حب

الأحد 2015/10/04
لوحة: عاصم الباشا

ضحكت ملء فيها والتفت إلى صديقتها:

- ألا تذكرين؟

- ماذا؟

- الاعتقال!

- أذكره، ولكن ما هو المضحك في الأمر؟

- سلسة المصادفات الغريبة لذلك اليوم. أول مرة أذهب إلى محكمة أمن الدولة التقيتك هناك، تتاجرين مع الشرطة بسبب طفل ضربه شرطي لأنه يكلم والده السجين، ضربت وضربت، وقعت على الأرض، ساعدتك على النهوض.

فتحت حقيبتي، كانت خالية من النقود، اضطررنا إلى الذهاب إلى بيتك بعد المشكلة كي نشرب القهوة ونتكلم قليلاً.

فوجئنا بدوريات الأمن عند موقف السيارات اعتقلوك، أكملت طريقي، لإخبار والدتك بما حصل، وجدت الشارع والحارة ومن ثمة البيت محاصرين بالأمن، انتظروني حتى دخلت البيت، اعتقلوني، وحجزوا أهل الدار جميعاً.

- ظننتهم أفرجوا عنك مع أختي وأولاد عمي، واكتشفت بعد أيام أنك لا تزالين قيد التوقيف.

أحسست لحظتها بقهر وإهانة وعجز لم أحسه في اعتقالاتي السابقة، كنت أنام وأصحو ونار تشتعل في داخلي، إضافة إلى القلق والتساؤلات الكثيرة عن سبب بقائك في السجن هذه الفترة، ولم يستطع التعذيب شبحك عني.

- سألوني عن تهمتي، قلت إني أعرفك ضحكت السجانة وضحكت معها السجينات ولم يصدقني أحد.

- بيدهم حق.

- لم أكن أعرف أنك خطرة إلى هذه الدرجة.

- ولا أنا.

نحن نعيد الحوار ذاته الذي دار بيننا قبل أعوام، عندما دخلت المهجع بعد الأشهر التي قضيتها في الزنزانة وطالما بدأنا به، تعالي نكمله وكأننا الآن في المهجع.

- ذكريني فذاكرتي مهشمة.

- لا عليك تفاعلي معي فقط.

دخلت المهجع حضنتني، دمعت عيناك اعتذرت مني.

كنت تبتسمين بوجهي، وتعانقينني، قلت:

- لا تخافي عليّ! لقد تأقلمت بسرعة مع الظروف الجديدة.

- أتمنى ذلك.

- هي الحقيقة، لن أكذب عليك، انتابني الخوف عندما دخلت غرفة التحقيق وأنا مطمشة العينين لكني طلبت منهم رفعها، صفعت على وجهي وسقطت على الأرض.

سألوني عنك، كيف تعرفت عليك. ومنذ متى . في تلك اللحظات كرهت نفسي ويوم ولادتي وساعة رأيتك وتعرفت إليك. وعندما أنزلوني إلى المهجع تضايقت بكيت بحرقة بقيت عدة أيام على هذه الحالة كنت أُسأل كل يوم عن أشخاص وأسماء.. و.. و.. الخ، أدركوا أني لا أعرف شيئاً وعلاقتي بالسياسية واهية وكذلك بالأحزاب.

- واقتنعوا؟

- هددوني بالجلد والكهرباء وصفعوني أكثر من مرة.

- في الأيام الأولى كانت الأسئلة تدور حولك، ضربت وعذبت وأنا أؤكد أني أعرفك معرفة اجتماعية وبطريق الصدفة.

- سألوا عني في العمل، وعند جهات أمنية أخرى. وهكذا أنهوا التحقيق بسرعة، وبدأت استرخي قليلاً ثم تغير الوضع.

- ما الذي حصل؟

سمعت صوتاً قرب (دورة المياه) يناديني باسمي، اقتربت من مصدر الصوت لحقته تابعته، كان يأتي من بلوعة الحمام شطفته ووضعت أذني قرب البلوعة أصغيت السمع ولم أحس بقرف أبداً. أتاني صوت شجي:

- ضعي ”النبريج”، في البلوعة.

