حبر على ورق

السبت 2015/04/11

قبل عام أو أكثر، في جامع أو مدرسة ابتدائية، وفي بلد عربي أو أكثر لم يعد ذلك مهما، رصد أحد منتسبي (حلقة) لتحفيظ القرآن كائنا لم يتم تصنيفه بعد ضمن الفصائل الحيوانية المعروفة، وهو يضرب طفلا بطريقة بشعة بكل شيء وبأي شيء يطاله حقده ويصر على ملاحقته إلى آخر غرفة الدرس، ليواصل تعذيبه والتنكيل به، حتى ينتهي المشهد الذي استمر لدقائق ولم يكن المسخ قد أنهى معركته بعد مع الطفل البريء. لم يكن واضحا على وجوه الصغار الذين اجتمعوا في قاعة الدرس أي رغبة في الجلوس والاستمرار في المشاهدة، وبدلا من ذلك كان بإمكانهم مراقبة الجاسوس صاحب كاميرا الهاتف النقّال الذي صور الحادث ويده التي بدت مرتبكة ومتعثرة خشية افتضاح أمره.

الجهات المعنية وعدت بملاحقة (المعلم) مرتكب الجريمة، وكان بإمكانها أيضا أن تكيل إليه ما يحلو لها من تهم وعقوبات، ولم يعد ذلك مهما أيضا لأن الفاعل بقي مجهولا. وقبل أسابيع، اصطف تلاميذ مدرسة ابتدائية في ساحة المدرسة مثل صف جنود مهزومين في ساحة معركة، لتلقي عقاب فظيع بالعصا من معلّم ذابت ملامحه واختلطت مع ضجيج نبضات قلوب الأطفال العزّل في مكان كئيب ومتسخ خلا من جميع مظاهر النظام، وكان صاحب الهاتف الذي صور الواقعة من ضمن الكادر التدريسي الذي انشغل بتوثيق السلوك الجبان لأحد زملائه، لكنه كان ساكتا عن الحق شيطانا أخرس وأعمى أيضا. وبعد انتشار الفيديو المخجل، وعدت الجهات المعنية أيضا بتعقّب (المعلم) ومحاسبته على فعلته.

الحرب، الفقر، العمالة، التهجير، اليتم، ثيمات ارتبطت بالطفولة المعذبة في البلاد العربية، مضافا إليها الترهيب بشتى صوره؛ فإذا نجح الطفل في القفز على هذه المعوقات، فسيجد دوما من يقف له بالمرصاد ليضع في طريقه مزيدا من الأشواك والمطبات. في الاتفاقات الدولية يوجّه التعليم باعتباره وسيلة مهمة لتطوير شخصية الطفل ومواهبه وقدراته البدنية والفكرية إلى أقصى حد، كما يتعلم من خلاله الأطفال لغتهم وهويتهم الثقافية، قيمهم وقيم احترامهم حقوق الإنسان، حقوقهم وواجباتهم.

دخلت الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل حيّز التنفيذ في العام 1990، وتعد من أهم الاتفاقات الدولية المعنية بحقوق الإنسان من حيث مضمونها وحازت على شبه إجماع دولي. ولعل أهم بنودها يتعلق بحماية الطفل، أيّ طفل، من التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللانسانية والمهينة لكرامته. لكن المفارقة ما زالت تؤكد على أن الخروقات في مجال حقوق الأطفال قد تجاوزت كل الحدود والتصورات بعد ذلك التاريخ تحديدا، وفي بعض الدول العربية ما زال الأطفال يواجهون صنوفا من التعذيب والتحقير والإهانة من قبل الأبوين والمعلمين، حيث أصبحت الانتهاكات برامج يومية ممنهجة يمكن أن تستوقف المارة في الشارع أو المشاهدين في منازلهم أو التلاميذ في مدارسهم، فلا تجد لها رادعا، لا حكومات ولا منظمات مجتمع مدني معنية بالأمر، بسبب انشغالها بمشكلات الحروب والتهجير والقتل وبسبب قلقها المتواصل على سلامة الحدود المستباحة التي أصبحت عرضة لشتى أصناف “الحثالات” البشرية من قتلة ومتوحشين.

الاتفاقيات الدولية، ما زالت مواد قانونية جامدة وحبرا على ورق؛ داكن ومراق ومهدور تماما، مثل أرواح الصغار الأبرياء وكرامتهم المهدورة والمراقة دون ذنب أو جريرة.

21