حاييم الزعفراني يفند تاريخ اليهود المليء بالدموع

من الأجداد القشتاليين إلى القرن العشرين.. كتابات تحيي تراث اليهود في المغرب.
الأربعاء 2021/04/28
ليهود المغرب تراث ثقافي عريق

يعتبر المفكر والمؤرخ المغربي حاييم الزعفراني من أبرز أعلام يهود المغرب، حيث ساهم طيلة عقود من البحث في إحياء تراث ثقافي عريق لليهود المغاربة بعيدا عن النظرة الاستشراقية أو السياسية أو الاستعمارية الضيقة. فحفر في الملامح الحقيقية لليهود ووطنهم المغرب والتي تفند الصورة الخاطئة التي رسخها الفكر الغربي من أن اليهود كانوا مضطهدين ومشتتين.

هل استطاع المؤرخ اليهودي حاييم الزعفراني الذي يعد واحدا من أهم الباحثين اليهود المغاربة، في كتابته المتعددة استنطاق موروث ديني وأدبي وفكري لطائفة يهودية أقامت في بلاد المغرب زهاء ألفي سنة؟ هل ما قدمه في كتاباته كاف لمعرفة التراث اليهودي المغربي؟ وهل دراسة قضايا الفكر والتربية والتعليم التي تقلد الزعفراني أمرها كافية للتعريف بالواقع اليهودي، وبالتالي تحقيق نهضة يهودية تخلص اليهود المهمشين من واقع الشتات الثاني المأزوم؟ هل سار في كتاباته على نفس المسار الذي تناولت به الدراسات المكتوبة باللغة الفرنسية الوضع اليهودي في المغرب؟

تساؤلات سعى الباحث المغربي المتخصص في الفكر اليهودي والثقافة الشعبية عبدالسلام شرماط أن يجيب عليها في كتابه “يهود المغرب في كتابات حاييم الزعفراني”.

تعايش سلمي مع المسلمين طيلة قرون
تعايش سلمي مع المسلمين طيلة قرون

إعادة الروح للتراث

يقول شرماط في كتابه، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، إن يهود المغرب عاشوا في حالة تساكن وتعايش كبيرين مع المسلمين طوال قرون تاريخية، تمتعوا فيها بحرص السلاطين والملوك على رعايتها، باعتبارها حقوقا يضمنها لهم الشرع الإسلامي مقابل أداء الجزية في ظل قانون الذمة، غير أن التدخل الأجنبي خلخل هذا التعايش، زاعما أن اليهود عاشوا في المغرب الإسلامي اضطهادا كبيرا منذ استقرارهم فيه، ما قاد العديد من الدارسين إلى الاهتمام بوضع اليهود والبحث في حياتهم من نواح مختلفة؛ التاريخي منها والاجتماعي والاقتصادي والقانوني والفكري.

ويرى الباحث أن الزعفراني قد تصدى إلى مثل هذه المزاعم، حيث أكد الزعفراني أن اليهود عاشوا في أمن واستقرار تولد منهما حنين كبير في ما بعد لأرض الأجداد، بل قاده تعلقه بطائفته إلى تناولها في كتاباته تناولا مختلف الأنحاء ومتعدد الاتجاهات؛ منها ما اهتم بالتعليم والمجتمع، ومنها ما اهتم بالشعر والأدب الشعبي، غايته في ذلك إحياء التراث اليهودي وفق بحث منهجي للوثائق الموجودة في الفكر اليهودي، ارتكازا على أشكال تعبيرية مختلفة؛ فالإبداع الأدبي: المكتوب والشفوي لا قيمة لدراسته بمعزل عن أشكال الفكر الأخرى، ولذلك فهو جزء لا يتجزأ من التاريخ؛ فكل إبداع أدبي وكل فكر هو مصدر للتاريخ، بل إن كتابة التاريخ يمكن أن تكون انطلاقا من السيميولوجيا والرسم والفلكلور والأدب والموسيقى.

ويشير شرماط إلى أن هدف الزعفراني من كل ذلك كان ضمان الحفاظ على تراث فكري روحي أورثه الأجداد القشتاليون واليهود المغاربة أحفادهم، حيث عرفت المجموعات المغربية، طوال القرون الأربعة الأخيرة المظلمة من تاريخ المغرب، كيف تحفظ تلقائيا كنز الثقافة الذي تسلمته لإنعاشه وبعث الحيوية فيه وإخصابه، كلما توفرت الشروط الملائمة لذلك. واستطاعت الجماعات فعل هذا في وقت كانت تعيش فيه تحت طوق مزدوج، نتيجة انعزال البلد نفسه عن كل حضارة غربية وتقوقعها، هذا التقوقع الذي كان يمنع أي اتصال فعال مع العالم الخارجي.

