حبر "رورشاخ"

السبت 2014/10/18

يعتبر هرمان رورشاخ، عالم النفس السويسري الذي توفي عام 1922، أول من استخدم تقنية بقع الحبر لفحص مرضاه وتحليل شخصياتهم في محاولة لتقصي أسباب المرض النفسي ومطاردة خيوطه الخفية. وكان لبقعة الحبر هذه، الفضل في نشوء وتطوير مزيد من الاختبارات الإسقاطية لدراسة الشخصية على مدى قرن من الزمان.

تقوم فكرة رورشاخ على الاستعانة بأنماط تجريدية نموذجية من صور تمثل أشكالاً معينة (ملطخة) ببقع حبر غامضة ومتناظرة، يطلب إلى الفرد تخيلها وقراءتها وفق رؤيته الخاصة، بهدف الوصول إلى تشخيص دقيق لطبيعة مرضه النفسي. وعند تعريض المريض النفسي، مثلاً، إلى مجموعة من هذه الصور فإن دماغه سيعمل بصورة تلقائية لترجمة الأشكال إلى أفكار، هذه الترجمة تختلف من شخص إلى آخر تبعاً لطبيعة لاوعيه.

لذلك، فإن بقعة الحبر الواحدة قد تترجم بأكثر من وجه اعتماداً على عقلية المتلقي وطريقة قراءته للعالم الخارجي، أو كما يسميها أصحاب التحليل النفسي، الطريقة التي يسلكها اللاوعي في رده على المحفزات المختلفة.

وبما أن المرض النفسي لم يعد له بيت أو وطن أو عنوان، في هذه الأيام الكالحة من تاريخ الأرض، فإن اختبار بقعة الحبر يصح أن يكون متاحاً للجميع من دون استثناء، على اختلاف انتماءاتهم وأديانهم ومذاهبهم وقومياتهم وحجم الأوثان التي تسكن جماجمهم. أما بقعة الحبر الغامضة، فقد تكون حدثاً سياسياً أو عاصفة بركانية أو صورة لقتلى الحرب الأخيرة أو سلة مليئة بزهور بريئة.

فإذا تسنى للبعض من هؤلاء المرور مصادفة بجانب بقعة الحبر، فلا يمكن بأي حال التنبؤ بردود أفعالهم؛ فالعاصفة البركانية قد تكون كارثة طبيعية في نظر البعض من الذين يجاورونها جغرافياً وقد تكون مجرد خبر عابر في الجريدة يمر مرور الكرام على مزاج البعض الآخر. أما سلة الزهور البريئة فهي للبعض مصدر جمال وفرح وأمل، وقد تكون في عيون الآخرين مجموعة من أرواق ذابلة على ضريح ذكرياتهم.

الشيء الوحيد الذي ما زال يحير علماء مدرسة التحليل النفسي، هو قراءة الناس (الحبرية) للأحداث السياسية التي تحاكي غضب الطبيعة في كثير من الأحيان، براكينها وفيضاناتها وعواصفها ورياحها الاستوائية الداكنة، حيث تتخذ هذه القراءة أشكالاً محيرة ومتناقضة وقابلة للتدوير عند أية حركة تغيير ثورية. فصديق الأمس الذي يبدو وسيماً وديعاً في رأي البعض هو عدو اليوم المستبد الجبار في نظر البعض الآخر، ونظام الماضي الاستبدادي هو الأمل المنشود لتغيير الحاضر الديمقراطي المقيت في نظر المؤيدين أو هو منبع للخراب ومؤسسة للدمار في نظر المعارضين، والحرب المدمرة قد تكون انتصاراً للحق في نظر البعض وقد تكون ذراعاً للباطل في نظر البعض الآخر، والقتلى من المدنيين شهداء في نظر البعض أو مجرد أرقام فائضة في حساب معركة الدفاع عن كرامة التاريخ والجغرافيا والمدن التي خلت من سكانها في نظر البعض الآخر.

فالكل يبكي على ليلاه، ووسط زخات الدموع الوطنية هذه تتشوه الرؤية ويختلط الحبر بالبياض، ولا يتبقى من المشهد سوى بقع عشوائية من اللون الرمادي الذي يناقض طبيعته المحايدة، والذي لا يمكن إزالته حتى بأقسى مساحيق التنظيف المجربة. مات المغفور له رورشاخ، وفشلت كل المحاولات لتشخيص المرض النفسي بنسخته الحديثة.

21