"حبة قمح" قصص هاشم غرايبة عن هموم الإحباط ومعاندة المصير

الجمعة 2014/11/21
طموح غرايبة يبدو سياسيا أو نضاليا ينزاح باتجاه الخروج من الشرنقة والمصائر المعلومة

عمان- (الأردن) - عن دار “الآن ناشرون وموزعون”، بالعاصمة الأردنية عمان، صدرت مجموعة قصصية بعنوان “حبة قمح”، للكاتب والقاص الأردني هشام غرايبة. المجموعة، التي أهداها إلى نبيل جعنيني، هي فضفضات الحبّة التي يطرأ عليها ما ينتاب صاحبها من هموم الإحباط ومعاندة الظرف وعدم مواتاة الريح.

لا يسلم صاحب الطموح مما يكدّر مشروعه أو يقف حائلا بينه وبين القطف، ونحن ها هنا أمام حوار عذب تحمله “حبة قمح” في ضروريات التلوّن والتشكّل وقدرية الولادة والموت، وهو ما حمّله القاص والروائي هاشم غرايبة مجموعته القصصية الجديدة الموسومة بـ”حبّة قمح”.


الخروج من الشرنقة

طموح هاشم غرايبة، على إيحاءاته، يبدو سياسيّا أو نضاليا، ينزاح باتجاه الخروج من الشرنقة، والمصائر المعلومة والانفلات الاستثنائي من عجلة الموت، بالرغم من بقاء الجذوة تجدّد ما يبعث على الحياة ويحمل الشعور بالكينونة أو الوجود.

نستهلّ مع غرايبة القصّة بهذه المقطوعة: «منذ الأزل كان الأمر هكذا، عادة أولد داخل بيتي وأتجدّد عبر دورة رتيبة مكرّرة كتبادل الليل والنهار. أولد أنا وأخواتي معا إلى أن يؤون الأوان، لأكون أكثر وضوحا، أعلّمكم أنّ التذكير والتأنيث لا معنى له في عالمي. لمّا يؤون الأوان، أتمظهر دائما على مثال الأصل وصورته، وأكرّر حضوري كلّ موسم بلا كلل. لا يحدث ذلك بيسر وعفويّة، كما يوهم حديثي؛ فالمصاعب ماثلة دائما، والمعاناة ضريبة أن أحيا وأحقق ذاتي، وأتجدّد متجرعة المحن، صابرة على مخاطر الطريق التي لا تحصى.

يحدث كثيرا أن تكون الظروف قاسية، بل لعلّها دائما قاسية. رأيت أترابي وهنّ يُطحنّ تحت أسنان جرذ قبيح، أو يختفين في منقار عصفورة جميلة، أو تعاندهنّ الظروف؛ ظروف التربة أو الطقس، فيعُدن أدراجهنّ إلى العدم.

في قصص هاشم غرايبة إلحاح على العودة إلى الطفولة؛ طفولة الكائن وطفولة الكون

عادة أولد مع أترابي متلفّعة بشرنقتي الخضراء الناعمة، وأظلّ تحت سمائي التي تبدو من موقعي هذا بلون بنفسجيّ لامع، أتمدّد تحت سمائي الصغيرة مستسلمة لعنايتها وأكبر، ثمّ أشفق عليها وهي تجفّ وتتشقق مبدّدة نفسها لتصير تلك السماء البهيّة قشورا ذهبيّةً تكمل زينتي، وتهيّئني لليوم الموعود، يوم التحقيق والانبعاث على صورة السلف، ذات الكمال وذات البهاء».

من القصّة نقتطف ملمحا، لعلّه يسعفنا في ما نحن سائرون إلى تحميله غرايبة، وهو -على أيّة حال- حرّ في وقوفه عند جمالية الصورة، أو تجاوزها إلى الغاية؛ محور القص: «حارس إثر حارس يجردونني شيئا من زينتي وجواهري. أصل الأرض منهكة، فأسرع للتواري بذرّات التراب، إن واتاني الحظّ، ثمّ أترك سرّتي لرطوبة الأرض وأنتظر مصيري. دائما أنجو، فلا أذهب إلى الطاحونة، لكنّي رأيت الكثير من مثيلاتي طوين سررهن الماسيّة وذهبن إلى العدم».