 ويرتبط الهدف الثاني لهذا النشاط الثقافي ارتباطا وثيقا بالهدف الأول؛ فهو يبرز القيم الشمولية لليهودية، وفي الوقت نفسه يعد مرآة تعكس رؤية الجماعة لذاتها، ووسيلة للتعبير عن عالم لم يكشف منه إلا القليل لحد الآن، ما حفز الزعفراني على ضرورة البحث، وكلف نفسه مهمة إعادة الروح لهذا التراث الثقافي اليهودي الموروث منذ العصر الذهبي للعبرية – العربية التي عاشت على أرض الإسلام، وبالتالي توضيح النشاط الوقاد الديني والفكري، وجو الروحانية المتفائلة اللذين سادا في وسط الطوائف المنسية، وقد أبدعت هذه الطوائف، بالرغم من هذا النسيان، إنتاجا أدبيا تضمن مساهمات لا يستهان بها في مجال التراث الفكري الذي ارتبط بموطنهم الأصلي، أو الموطن الذي فتح لهم ذراعيه، لاستقبالهم من جهة، أو ارتبط بالآداب الإنسانية والعلوم اليهودية من جهة أخرى.

وحول مجالات الكتابة عند الزعفراني، يضيف شرماط أن كتابات الزعفراني تكشف عن انفتاح عميق على الثقافة اليهودية في الغرب الإسلامي في فترة شكلت التاريخ الحقيقي ليهود المغرب، وهي الفترة التي امتدت ما بين نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين. لقد خص الزعفراني هذه الفترة بالبحث والدراسة انطلاقا من أشكال فكرية عديدة، باعتبارها جزءا لا ينفصل عن المحيط الثقافي في الغرب الإسلامي، من أهمها: التعليم والقانون والأدب المكتوب والشفوي، والشعر والقبالة، حيث كلف نفسه مهمة علمية، وعلى نطاق واسع، أحيا فيها عالما من حياة وثقافة الطائفة اليهودية المغربية، كما أشاد الدارسون بكتابات الرجل، واعتبروها مساهمة في التراث الوطني المبعوث من النسيان والمؤدي إلى أفكار جديدة.

الكاتب حاول تحطيم أسطورة الشتات في عالم الفكر اليهودي المغربي عامة والأدبي والشعري خاصة

وينبه شرماط إلى أن أبحاث الزعفراني لم تخضع لتخصص علمي واحد، بل كانت تختلف بين هذا التخصص وذاك؛ فمن التربية والتعليم إلى القانون، ومن الأدب المكتوب والشفوي إلى القبالة والتفسير التوراتي، إيمانا منه بأن هذه الأشكال الفكرية هي حجر الزاوية في بعث تراث فكري يهودي شامل، وإن كان يميل أكثر في البحث والدرس إلى الفكر التشريعي، اعتقادا منه أن الفكر التشريعي هو المرآة التي تعكس حياة الجماعة اليهودية الخاصة منها والعامة، لذلك كان يتعمق في شرح المفاهيم التشريعية.

 ويتلو الفكر التشريعي في الكتابة الآداب ذات التعبير اللهجي المختلف، والتي قسمها إلى أدب يهودي عربي وأدب يهودي قشتالي وأدب يهودي أمازيغي، وقد عمل على نشر هذه الأشكال من الآداب في مجلة الدراسات اليهودية، والمجلة الآسيوية، ومجلة الدراسات الإسلامية، ومجلة الغرب الإسلامي المتوسطي. وتلت دراساته في موضوع يهود المغرب التي بدأت بأبحاث في التعليم اليهودي التقليدي بأرض الإسلام، والأدب الشفاهي والمكتوب باليهودية العربية واليهودية الأمازيغية، مساهمة شاملة لمجموع الحياة الثقافية اليهودية في المغرب ما بين القرن الخامس عشر وبداية القرن الماضي، وتشمل دراسة الفكر اليهودي ومختلف أشكاله التعبيرية.

