته الزمان ليظهر شخصيته المختفية وراء عوالم مختلفة، كما نحسب، يلجأ أخيرا إلى عالم الرواية، ليرفع السـتار عما يخفيه في كل ما تكشـفه شخصيات الرواية وأحداثها، راسماً معالم هويته وأفكاره وأطروحاته.

ولذلك يمكن اعتـبار رواياته سيرا ذاتية تعكس كل زوايا حياته بشـكل آخر يسهل أن يفهمــها الكثـير ممن يعيـش ويتنفـس أجـواءها المتماثلة». الرواية طبعت في إيران أكثر من ستين طبعة، وانتشرت بين الناس ولكنها ما تزال ممنوعة من التداول رسمياً.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن مهاجراني الذي انفتح على الثقافـة العربية الحديثة وقرأ أبرز نتاجـاتها، ربطته صداقـات مـع أعلامها من أمثال محمود درويـش والطيـب صالح ونجيب محفوظ وجمال الغيطاني وسلمى الخضراء الجيوسي، وخلدون الشمعة، وآخرين، وزار البلدان العربية مرارا انسجامـا مـع فكرتــه عـن أهميـة إقامـة روابـط متينـة للثقافـة الإيرانيـة مـع الثقافـة العربيـة.

ولم يلبث الثوري الحالم أن تحول إلى رأس حربة للإصلاح الثقافي في أيران، الذي رأى فيه أساس كل تغيير في وجوه الحياة، بمواجهة الملالي والعمائم، فسمح بنشر الكتب الممنوعة، وإدخال ما لم يكن يحلم القراء برؤيته في الأسواق الإيرانية، وأعطى الموافقات على تأسيس فرق الغناء والرقص الغربي من قبل الشباب الإيرانيين، ودعم السينما الإيرانية، فعاشت نهضة فريدة وحصدت الجوائز العالمية.

حتى ضاق به المحافظون، وقرّروا قطع رأس الفتنة في البلاد، فتقدموا بطلب إلى مجلس الشورى بحجب الثقة عن وزير الثقافة سيد عطاء الله مهاجراني، وكان دفاعه عن نفسه مرافعة ثقافية أدبية تحت قبة البرلمان، قال مهاجراني: «يقول لكم الشريف الرضى:

أَعلمْتَ مَن حُملوا على الأعواد

أرأيتَ كيف خبا ضياءُ النادي

جَبَلٌ هوى لو غيصَ في البحر اغتدى

من ثقله متتابعُ الأزباد

ما كنتُ أعلم قبل حطّك في الثرى

أن الثرى يعلو على الأطواد

لا ينفد الدمع الذي يبكى

به إن القلوب له من الأمداد»

مصوّرا نظرية الشريف الرضى عن الجمال وأن الفنون ضرورة من ضرورات الحياة وأنها لا تتعارض مع الشريعة، ولكن كانت مزامير مهاجراني لا تجد لها آذانا تسمع، وقال مهاجراني إنه يرفض «الإرهاب الفكري» و»التشدد» و»التطرف»، ودافع عن الإسلام وسماحته، وعن مجلة «بهمن» التي أتاح النشر فيها لمختلف الاتجاهات السياسية والفكرية والفلسفية، صحيحٌ أنه بمرافعته أفشلَ محاولة سحب الثقة منه، من قبل البرلمان، ولكنه ما لبث أن تقدّم بنفسه باستقالته من منصبه كوزير للثقافة في الجمهورية الإيرانية، معلناً فشله في الصراع مع الظلام.

غادر مهاجراني وزارة الثقافة، ليختاره الرئيس خاتمي مديرا لمركز حوار الحضارات، ولتزيد صعوبة مهمته، فبعد مواجهة الداخل عليه أن يخلق للعالم حواراً مع من فشل في الحوار معهم أصلاً، وواصل لعبة الديمقراطية، مع شريكته وزوجته «جميلة كديور» ابنة المرجع الشيعي آية الله منوهر كديور أحد علماء الدين في حوزة شيراز، وأخت عالم الدين الإصلاحي الثائر محسن كديور، فحققت نجاحاً ساحقاً في الانتخابات التشريعية السادسة.

انشقاق مهاجراني عن الولي الفقيه

لا يرى مهاجراني مستقبلا للصراع الشيعي السني في المنطقة، ويعتبر أن هذا من الأخطاء الإستراتيجية الكبرى التي وقع فيها نظام طهران، وعلى رأس تلك الأخطاء دعم نظام بشار الأســد في حربــه ضد الشعب السوري، وقبل ذلك كــان مهاجراني قد افترق تماما عن مشروع المرشد والولي الفقيــه، حيــن وقف إلى جانب الثـورة الإيرانية بالكامــل، ولكن دون الاعتـراف بـرأسٍ مرتبــطٍ بالسمــاء يفكّر بـدلاً عـن الشعـب والسياسييـن.

ولم يقبل مهاجراني يوماً هيمنة مرشد الثورة على قرار رئيس الجمهورية، وهو الذي كان مستشاراً للرئيس لسنوات طويلة، ويدرك كم يحدّ المرشد من حرية الرئيس حتى يصبح مجرّد ظلٍ له وليس رئيساً لإيران.

ومن خلال بوابة الثقافة وحوار الحضارات، أقام مهاجراني علاقات وفيرة ووطيدة مع العالم بأسره، فأصبح صديقاً لأعداء إيران، لأنه كما يقول: «يؤمن بأن مستقبل الجمهورية الإسلامية مرتبط بقبولها الحرية والحوار، وإزالة التوتّر مع النطاق المجاور لها»، مما جعل من فلسفة مهاجراني في معارضة نظامٍ يحكم بلاده اليوم، فلسفة مختلفة تماما وجديرة بالبحث، فهو لا يريد أن يؤمن بعيوب وانحرافات الثورة، ولكنه واثق من صحّة المنطلق والاتجاه.

ويعزّز إيمانه هذا، بضرورة الصبر واستعمال سلاح الزمن في التغيير، وهو يدرك تماماً أن حياته في خطر، وهو الذي جعل من نفسه صورة نقيضة لوجه آخر من وجوه إيران يلعب معه في الملعب ذاته، ضدّه وضدّ اتجاهه وأفكاره، ألا وهو الجنرال قاسم سليماني، الذي يفسد عليه مهاجراني، الجدران العالية التي يبنيها بالتعاون مع فريق متشدّد في طهران يريد جرّ المنطقة والإسلام إلى انقسام تاريخي لم يشهد له مثيل منذ حرب علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان.

«ولكن كيف ترانا اليوم، وأنت تفكّر وتتحدّث كعالم ورجل دولة من أزمنة ابن سينا وسمرقند وأصفهان؟» سألتُ مهاجراني أمام النيل، فأجاب بشعر للعراقي العملاق معروف الرصافي:

«قد صَحَّ عزمُكَ والزمانُ مريضُ

حتّامَ تذهبُ في المُنى وتَئيضُ؟

ما بالُ همّكَ في الفؤاد كأنّهُ

عظمٌ يُقَلْقَلُ في حشاكَ مَهيضُ»

ليتابع بالقول: «اللاعقلانية هي جوهر الثورات… وهو ما حدث ويحدث اليوم في الشرق».

يعيش مهاجراني اليوم في لندن، منتظرا زمانه العليل، مؤمنا بالثقافة كسلاح وحيد في مواجهة التطرف والإرهاب والعقول التي تعيش في الماضي.

12