- لا أدري كيف أتيت به نظفته مددته في جورة الحمام ووضعت أذني عند فوهته جاءني صوت حنون قريب حميمي: أعرفك جيداً، أنت بيضاء عيناك واسعتان طويلة، جميلة، تعملين في الدائرة الفلانية واسم عائلتك. رأيتك أكثر من مرة قرب عملك. كنت ترتدين جاكيت وحذاء زهريين. استفسرت عنك وها أنت الآن بجواري، حائط مهجعي هو حائط مهجعك والبلوعة مشتركة بيننا.

- من أين عرفت أني هنا.

رأيتك من ثقوب المهجع في الأيام الأولى من توقيفك عندما كانوا يأخذونك إلى التحقيق.

ساعة التنفس عقوبة وكثيرا ما رفضتها واعتبرت (ساحة التنفس) سجنا أقسى وأمرّ من وجودي في المهجع وكنت أجبر دائما عليها حتى التنفس إجباري. وحينما طلب مني الخروج إلى التنفس طواعيةً كي يراني، أثناء خروجي والعودة، صرت أنتقي وألبس أجمل البيجامات في المهجع كلما حان وقت التنفس، وتحولت تلك الساعة إلى ساعة حرية.

فيما بعد رجاني أن أتكلم بصوت عال وأنا ذاهبة وعائدةً من الساحة وقال إنه سيسمعني ويرد عليّ بقلبه وروحه وعيونه وجسده، وأنا سأفهم لغته وردّه. أما ليل السجن الطويل فأصبح فسحة للطيران خارج الأقبية والأسوار، نمضي الليل بطوله على البلوعة، أذني على فوهة “النربيج” أو فمي عندما أتكلم أو أرد عليه، أسمعني أجمل كلمات الحب والعشق، وغنّى لي أجمل الأغاني وتحولت الأقبية التي لا ترى الشمس مكاناً لأحلامي الجميلة الوردية.

- من يسمعك تتكلمين هكذا يعتبرها دعوة إلى حب الاعتقال.

- لا.. أصف حالتي بعد الحب.

- أكملي.

- تبادلنا الرسائل اليومية، رسالة، اثنتين، ثلاث. كتب فيها عن نفسه، دراسته، شكله، أهله، إخوته، أصدقاءه شهادته، سفره. وحلقت معه في سماوات وآفاق بعيدة، وكلها عبر كلمات الحب الشفافة والرومانسية. كتب لي ذات مرة أنه سيحملني كي لا يتسخ حذائي الزهري. وكان يخطط لعيد رأس السنة وكيف سنقضيه معاً.

وكان هناك سجان متعاطف معنا يحمل لي الأغراض والهدايا منه دون رشى أو مقابل.

عشت مشاعر حب جنونية. أنتظر الليل، سعادتي لا توصف عند سماعي قرعة قصعات العشاء، فهذا يعني أن وقت الكلام والمناجاة والبوح قد اقترب موعده.

طلب مني أن أنتظره بعد إطلاق سراحي كي نتزوج، كنت أراه رجلاً جميلاً ووسيماً فتياً.

- وهل رأيته؟

- حدد لي ساعة خروجه إلى مدير السجن وسعاله الذي يرافق خروجه. وقفت ساعات طويلة أمام باب المهجع رأيته ودققت النظر به. كان شاباً وسيماً فتياً. وعندما زارني في عملي بعد إطلاق سراحه لم أر فيه الشاب الوسيم الذي حرك مشاعري وزيّن سجني وحوله إلى واحة خضراء وجدته رجلاً كبيراً في السن، أما بريق عينيه فقد اختفى، تحول، ولم أر سوى شعر أشيب ووجه قاس.

السجن يزين الرجال والنساء، والنساء للرجال، حزنت كثيراً عندما نسيت الرسائل في السجن تحت البطانيات، ستعرف السجينات ما كان بيننا!

- بعد كل محاولات التغطية عليك!

- ماذا تفعل في الحمام طوال هذا الوقت؟

- إنها تكتب القصة والشعر، المكان هادئ ومريح وتستطيع التركيز فيه.

- وصدّقن؟

- البعض صدق والبعض الآخر ضحك، وعلقن أكثر من مرة على دواوين الشعر التي لم تكتب ولن تكتب.

- سأكتبها في الاعتقال القادم.

- قد لا تصادفين حبا من هذا النوع.

- إذن وداعاً ولن أراك بعد الآن كي لا أعتقل مرة ثانية!

كاتبة من سوريا

11