ويتابع شرماط أن مشروع الزعفراني جاء مقسما إلى قسمين كبيرين: الأول قسم يتعلق بدراسة التعليم اليهودي والأدب الشفاهي والمكتوب. والثاني قسم يشمل الفكر اليهودي ومختلف أشكاله التعبيرية، والذي حصره الزعفراني في القرون الأربعة الأخيرة. وفي ما بعد، تخطى الرجل هذه القرون ليضع بين أيدينا كتابات تضمنت مشاهد عامة من حياة اليهود في المغرب، مشاهد جمعت بين التاريخي والاجتماعي.

ويقول “كان شغل الزعفراني الشاغل هو تحطيم أسطورة الشتات (الدياسبورا) في عالم الفكر اليهودي المغربي عامة، والأدبي والشعري خاصة، إذ كان همه هو إعلان شمولية الفكر اليهودي، ووضع مبدأ لوحدته العضوية، مؤكدا على الترابط الذي هيمن على علاقات الحياة الفكرية اليهودية في المغرب، والتي تعد جزءا لا يتجزأ من الفكر اليهودي العام”.

رفض تاريخ الدموع

Thumbnail

يؤكد شرماط أن الزعفراني كلف نفسه مهمة البحث في التراث اليهودي قبل التهجير من الأندلس وبعده، كما بحث في خصوصيات الطائفة اليهودية الاجتماعية والدينية والفكرية في فترة امتدت من القرن الخامس عشر وحتى بداية القرن العشرين. وظل وفيا للمهمة التي ألقاها على عاتقه عقودا من الزمن، متجاوزا عقدة الآخر، دون الفصل بين الثقافات والديانات، وهو يصر على أن يظل وفيا لمهمته وقناعته منذ أكثر من ثلاثين عاما؛ وذلك بضرورة عدم التخلي عما علمه إياه التاريخ، وأنه لا بد من أن يحاول النظر إلى الأشياء من الداخل متجاوزا حواجز الغيرية، وأن يحتفظ دوما بالمسافة الكافية التي تسمح له بالنظر والفهم. إن الذي يحقق المستقبل الأفضل والأحسن هو الذي يترك جذوره تمتد عميقا في الماضي.

ويلفت إلى أن غاية المشروع الزعفراني، بعد بعث وإحياء التراث اليهودي في الأندلس والمغرب، كانت حث بني جلدته على العودة إلى ماضي أجدادهم الفكري والتمسك به؛ لأنه هو حجر الزاوية في صناعة التاريخ أولا، والحفاظ على الهوية الثقافية المعرضة للضياع ثانيا. إنه مشروع نهضوي يقوم على الرجوع إلى السلف اليهودي في الأندلس والمغرب.

ويوضح أن الزعفراني درس أشكال الفكر اليهودي في الغرب الإسلامي في فترة بدأت بالهجرة وانتهت بالهجرة؛ الهجرة من الأندلس في اتجاه المغرب خلال القرن الخامس عشر الميلادي، ثم الهجرة في اتجاه إسرائيل أو بعض الدول الأخرى خلال القرن الماضي؛ وتعد هذه الفترة بالتحديد فترة تذكر يهود اليوم بالحنين إلى الوطن؛ حنين يبعث على الشعور بالحزن والأسى عن فقدان وطن وجدوا فيه الأمن والحوار والتعايش، ولم يشعروا يوما بأنهم أغراب، كما هو الشأن اليوم في بلدان أخرى بما في ذلك إسرائيل؛ ولعل هذا الشعور هو الذي رفضه الزعفراني، وقرر الرجوع إلى ماضي الأجداد وبعثه قصد الاعتزاز به رافضا ما أسماه بالتاريخ المليء بالدموع.

مشروع الزعفراني يتعلق أولا بدراسة التعليم اليهودي والأدب الشفاهي والمكتوب ويشمل ثانيا الفكر اليهودي ومختلف أشكاله التعبيرية

وفي رأي المؤرخ فإن التاريخ الذي يعود إلى ألفي سنة على أرض المغرب المعطاء يكون ذاكرة يهودية مغربية، يتردد صداها في روح المهاجرين، حيث تدوي في موسيقاهم وغنائهم، في فلكلورهم وشعائرهم، في احتفالهم بلالة ميمونة والهيلولا، وفي مزاراتهم الجماعية لقبور أوليائهم المحليين، مثل الربي “عمرام بن ديوان” في وزان، و”موالين داد” بسطات وغير هذين.