القمح، الموسم، الشرنقة، الكينونة، الماضي، العدم، اللحن المكرر، النضج، الكمال، المساواة، الطاحونة، التراب، العصفور، الريح، الشمس، رائحة الموت، مخاطر الطريق، المحن، جميعها مفردات تتنافذ على إنسانيات وقلق وتغري بالذهاب إلى خبرة القاص غرايبة وأيديولوجيته، وفي “حوران” دائما ما نكون مع كثير من القمح.


العودة إلى الطفولة


يقول مدير دار الناقد حسين نشوان إنّ في قصص هاشم غرايبة إلحاحا على العودة إلى الطفولة؛ طفولة الكائن، وطفولة الكون. وفيها يستعيد سيرة الأشياء بأنسنة اللحظة التي تختزل معنى الوجود الذي يمرّ أمامنا كطيف، مجرّد طيف لا نمسك منه سوى الحلم والوهم.

الكتاب يوثق لحظات إنسانية صادقة

ويقرأ نشوان في “حبّة قمح” لغرايبة (الماركسي) صوفيّة غامضة، لها إيمانها الخاصّ ومذاقها الخاص الذي تتلذّذ به النفس بداعي الحكي، ولما تشبّعت به الروح من معرفة قالتها التجربة الشخصيّة التي عاركت الحياة، وعاركتها حتى تجرّحت لغتها، فرقّت الكتابة من شدّة العناء والمعاناة.

ويضيف نشوان أنّ القاص الراوي يدوّن اللحظات الإنسانيّة الأكثر بساطة ضمن حوار داخلي يتأمّل فيه بصفاء العارف القلق رحلة الحياة في مدارجها ومنعرجاتها وفرحها ومفازاتها وخساراتها، ليقول بصوت خافت ما فاتنا وما لم نستطع الإمساك به؛ إذ يقول: «ما رأى وحده، بلغة مكثّفة، منوّعا بين دهشة الرمز وصدمة الصريح ضمن حكاية/حكايات تشبه ما يخالجنا بصمت، ولا يتسنّى لنا قولها: “إننا -فقط- نمرّ بالجمال”».

وهاشم غرايبة، كاتب أردني، من مواليد قرية حوارة في شمال الأردن سنة 1951. تخرّج من ثانوية إربد سنة 1969، ثمّ من معهد المهن الطبية ببغداد سنة 1973 بتخصص فني أسنان. وهو عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، وعضو في اتحاد الكتاب والأدباء العرب.

صدرت له من الروايات “بيت الأسرار” و”المقامة الرملية” و”الشهبندر” و”بترا: ملحمة العرب الأنباط” و”أوراق معبد الكتبا” و”القط الذي علمني الطيران”.

كما صدر له عدد من القصص القصيرة مثل “هموم صغيرة” و”قلب المدينة”، ترجمت إلى الألمانية، و”حبة قمح” و”عدوى الكلام”، ترجمت بعض قصص هذه المجموعة إلى اللغة الأنكليزية.

كما ألّف عدة مسرحيات، نذكر منها “كان وما زال” و”الباب المسحور” و”مصرع مقبول ابن مقبول” و”الوقوف على قدم واحدة” و”الغابة المسحورة” و”الصرح”.

وفي مجال الكتابة للأطفال صدر له “غراب أبيض” و”غزلان الندى”، و”السمكة الضاحكة” وهي عبارة عن تعريب لقصة الإيطالي أوجينو كاباتا. وله دراستان هما “الخيال العلمي في ثقافة الطفل العربي” و”أوهام سائدة في أدب الأطفال العربي”. كما صدر له كتاب بعنوان “الحياة عبر ثقوب الخزان ” (عن السجن والفرح والناس)، و”المخفي” وهو قراءات نقدية.

14