والأمر أكثر عند المهاجرين الذين أقاموا في إسرائيل؛ فذاكرتهم تنبئ عن نفسها في حنينهم إلى الوطن وأسفهم الحزين وأزماتهم المريرة أو التي يثيرها الحنين الدفين، وفي كتاباتهم الغاضبة أو الهادئة. وتعبر هذه الذاكرة عن نفسها ببراعة في الخلق الأدبي العبري الناشئ لدى بعض الأدباء من أصل مغربي، وبالأخص في رهافة الشعراء الشباب الذين عبروا في آثارهم الأدبية الجيدة عن الروح المكلومة والثقافة المهمشة أو المهانة وقساوة العيش التي يعانيها شتات ثان. إنه التاريخ الذي عرف منه اليهود على أرض المغرب الوجه الوضاء وحرارة العاطفة والأفراح والأحزان.

ويرى شرماط أن ما ذكره الزعفراني لم يأت من الماضي الذي كرس له ربيع عمره، بل من واقع يختلف كل الاختلاف عن الماضي، واقع الشتات الثاني، حيث أصبح اليهودي يحن إلى الماضي أكثر من الواقع الذي يعيش فيه؛ لأنه ترك وطنا يشهد له التاريخ بالتقاء الحضارات والثقافات، واتجه نحو مجتمع لم يبلغ بعد طور المجتمع المتبلور المنسجم، بوصفه مجتمع هجرة، تكون في فترة زمنية قصيرة عبر موجات متتابعة من الهجرة اليهودية.

Thumbnail

صحيح أن يهودا هاجروا إلى بلدان أخرى، وفضلوا الاستقرار فيها، مثل فرنسا وكندا وأميركا اللاتينية، غير أن نسبة أخرى فضلت الوجهة نحو إسرائيل بفعل جهود الحركة الصهيونية ومنظمتها السرية، هذه الحركة التي سعت في ما بعد إلى طمس الهوية الثقافية ليهود المغرب والمشرق، وتحويلهم إلى يهود غربيين، الأمر الذي ولد المعاناة لديهم، وقد عبر عن ذلك شباب من اليهود الذين أحسوا بالأسى والمعاناة من الحقد والتمييز العنصري.

غير أن الزعفراني فضل أن يتجنب الخوض في هذه الملابسات، بوصفها تطرح قضايا معقدة انعكست بشكل سلبي على حياة اليهود الاجتماعية والثقافية، باعتبار أن هذا الأمر يصعب الخوض فيه؛ لأنه ملف كبير يتعلق بـ«إسرائيل الثانية» وعواقبها المعقدة التي لها الأثر الكبير على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وكلها ركام من المشاكل التي أزعجت وأقلقت الرأي العام في الشتات وفي إسرائيل، بعد أن زاغت عن أهدافها الحقيقية، وصارت موضوعا للتوتر والمواجهات الداخلية بين الطوائف. لذلك، حاول حصر مهمته في القضايا التي تعترض اليهودي السفردي أو الشرقي واليهودي المغاربي خاصة، وهي قضايا الفكر والدين والتعليم والتربية.

ويخلص شرماط إلى أن ما قدمه الزعفراني عن اليهود من أبحاث يعد مخزونا علميا يحظى بالاهتمام والدرس؛ ذلك أن الرجل انكب على البحث منذ خمسة عقود من الزمن قصد بعث فكر يهودي ظل حبيسا لسنوات طوال، ومن خلاله حاول إثبات هوية يهودية، انطلاقا من كتابات خلفها يهود أسلاف، سواء تعلق الأمر بالتربية أو القانون أو الإبداع الشعري أو التفسير التلمودي أو النثر الفني أو الكتابات الصوفية والسحرية؛ فقد شمل مجمل هذه الكتابات معلومات قيمة يجتمع فيها التاريخي بالاجتماعي والديني بالفكري، علما أن هذه القيم لا تنفصل في شموليتها عن المحيط العام الذي نشأت فيه، ونقصد بذلك الأندلس والمغرب؛ فالعلاقات التي كانت تربط اليهود بالمسلمين في هذا المحيط علاقات متينة بلغت مستوى الحوار والتلاقي، تجلى ذلك في الآداب الشفوية باللهجات المحلية، سواء منها اليهودية الأمازيغية، أو اليهودية العربية، أو اليهودية الأندلسية، زد على ذلك الأساطير والحكايات الشعبية وتقديس الأولياء.

14